العقارب… وموسم الهجرة من الرمل إلى العقول

منذ ساعتين

فاحذروا – رحمكم الله – عقاربَ الأقوال والأفكار كما تحذرون عقاربَ الأجساد؛ فإن سمَّ الفكر أبطأ سريانًا، لكنه إذا سرى استقرّ، وإذا استقرّ أهلك.

قال يحيى بن مَعِين رحمه الله:
«كان محمد بن مناذر زنديقًا يخرج إلى البطحاء، فيصطاد العقارب، ثم يرسلها على المسلمين في المسجد الحرام».
موسوعة أقوال يحيى بن معين في رجال الحديث وعلله (٢٧١/٤).

تأمّل هذا المشهد القاتم: زنديقٌ يتعمّد أذى الأجساد في أطهر البقاع، فلا يرقب حرمةً، ولا يستحي من مقام.

وما أشبهَ الليلةَ بالبارحة!
لقد تغيّر الوعاء، وبقي الداء؛ فالعقرب لم تَعُد زاحفةً على الرمل، بل غدت فكرةً تمشي في العقول، والسمّ لم يَعُد يسري في العروق، بل صار يتسلّل إلى القلوب.

فما أكثرَ زنادقةَ هذا الزمان! يطلقون عقاربَ أقوالهم في فضاءات التواصل، يلسعون بها عقائدَ المسلمين، وينفثون سموم الشك في صدورهم، في ثوب فكرٍ، أو قناع نصح، أو دعوى تنوير. تبدّلت الجلود، ولم تتبدّل الطبيعة؛ فالعقارب هي العقارب، وإن لبست ثياب الحِجاج، وتزيّت بزيّ الثقافة.

فعقارب اليوم كلماتٌ مسمومة، ومقاطعُ منحرفة، وأفكارٌ ضالّة، تُرمى في ساحات التواصل كما كانت تُرمى تلك الهوامّ في صحن الحرم؛ تُلسع القلوب قبل الأبدان.

ذاك زنديقٌ كان يقتل الطمأنينة بعقربٍ تُرى، وهؤلاء يقتلون الإيمان بعقارب فكرٍ لا تُرى، غير أنّ أثرها أمضى، وجرحها أعمق.

فاحذروا – رحمكم الله – عقاربَ الأقوال والأفكار كما تحذرون عقاربَ الأجساد؛ فإن سمَّ الفكر أبطأ سريانًا، لكنه إذا سرى استقرّ، وإذا استقرّ أهلك. فويلٌ لزمانٍ كثرت فيه العقارب الناطقة، وطوبى لمن عرفها قبل لسعتها، وسحقها قبل أن تُعيد نفث سمّها في قلبٍ جديد.
 

  • 1
  • 0
  • 33

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً