الفقه الرقمي

منذ 6 ساعات

حين دوّى صليل الحرب الروسية الأوكرانية، لم يكن حديدها يطحن الأرض وحدها، بل امتدت أصداء المعركة إلى الفضاء الرقمي، حيث نشبت حرب سيبرانية ضارية

حين دوّى صليل الحرب الروسية الأوكرانية، لم يكن حديدها يطحن الأرض وحدها، بل امتدت أصداء المعركة إلى الفضاء الرقمي، حيث نشبت حرب سيبرانية ضارية، تتساقط فيها المنصات كما تتهاوى القلاع عند أول ثغرة في الأسوار، وتعرضت منصات كبرى – وفي طليعتها تطبيق التليجرام – لهجمات متتابعة، وتعطيلات مفاجئة، جعلت الملايين يرقبون شاشة أجهزتهم كما يرقب أهل المدن شقوق الجدار قبيل انهياره.

في تلك اللحظة الفاصلة، تجلّت صورة مذهلة: مشاريع علمية، ومبادرات دعوية عريقة، وقنوات إصلاحية مؤثرة، كلها معلّقة بخيط هشّ في فضاء مستعار، إذا ارتجّت المنصة التي تحتضنها، سقط معها الجهد، وتبدّد الأثر، وتفرّقت السنون المكدّسة كما يتفرّق الحبر عند أول قطرة ماء، عندها برزت ضرورة أن نعيد صياغة علاقتنا بالتقنية في إطار ما يمكن أن نسمّيه هندسة الوعي التقني؛ وعيٌ يقرأ التقنية بعيون الفقيه وبصيرة المؤرخ، فيراها ميدانًا من ميادين البقاء، لا مجرد أداة من أدوات النشر.

وهذا الوعي لا يكتمل إلا إذا انتقل من حيز الشعور إلى ميدان العمل، عبر خمس مسارات منها:
١-بناء المنصات المستقلة: تشييد بيئات رقمية خاصة بكل مشروع، تملكها وتديرها الأيدي التي تحرس رسالته، فلا تظل رهينة تقلبات السياسات الدولية أو غيرها من الأسباب.

٢-الاستضافة الآمنة للبيانات: حفظ قواعد البيانات في خوادم موثوقة تحت إشراف مباشرة، وتحصينها بأدوات التشفير والحماية المتقدمة.

٣-البرمجيات مفتوحة المصدر: تبني التقنيات القابلة للتطوير الذاتي، بما يكسر قيد الشركات الاحتكارية، ويضمن سيادة القرار التقني.

٤-تشكيل فرق تقنية متكاملة: جعل أهل البرمجة والتطوير جزءًا أصيلًا من نسيج المبادرة، يتنفسون أهدافها، ويشاركون في صناعة مسارها.

٥-النسخ الاحتياطي الموزع: إجراء نسخ احتياطية دورية للمحتوى وتوزيعها على أكثر من موقع جغرافي لضمان التعافي السريع عند أي انقطاع.

إن السير في هذه المسارات هو من تمام الفقه الرقمي، وحراسة الأثر، وصيانة ميراث الفكرة، ولا يكفي أن نحمل الرسالة، بل يجب أن نشيّد لها القلعة التي تصونها من العواصف. 

_________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء

  • 0
  • 0
  • 37

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً