جوهر الصبر أن نتحمل ما لا تفهم

منذ 15 ساعة

كما انتهت رحلة موسى عليه السلام بانكشاف الحكمة، تنتهي كل رحلة صبرٍ واعٍ إلى وضوح، إذا كان الطريق حقًا، والسير فيه ببصيرة.

ليس الأمر دعوةً إلى تعطيل الفهم، ولا تزكيةً للغموض، بل هو أحد أعقد مقامات التربية: أن يملك الإنسان القدرة على الثبات حين تتأخر الحكمة، دون أن يفقد وعيه أو بوصلته.

لقد جسّدت قصة موسى والخضر عليهما السلام هذا المقام بأرقى صورة منهجية؛ فالسؤال الذي واجه به الخضرُ موسى عليه السلام: قال تعالى: ﴿ {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} ﴾
لم يكن إنكارًا للسؤال، بل كشفًا لطبيعة الصبر حين يُختبر في منطقة العمى المؤقت عن المعنى.

التربية القرآنية لا تُنشئ إنسانًا مُستسلِمًا، بل إنسانًا قادرًا على تأجيل الحكم دون إلغاء العقل، موسى عليه السلام لم يكن جاهلًا، بل كان صاحب رسالة، ومع ذلك اشتدّ عليه الصبر لا لضعف إيمانه، بل لقوة معاييره الأخلاقية؛ وهنا يتجلّى معنًى تربويٌّ دقيق:
كلما ازداد وعي الإنسان، اشتدّ عليه الصبر على ما يبدو خللًا في ميزان العدل والعقل.

ولعلّ الصبر في هذه القصة كان امتحانًا للمنهج، لا للمشاعر.

فعلامات الاستفهام ليست بالضرورة انحرافًا عن الطريق؛ إذ  تظهر علامات استفهام في كل مسار تربوي أو معرفي أو إنساني: أفعال لا تُفهم، قرارات لا تُبرَّر، منعطفات لا تُشرح؛ والمنهج التربوي الرشيد لا يطلب من المتعلم أن يغضّ بصره عنها، بل أن يقرأها قراءة صحيحة.

فالفرق كبير بين: صبرٍ يُبنى على الثقة والمرجعية، وصبرٍ يُفرض بدعوى الطاعة العمياء، فيتحول إلى تعطيل.

موسى عليه السلام سأل، واعترض، وتوقف؛ لأن السؤال هنا كان تعبيرًا عن يقظة الضمير، لا عن سوء الأدب، لكن الخلل لم يكن في السؤال ذاته، بل في توقيت السؤال قبل اكتمال الصورة.

من قصة موسى والخضر تتأسس منهجية تربوية مهمة:
1- الصبر واجب حين يكون الطريق موثوق الأصل
فحين نعلم أن المنهج سليم، وأن القائد أمين، وأن الغاية حق، فإن الغموض يصبح مرحلة، لا خطرًا.
2- السؤال ضرورة حين تغيب المرجعية؛ فالصبر بلا مرجعية يتحول إلى تبرير، والسكوت بلا بصيرة يصبح تفريطًا.
3- تأجيل الفهم ليس إلغاءً له؛ فالحكمة قد تتأخر، لكنها لا تُلغى، ومن عجز عن الصبر على الغموض عجز عن بلوغ العمق.


إن الصبر الذي تبنيه التربية الواعية ليس صبر العاجز، بل صبر العارف بحدود معرفته، هو أن تسير في الطريق وأنت تعلم أن بعض المنعطفات لا تُشرح، وأن بعض الأفعال لا تُفهم، وأن بعض الحكم لا تُعطى إلا بعد أن تُستوفى التجربة.

وكما انتهت رحلة موسى عليه السلام بانكشاف الحكمة، تنتهي كل رحلة صبرٍ واعٍ إلى وضوح، إذا كان الطريق حقًا، والسير فيه ببصيرة.

فليس كل ما نجهله باطلًا، ولا كل صبرٍ فضيلة، إنما الفضيلة في صبرٍ يحرسه العقل والوعي والعلم، وسؤالٍ تضبطه الثقة، وطريقٍ تُراجع إشاراته دون أن تفقد وجهته.


فيا ربّ صبرًا على ما لم نحط به خبرا

  • 0
  • 0
  • 16

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً