أني بما أنا باكٍ منه محسودُ

منذ 5 ساعات

حياةٌ هادئة، مستقرة، تحفّها السكينة، ويظلّلها الرضا، قريبة من الله، بعيدة عن مساخطه، نزيهة شريفة، وسلامٌ نفسي، وأُسرةٌ تحبّك وتحبّها، وكفايةٌ تسدّ الحاجة؛ ذلك – والله – ملكٌ كبير، ونعمةٌ عظيمة..."

ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبُه   **   أني بما أنا باكٍ منه محسودُ

هذا بيت للمتنبي، تأمّلتُ في  شطره الثاني طويلاً؛ فإذا به يصوّر مأساة الإنسان حين يُخطئُ في الميزان، فيقيس النجاح بما يراه الناس، لا بما يعيشه صاحبه. وهو مرآة صادقة لأحوالٍ كثيرة حولك. 

كم من إنسانٍ يُغبط على نعمةٍ هي في واقعه محنة، ويُحسب في أعين الناس موفقًا، وهو في خلوته يتمنى لو لم يُعطَ ما أُعطي.

يُروى أن رجلًا بلغ ذروة السلطان والحُكم، فالتقى زميلًا له من أيام الدراسة، يعيش حياة هادئة، مستقرة، مكفية، تحفّه أسرته ويأنس بأولاده، فقال له: أنت الذي فلحت فينا. قالها بصدق العارف، لا بزهو المتفوّق؛ لأنه أدرك ــ متأخرًا ــ  أن النجاح ليس ما تراه العيون، بل ما تطمئن به القلوب، وتنعم من خلاله بالسكينة والرضا. 

فحُسن تقدير الأمور، ووضعها في مواضعها الصحيحة، هو الباب الأوسع إلى السعادة الحقّة، وهو الذي يُنزل الطمأنينة في القلب، ويصنع للإنسان معنى العيش، لا وهمه.

فكم من مشهورٍ بكى من شهرته، والناس تحسده عليها، وكم من صاحب منصبٍ شُدَّت إليه الأبصار، ولم يهنأ به لحظة.
بل يطوي في صدره همًّا لو وُزِن لأثقل القلوب.

نعم، فما جدوى الثروة إذا أورثت شقاءً؟ وما قيمة المنصب إذا أفسد البيت، وأثقل القلب، ونغّص البال؟
لهاثٌ لا ينتهي، وطموحٌ لا يشبع؛ كلما نال مطلبًا، لم يسعد به، بل تطلّع إلى ما وراءه، فلا رضا، ولا اكتفاء، ولا سكون.
وحالة كما قال أبو العلاء المعري:
فَسَوْفَ تَلْقَى بِهَا الآمَالَ وَاسِعَةً   **   إِذَا أَجَزْتَ مَدًى مِنْهَا رَأَيْتَ مَدَا

وخلاصة الأمر:
حياةٌ هادئة، مستقرة، تحفّها السكينة، ويظلّلها الرضا، قريبة من الله، بعيدة عن مساخطه، نزيهة شريفة، وسلامٌ نفسي، وأُسرةٌ تحبّك وتحبّها، وكفايةٌ تسدّ الحاجة؛
ذلك – والله – ملكٌ كبير، ونعمةٌ عظيمة، يغفل عنها كثير ممن رُزقها، فيقصرون في شكرها. 

ولذلك جاء ميزان الفلاح واضحًا، لا غموض فيه ولا تكلّف وذلك في قول الصادق المصدوق ﷺ: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه».


ومن أراد ميزان السعادة، واستقامة الطريق، وسكون القلب؛ فليس له بعد فضل الله أوثقُ ولا أصدقُ من هذا الدعاء النبوي الجامع، يهدي الخطوة، ويُسدِّد القصد، ويكفُّ النفس عن غوائلها قبل أن تُفسدها زينة الحياة الدنيا:
"اللهم اهدني وسدِّدني، وألهمني رشدي، وقِني شرّ نفسي". 

فمن هُدي وسُدِّد، وكُفِيَ شرَّ نفسه؛ رُزق الرضا، وأصاب من الدنيا كفافها، وكان في الناس خفيًّا، ونال من السعادة النصيب الأوفى.

____________________________________
الكاتب: طلال الحسّان

  • 0
  • 0
  • 48

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً