بعض آثار الاستهلاك الرأسمالي

منذ 17 ساعة

فلكي تشتري، وتستمتع، وتراكم الديون، يجب أن تنسى النهاية، وذكر الموت يوقظ الوعي، والوعي عدو الاستهلاك … فالميت لا يشتري، والخائف من الآخرة يشتري أقل ويقتصر على الضروريات … لذا يجب نسيان فكرة الموت ليظل المستهلك في حالة نشوة دائمة.

قال تعالى: {وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ}

‏هذه الآية تنسف مفهوم الحتمية المادية في ظل نظام اقتصادي حديث قائم على إلغاء المجهول ويقيم رقميًا حالة اللايقين.

‏فقديماً كان التاجر والمزارع يعيش حالة توكل يومية، لا يعرف هل ستمطر أم لا؟ هل سيربح أم لا؟ فكان الغيب حاضرًا.

‏أما اليوم … فالراتب الشهري وعقود العمل طويلة الأجل، وخطط التقاعد، خلقت فينا وهمًا بأننا نعلم بالضبط ماذا نكسب غدًا … وبدون وعي تحول الرزق من عطاء إلهي لا نحتسبه إلى استحقاق تعاقدي مضمون (في ظننا)، وعندما يخبرك البرنامج المحاسبي وعقد العمل بما ستكسبه في 2030، فإن الغد يفقد قداسته الغيبية.

‏ومن منتجات هذا النظام الاقتصادي الحديث صناعة التأمين … التي جاءت لتسليع الغيب والمخاطر وتبيع لك صك غفران ضد كوارث المستقبل، فأنت تدفع قسطًا لتضمن أنك إذا مرضت ستعالج، وإذا مت سيرث أطفالك.

‏إذن … هذه المنظومة صُممت لتخبرك بأن لا تقلق، نحن ندري ماذا سيحدث غداً، وقد أمّنا عليه.

‏وبالنسبة للموت فإن الحضارة المادية تقوم على فرضية بسيطة لكنها خطيرة ألا وهي " ما لا يمكن قياسه أو التحكم فيه … يجب إقصاؤه من الوعي العام "، والموت لا يمكن التحكم فيه، لا يمكن تأجيله بلا نهاية، لا يمكن إخضاعه للمنطق الاستهلاكي، ولا يمكن تحويله إلى مشروع ربح مستدام. 

‏لذلك صُممت البيئة الحديثة لإقصاء الموت … فأنت تلحظ أن المقابر في خارج المدن، لا جنازات في الشوارع، المستشفيات تعزل الموت عن الحياة … وفي الخطاب العام من يذكر الموت يُتهم بالتشاؤم، السلبية، تعطيل الإنتاج، تعكير المزاج … وكأن الحياة حفلة لا يجوز تذكير الضيوف بانتهائها  (متى أخر مرة رأيت فيها ميت أو شيعت جنازة حتى القبر؟).

‏وفي الإعلام الموت الحقيقي غائب ويحضر فقط كمشهد سينمائي بلا معنى، بلا تأمل، بلا حساب، بلا سؤال …  فتحول الموت من عظة تهز القلوب إلى مؤثرات بصرية … ولذلك عندما يرى الإنسان الموت الحقيقي، لا يتأثر، لأنه شبع من صورة الموت المزيفة.

‏وعندما يُمنع الإنسان من التفكير في الموت فلابد أن يبحث عن تعويض وتخدير لإطالة وهم البقاء فيظهر هوس الشباب، عبادة الجسد، الهروب الدائم إلى اللذة ثم بعد ذلك قلق مزمن رغم الوفرة.

‏والرأسمالية قائمة على الغفلة {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}… فلكي تشتري، وتستمتع، وتراكم الديون، يجب أن تنسى النهاية، وذكر الموت يوقظ الوعي، والوعي عدو الاستهلاك … فالميت لا يشتري، والخائف من الآخرة يشتري أقل ويقتصر على الضروريات … لذا يجب نسيان فكرة الموت ليظل المستهلك في حالة نشوة دائمة.

‏فلماذا نسينا الغد المُرتبط بالآخرة؟

‏لأننا مشغولون جدًا بالحاضر … منصات التواصل، التنبيهات والإشعارات، مواعيد التسليم، كلها تسرق منك المُستقبل عبر إغراقك في تفاصيل الحاضر.

‏وهذه الآية هي إعلان تمرد على النظام المادي المغلق، وحالة اللايقين المرعب لنظام يريد ضبط كل شيء … هي تقول أنك لستَ المسيطر، والسيستم ليس الإله، والأرض ليست ملكك، والغد ليس في جيبك.

‏نحن لم ننسَ هذه الآية سهوًا … نحن أُنسيناها بفعل فاعل، فإن هندسة حياتنا المُعاصرة جعلتنا بدون وعي ننسى مدلول هذه الآية، فالنسيان هنا ليس خطأً في الذاكرة، وإنما هو المُنتج النهائي للحضارة المادية … لذلك، يجب أن تُنسى، لتبقى التروس تدور.

‏فتذكر دومًا … {وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ}.

________________________________________
الكاتب: وليد ياسين

  • 2
  • 0
  • 65

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً