وذكرهم بأيام الله
العناصر الأساسية: العنصر الأول: من خصوصيات الرسول حفظ أيامه وأحواله. العنصر الثاني: أيام النصر والتمكين وأسبابها . العنصر الثالث: لسنا في عالم المثاليات.
أما بعد فيقول رب العالمين سبحانه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}
أيها الإخوة المؤمنون أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما اختص الله تعالى به سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى حفظ حياة نبينا بكامل أحداثها وحفظ أيامه بكامل تفاصيلها..
فكل صغيرة، وكل كبيرة، وكل دقيقة، وكل جليلة، عندنا فيها بين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سابقة لن تكون لبشر إلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
وبما أننا في رمضان، وبما أن الناس جعلوا من رمضان محلاً للنوم والكسل جئنا اليوم لنذكر ( بأيام الله عز وجل ) جئنا لنقول إن رمضان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حياة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم كان محلاً للعمل والنشاط واليقظة والهمة العالية في أيام رمضان وفي ليالي رمضان ...
اليوم لن نتحدث عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لن نتكلم عن صيامه وقيامه وصدقاته ودعواته إنما نتحدث عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه كانوا يجاهدون في سبيل الله في رمضان..
فما كان رمضان في حياة رسول الله والذين آمنوا وقتاً للنوم والكسل، وإنما كان وقتاً للجهاد والعمل..
الجميل في الأمر أن الله تعالى تكفل بنصرة المسلمين، وأنزل من السماء ملائكة تناصر المسلمين على كل من كاد لهم وعلى كل من عاداهم خصوصًا وهم صائمون فى رمضان ..
أولى أيام الله التى ظهر فيها الحق وزهق فيها الباطل كانت يوم بدر ، أول لقاء وأول صدام بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه وبين أعداءه من قريش كان فى غزوة بدر فى السنة الثانية من الهجرة فى منتصف رمضان وكان المسلمون فيها صائمون ونصرهم الله فى ذلك اليوم نصراً مؤزراً ..
{{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ}}
وأما اليوم الثاني من أيام الله والتي رفع الله فيها كلمة المسلمين : فى العشر الأوائل من رمضان فى العام الثامن من الهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الذين آمنوا من المدينة لفتح مكة وما رجعوا حتى فتحها الله تعالى عليهم ودخل المسلمون أم القرى آمنون منتصرون، ودخل الناس يومها فى دين الله أفواجاً ..
وفى أواخر رمضان من عام 92هـ خرجت كتائب الإيمان تحمل رسالة الله تعالى ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الأندلس وما رجعوا حتى فتحها الله تعالى علي المسلمين ودخل أهل تلك البلاد فى الإسلام طائعين راغبين ..
وفى صباح يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان عام 658هـ وقعت معركة عين جالوت بين الجيش الاسلامى بقيادة أهل مصر وبين التتار وتلك المعركة هى التى قصم الله فيها ظهور التتار والمغول ومن يومها لم تقم لها قائمة كان ذلك فى رمضان أيها المؤمنون والمسلمون صائمون ..
وفى العصر الحديث أيها المؤمنون أحباب سجل التاريخ لخير أجناد الأرض أنهم بحول الله وقوته وعلى أرض سيناء قهروا إخوان القردة والخنازير وكان ذلك فى العاشر من رمضان وكان خير أجناد الأرض يومها فى رمضان صائمون ..
الشاهد: أن ربطاً عجيباً :
بين صيام رمضان وبين تأييد الله تبارك وتعالى ونصره للمؤمنين الصائمين ..
نحن بحاجة لأن نتأمل فيه لنكون على بينة من أمرنا خاصة فى هذه الأيام التى أحكمت فيها المكائد والمؤامرات من الشرق والغرب على العالم العربى والإسلامى بصفة خاصة ..
أيها الإخوة الكرام: النصر على العدو إن كان فى رمضان أو فى غير رمضان هو على كل حال نعمة من عند الله تبارك وتعالى كما فى الآية ( { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
هذه النعمة نعمة النصر والتمكين لا تمنح للناس بالمجان هذه النعمة غالية لها ثمن عظيم لها مقدمات وتستلزم تضحيات ولأهلها مؤهلات فلا ينالها ولا يشم رائحتها إلا من يستحقها وهذا مذكور صراحة فى كتاب ربنا وفى سنة نبينا صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}
والسؤال يقول : لماذا تتضاعف قوة المؤمن مادياً ومعنوياً وروحياً فى رمضان؟!
والجواب في كلمتين اثنتين :
أن الصائم الحق قريب من ربه، سميع مجيب لأمره قدر استطاعته..
يرجع السبب فى قوة المؤمن مادياً ومعنوياً وروحياً فى رمضان إلى أن الصائم الحق بعيد عن الفسق والفجور والعصيان .
المسلمون فى رمضان متراحمون متعاطفون مجتمعون على قلب رجل واحد يخلصون ويصدقون ويراقبون الله عز وجل المسلمون فى رمضان يتصالحون ويتسامحون ولا يبغى بعضهم على بعض..
المسلمون فى رمضان يصومون ويصلون ويتصدقون ويطيعون الله ورسوله لا يطمعون إلا فى رضا الله سبحانه وتعالى وهذه صفةٌ ينصر الله تعالى أهلها على كل من عاداهم ..
قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}
وقال {إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}
وقال {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}
هذه النصوص المبشرة أيها المؤمنون:
هى جزء من عقيدتنا التي ندين لله بها نؤمن بها إيماناً تاماً لا تخالطه الشكوك ولا تساوره الظنون فمهما طالت الفتن وتكاثرت المحن وتداعت علينا الأمم فإن الخير لهذه الأمة آت عما قريب {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}
أموال كأمثال الجبال تنفق فى الليل والنهار تأتى إلى العالم الإسلامى براً وبحراً وجواً بهدف إحداث فوضى وقتل وسلب ونهب وبهدف التخريب والإفساد فى هذه البلاد والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
نسأل الله تعالى أن يجعل كيد أعدائنا فى نحورهم وأن يجعل تدميرهم فى تدبيرهم وأن يحفظنا وبلادنا من كل مكروه وسوء
الخطبة الثانية
بقي لنا في ختام الحديث أن نقول: نحن نعيش فى الدنيا ولسنا الآن فى الجنة..
لسنا فى عالم المثاليات...
الدنيا لا يقدر على البقاء على ظهرها إلا الأقوياء..
أما الضعفاء والمتشرذمون فسيطبق عليهم قانون الغاب يأكلهم الأقوياء ثم يشربون عليهم الماء ولذلك كما طالبنا ربنا أن نكون أقوياء فى ديننا أشداء فى إيماننا أمرنا أن نكون أقوياء على الأرض نتعرف عدونا ونحذره ولا نأمنه ونحاربه بمثل ما يحاربنا به علماً بعلم وفكراً بفكر ومكراً بمكر وكيداً بكيد وسلاحاً بسلاح {{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} }
من قرأ كتاب الله تعالى عرف أن أغلب ما يبتلى به العبد فى دنياه من المصائب والحوادث والكوارث هى من صنع يده هو {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
الأمن لا يُحول الى خوف , والقوة لا تُحول إلى ضعف والكرامة لا تُحول إلى إهانة ولا تتغير إلا إذا غيّر الناس ما فى أنفسهم ({ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}
إن الله لا يظلم مثقال ذرة يعامل الناس ويحاسبهم ويجازيهم على قدر أعمالهم من مشى فى طريق الهدى اهتدى ومن مشى فى طريق الضلال ضل ..
إذا وضع المسلم يده فى يد أخيه وأحبه بصدق وأخلص له وعملا سويا لما ينفع العباد والبلاد بارك الله فى سعيهم وسدد على طريق الحق خطاهم ..
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }
أما البعد عن منهج الله وعن هدى رسول الله واللعب على حبل الفرقة والتنازع والتقاطع فهذا شر محض لن يفلت من شره قاصٍ ولا دانٍ {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الثبات على الإيمان ما حيينا إنه وليُّ ذلك وهو على كل شيء قدير..
-------------------------------------
جمع وترتيب : الشيخ / محمد سيد حسين عبد الواحد.
إمام وخطيب ومدرس أول .
إدارة أوقاف القناطر الخيرية.
مديرية أوقاف القليوبية . مصر
واتس / 01065348100
- التصنيف: