نعمة الأعداء
يحتاج المرء لعدوٍّ لكي يتحرر من صفاته السلبية؛ إذ لا يمكن أن تترقى الشخصية دون وجود نماذج تحتقرها وترغب بشدة في تجاوزها.
العداءُ نعمة؛ فثمة من لا يعبأ الله بهم ولم يرزقهم أعداءً فيه، ولم يمنَّ عليهم بالسكينة المنطوية داخل المواجهات، كما أنهم محرومون من ترقية الشخصية على إيقاع العداوة.
يصعب فهم هذه الفكرة في ظل التربية الحديثة؛ حيث يُعدُّ تجنب المرء للعداء وكراهية الناس هو مركز هذه التربية، ونتيجتها: تحوُّله لمسخٍ يسعى لإثارة الإعجاب على الدوام. أنتم ترون هذه الكائنات منتشرةً على مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى الآن لا يزال خطرهم محدوداً.
لكن بعد فترةٍ من لعبه لدور المهرِّج هذا، يخسر أفكاره الخاصة، ثم يخسر شخصيته، ثم معجبيه؛ فيدافع عن نفسه بِكُره الناس بالعموم واحتقارهم.
قال الإمام ابن حزم في "الأخلاق والسِّيَر":
"فإن لم يكن لك عدوٌّ فلا خير فيك، ولا منزلة أسقط من منزلة مَن لا عدوَّ له؛ فليست إلا منزلة مَن ليس لله تعالى عنده نعمةٌ يُحسَدُ عليها، عافانا الله".
يحتاج المرء لعدوٍّ لكي يتحرر من صفاته السلبية؛ إذ لا يمكن أن تترقى الشخصية دون وجود نماذج تحتقرها وترغب بشدة في تجاوزها. هذه الفكرة هي الأساس في الحضور الكثيف لبني إسرائيل في القرآن الكريم.
يُنقل عن أهل التدبر هذه الملاحظة الجوهرية:
"القرآن نصفه فينا ونصفه في عدوِّنا، والذي في عدوِّنا.. فهو فينا".
_________________________
الكاتب: طارق خميس
- التصنيف: