(وترجون من الله ما لا يرجون)

منذ 2026-03-07

أعظم ما يهوِّن على المسلم ما يلقاه في هذه الدنيا من صنوف المحن والشدائد والابتلاءات أنه يرجو فيها العِوَض من ربه والأجر والجزاء

أعظم ما يهوِّن على المسلم ما يلقاه في هذه الدنيا من صنوف المحن والشدائد والابتلاءات أنه يرجو فيها العِوَض من ربه والأجر والجزاء، وأن عينيه طامحتان أبدًا إلى ذاك اليوم الذي يقضي الله فيه بين الخلائق وتوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون.

قال ربنا سبحانه في سياق آيات القتال في سورة النساء: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].

الجهاد خُروجٌ من النفس والأهل والمال، والمرء معرَّضٌ فيه لأشد المحن وأعظم الابتلاءات؛ ولهذا كثرت الآيات والأحاديث المرغبةُ فيه، والمبينةُ عِظمَ أجر أهله، والمهوِّنةُ عليهم ما يلقونه في هذه السبيل، وهذه الآية تأتي في هذا السياق، يَنهى الله فيها عباده المجاهدين عن الضَّعف في طلب العدو وقتاله، ويُخبرهم أنهم إن كانوا يتألمون ويتوجعون مما يقع لهم من القتل والجراح فإنَّ عدوهم يصيبه ما يصيبهم، ومع ذلك لا يضعُف ولا يجبن عن قتالهم ومطاردتهم.

والفارق العظيم المؤثر الذي أَلمحتْ إليه الآية: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}.
نعم، أنتم ترجون النصر والرزق والخير وإظهار الدين في الدنيا، والأجر والثواب والجنة والرضوان في الآخرة. وقلوبكم راضية مؤمنة مطمئنة إلى موعود الله، صابرة على ما تلقاه في سبيل ذات الشوكة محتسبة إياه عند ربها سبحانه.
فأين الكفار المشركون من هذا؟!
إنهم بهائم في مَسَالِيخ بشر، لا يحكمهم دين ولا خُلق ولا شرف ولا مروءة، همُّهم شهواتهم ونزواتهم البهيمية، فأنتم أولى بالقتال والثبات منهم؛ لعظَم ما تحملونه من الإيمان، وعظم ما تقاتلون من أجله من التوحيد وإظهار الدين.

حين أقرأ هذه الآية أتخايل بين عينيَّ قوافل النبيِّين والرِّبِّيين الذين قص الله علينا خبرهم فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146-148]. 
فتأمل قوله سبحانه: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا} لتَعلم أن من أعظم أسباب ثباتهم احتسابَهم ما يصيبهم في ذات الله، ورجاءهم ما عنده.

وأتراءى من بعيدٍ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أصابهم من القتل والجراح في أُحُد ما أصابهم، وجاءهم النذير بأن المشركين راجعون لاستئصالهم، فزادهم هذا التخويف والتهديد إيمانا ويقينا واستعانوا بالله وفوضوا أمرهم إليه، فكانت العاقبة: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174].

وأتركك في الختام مع كلام لسيِّد رحمه الله يحلق بك في معاني هذه الآية، يقول تقبله الله: 
"إنهن كلمات معدودات، يضعن الخطوط الحاسمة، ويكشفن عن الشُّقَّة البعيدة بين جبهتي الصراع..
إن المؤمنين يحتملون الألم والقَرح في المعركة، ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتمونه،  إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء، ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء.

إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم. فأما الكفار فهم ضائعون مضيَّعون، لا يتجهون لله، ولا يرتقبون عنده شيئا في الحياة ولا بعد الحياة.

فإذا أصر الكفار على المعركة فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشدَّ إصرارا،  وإذا احتمل الكفار آلامها فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام، وما أجدرهم كذلك ألَّا يَكُفُّوا عن ابتغاء القوم، ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. 

وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح، فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال، ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد، هنالك يأتى المدد من هذا المعين، ويأتي الزاد من ذلك الكَنَف الرحيم. 

ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة، معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين؛ لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل، ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة، ولكن القاعدة لا تتغير، فالباطل لا يكون بعافية أبدا، حتى ولو كان غالبا، إنه يلاقي الآلام من داخله، من تناقضه الداخلي، ومن صراع بعضه مع بعض، ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء.

 

وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار، وأن تعلم أنها إن كانت تألم فإن عدوها كذلك يألم، والألم أنواع، والقَرح ألوان {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}، وهذا هو العزاء العميق، وهذا هو مفرق الطريق". [في ظلال القرآن (2/749-750)].

 

بسام بن خليل الصفدي

مدير اللجنة العلمية بفرع غزة المدينة لجمعية ابن باز راعية العمل السلفي بقطاع غزة

  • 0
  • 0
  • 127

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً