الوظيفة عبادة وأمانة ومسؤولية

منذ 4 ساعات

الوظيفة في ميزانِ الإسلامِ شأنٌ آخرُ؛ فحينَ يُغادِرُ الموظَّفُ منزِلَه مُستحضِرًا أنَّه يمضِي إلى مِحرابِ عبادةٍ؛ عندَها يتحوَّلُ وقتُ العملِ إلى متعةٍ، وتغدُو منجَزاتُه سعادةً؛ ويُصبِحُ الجهدُ المبذُولُ قُربةً، وساعاتُه رصيدَ أجرٍ.

الوظيفةُ عملٌ دَؤوبٌ، يقضِي الموظَّفُ في رِحابِها رَدْحًا مِنْ عُمرِه؛ يغدُو إليها كلَّ يومٍ، ويرُوحُ منها كلَّ مساءٍ، وقد تتحوَّلُ -مع مُرورِ الزمنِ- إلى عادةٍ رتيبةٍ؛ يتسلَّلُ إليها الملَلُ أحيانًا، ويُخالِطُها التراخِي أحيانًا أُخرى.

لكِنْ للوظيفة في ميزانِ الإسلامِ شأنٌ آخرُ؛ فحينَ يُغادِرُ الموظَّفُ منزِلَه مُستحضِرًا أنَّه يمضِي إلى مِحرابِ عبادةٍ؛ عندَها يتحوَّلُ وقتُ العملِ إلى متعةٍ، وتغدُو منجَزاتُه سعادةً؛ ويُصبِحُ الجهدُ المبذُولُ قُربةً، وساعاتُه رصيدَ أجرٍ.

وبالإتقانِ يترقَّى في مدارِج العبوديَّةِ، فينشرِحُ صدرُه، وتتَّقِدُ همَّتُه، ويبذُلُ أفضلَ ما لديه؛ ويجدُ في قضاءِ حوائِجِ الناسِ لذَّةً لا عَناءَ فيها؛ لأنَّه يعمَلُ للهِ قبلَ أَنْ يعمَلَ للناسِ. ومَنْ راقَبَ اللهَ في عملِه سَمَا أَثَرُهُ، وبُورِكَ له في مسعاه.

كلُّ وظيفةٍ -مَهمَا عَلَتْ أو صغُرَتْ في نظرِ الناسِ- هي لَبِنةٌ في كِيان الوطنِ والأمةِ: الداعيةُ في مِحرابِه، والمُعلِّمُ في صفِّه، والطبيبُ في عيادتِه، والمُهندسُ في عِمرانِه، ورجلُ الأمنِ في موقعِه، والإداريُّ في إدارتِه. كلُّ هؤلاء وغيرُهم يحمِلُون دَورًا، ويُؤدُّونَ رسالةً؛ بهم يتقدَّمُ المُجتمعُ، وتَنْمُو التنميةُ، ويقوَى البُنيانُ، وتستقِرُّ الحياةُ.

الوظيفةُ ليست عَقدًا إداريًّا ينتهِي بحضورِ الجسَدِ، وانصِرَافِهِ في الوقتِ؛ بل هي مِيثاقُ أمانةٍ، وتكليفُ مسؤوليَّةٍ، يُسألُ عنها صاحبُها يومَ القيامةِ؛ فوقتُ الدوامِ أمانةٌ، وساعاتُه أمانةٌ، ومُعاملاتُ الناسِ أمانةٌ، وأسرارُهم أمانةٌ، وحاجاتُهم أمانةٌ.

ومَنِ استشعرَ جلالَ هذه الأمانةِ، وعِظَمَ هذه المسؤوليةِ؛ لم يُعطِّلْ مصالِحَ الناسِ، ولم يُماطِلْ في خدمتِهم، ولم يُؤخِّر إنجازَ أعمالِهم بلا حقٍّ؛ بل يدفعُه ضَمِيرُه الحيُّ، ومُراقبتُه للهِ إلى أداءِ مُهمَّتِه بصدقٍ، وإعطاءِ كلِّ ذِي حقٍّ حقَّه.

الوظيفةُ -في حقيقتِها- خدمةٌ للناسِ، وهذا شرفٌ عظيمٌ؛ بل هو مِنْ أحبِّ الأعمالِ إلى الله، كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ» (رواه الطبراني، والبيهقي).

ويَعظُمُ الأجرُ، ويَثْقُلُ الميزانُ حين يكونُ الإنسانُ في موضِع نفعٍ يتجاوَزُ ذاتَه إلى ميدانٍ فَسِيح: فالمُعلِّمُ وهو يُعلِّمُ النَّشْءَ؛ يبني أجيالًا. والمُهندسُ وهو يُطوِّرُ العِمران؛ يُسهِّلُ الحياة. والطَّبيبُ وهو يُداوِي الجِراح؛ يُحيِي الأمل، ويُخفِّفُ الألَم. والإداريُّ حين يُيسِّرُ شُؤونَ الناس؛ يرفعُ عنهم عناءً. ورجُلُ الأمنِ في موقعِه يصُونُ وطنًا، ويحرُسُ أُمَّةً.

كلُّ لحظةٍ تُعينُ فيها إنسانًا، وكلُّ جُهدٍ تبذُلُه في قضاءِ حوائِجِ الناسِ هو عبادةٌ خفيَّةٌ؛ تُكتَبُ لكَ في صحائِفِ أعمالِكَ، وتُرفعُ لكَ في ميزانِ الآخرةِ. وهناكَ لا يضيعُ معروفٌ، ولا يخفَى جُهدٌ، ولا يُنسَى إحسانٌ.

ومِنْ سُننِ اللهِ الماضيةِ -وسُنَنُه لا تتبدَّلُ- أنَّ اللهَ يُعامِلُ الإنسانَ كما يُعامِلُ الناسَ؛ فالجزاءُ من جِنسِ العملِ؛ مَنْ يسَّرَ على الناس يسَّرَ اللهُ عليه شأنَه، ومَنْ أعانَ صاحبَ حاجةٍ أعانَه اللهُ، ومَنْ رحِمَ ضعيفًا أو مكروبًا رحِمَه اللهُ.

وإن كان الجزاءُ مُؤجَّلًا للآخرةِ، فإِنَّ بشائِرَه تُعَجَّلُ في الدنيا: طُمأنينةً في القلب، وبركةً في الولد والصحة، وتوفيقًا في المسعَى، وحُسنَ خاتمةٍ في المُنتهَى.

ومَنْ أخصِّ مظاهرِ هذه البركةِ، وأقربِها إلى حياةِ الناسِ اليوميَّةِ: طِيبُ المأكلِّ، ونماءُ الرزقِ. فالمُوظَّفُ الذي يتحرَّى الحلالَ في وقت دوامِه يعلمُ أنَّ اللُّقمةَ التي يُقدِّمُها لأهلِه قد اختلَطَتْ بعرَقِ الإخلاصِ، فاستوجَبَتْ حفظَ اللهِ ورعايتَه.

وكما أنَّ العملَ عبادةٌ، فإن صيانتَه من شَوْبِ الحرامِ أو التقصيرِ هو -أو هي- تمامُ هذه العبادةِ. بها يطيبُ العيشُ، ويُستجابُ الدعاءُ، ويَحِلُّ الرِّضا في القليل قبل الكثير.

وفي المُقابِل: مَنْ شقَّ على الناس بتعطيلِ معاملاتِهم، أو قسَا عليهم في إجراءاتهم؛ شقَّ الله عليه. فهذه سُنَّةُ الله، وسُنَنُه لا تُجامِلُ أحدًا. وقد دعَا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: «اللهمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أمرِ أُمَّتِي شيئًا فشقَّ عليهم فَاشْقُقْ عليه؛ ومَنْ وَلِيَ من أمرِ أمتي شيئًا فرفقَ بهم فارفُق به» (رواه مسلم، من حديث عائشة -رضي الله عنها-).

وحين يستشعرُ المُوظَّف أنَّه في عبادةٍ يتحلَّى بالصبرِ الجميلِ، ويتَّسعُ صدرُه لحاجاتِ الناسِ؛ متخلِّقًا بالرِّفق الذي يُجمِّلُ العملَ ويُصلِحُه. وهو بشاشةٌ في الوجهِ، وكلمةٌ طيبةٌ، وحُسنُ استماعٍ، وتيسيرُ إجراءٍ، ومُرَاعَاةٌ لأحوالِ الكبيرِ والمُحتاجِ ومَنْ ضاقَ به الحالُ، وقد قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه» (رواه مسلم، من حديث عائشة -رضي الله عنها-).

ثم يأتي التواضُع؛ وهو رِفعةٌ حقيقيةٌ، وعلُوُّ قَدْرٍ يُحَسُّ في القلوبِ قبلَ أن يُرَى العيون؛ المُوظَّفُ المُتواضِعُ يرى المنصِبَ وسيلةً لخدمةِ الناسِ لا منصَّةَ استِعلاءٍ؛ لا يُفرِّقُ بينَ كبيرٍ وصغيرٍ، ولا بينَ صاحبِ جاهٍ وبسيطٍ.

هكذا كان هَدْيُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ أرفعِ الناس مقامًا، وأليَنِهم جانِبًا؛ يمشِي مع الأرملَةِ والمسكينِ، ويقضِي حاجتَهم ويخدمُ الجميعَ، قال -تعالى-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الْفُرْقَانِ: 63].

وبناءً على ما سبَق: لِيَعْلَمْ كلُّ مُوظَّفٍ أنَّ حياةَ الوظيفةِ ليست أيامًا تمضِي ثم تُنسَى؛ بل صفحةٌ مُدوَّنةٌ، وسجِلٌّ مكتوبٌ؛ ينتظِرُ صاحبَه يومَ يلقَى اللهَ، قال اللهُ -تعالى-: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزَّلْزَلَةِ: 7].

  • 0
  • 0
  • 26

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً