أهمية الصبر في حياة الصائم

منذ 4 ساعات

فإن الصوم ليس جوعًا وعطشًا، وإنما هو إيمانٌ وتهذيبٌ للخُلُقِ والسلوك.

الحمد لله، والصلاة والسلام على النبي المجتبى محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعـــد:

فإن الصوم ليس جوعًا وعطشًا، وإنما هو إيمانٌ وتهذيبٌ للخُلُقِ والسلوك.

وإن من السلوك الذي ينبغي أنْ يظهر في الصائم: الصبرَ في حياة الصائم.

ذلك أن رمضان شهر الصبر، وأنّ الصائم رمضان يَحتاج الصبر ليفوز بنتائحه الحسنة في هذا الشهر.

 

قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، فانظر كيف ربط الله بين الصبر والصلاة، وكلاهما مِن أهمّ ما يتوقف عليه فلاح الصائم وظفَرُهُ بمطلوبه في هذا الشهر؛ وهما معًا مِن أهم أسباب رضوان الله، وبهما يَحْصُل الصائم على عظيم ثواب الله.

 

والصلاة مِن أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].

 

وعن عمر بن الخطاب: "الصبر صبران: صبرٌ عند المصيبة حسنٌ، وأحسنُ منه الصبر عن محارم الله".

 

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[1].

 

ويكفي الصبرَ مدحًا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ وماذا يَنْقص الإنسانَ بعد أن يكون الله معه!.

 

ولو تَذَكّر الإنسانُ هذه الحقيقة التي أَخبر عنها رب العالمين، ولو تذكّر هذا الشرف لما تردد في أن يكون من الصابرين.

 

ثم من العجيب أن الله - جل وعزَّ - قال: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾، ولم يقل: (اسْتَعِينُوا بَالصَّلاةِ والصَّبْر)، وفي هذا إشارة إلى حكمةٍ إلهية عظيمة، وهي أن الأمر بالصبر مقدَّمٌ على الأمر بالصلاة؛ لأن الصلاة بدون صبرٍ لا تنفع، كما أن الصلاة بدون صبر لا تتحقَّق في الواقع؛ لأن الإنسان في حاجةٍ إلى الصبر الذي يُقِيم به الصلاة!.

 

ومِن العجيب أيضًا في دلالات هذه الآية الكريمة: النداء الإلهي بالإيمان للأمر بالصبر والصلاة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾؛ ذلك لأن كلًا من الصبر والصلاة من أهم مقتضيات الإيمان بالله تعالى، وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[2].

 

إنّ هذه المعيّة الإلهية مِنْ أهم عواقب الصبر، كما أن من أهم عواقبه: ما وَعَد الله به عباده بقوله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[3].

 

أمّا الجزع فلا فائدة فيه، بل فيه الضرر في الدين والدنيا، وفي الدنيا وفي الآخرة، وماذا يفيد الهلع والجزعُ صاحِبَه، سوى الهزيمة والحسرة والخسارة في حين أن أمْر الله كائن لا محالة!.

 

وما أحلى مرارة الصبر، وما أطْيب عاقبته!.

 

وكم صانك الصبر عن ذلة الحاجة، وكم صانك الصبر عن الهزيمة وعن مغبّة الجزع!.

 

ولقد وردت صيغة: (وإن الله مع الصابرين)، أو: (والله مع الصابرين)، في القرآن الكريم نحو أربع مرات، هي:

* هذه الآية.

* وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[4].

* وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[5].

 

وكل هذه الآيات تؤكد تلك الحقيقة العظيمة المشار إليها آنفًا!.

 

فهل -بعد هذا- سنختار الصبر طريقًا في هذه الحياة الدنيا!.

 

وهل سَنُدَرِّب أنفسنا عليه!.

 

وهل سَنُجاهدُ أنفسنا عليه؛ حتى يُصْبِحُ طبعًا لها!.

 

أم سَتُرانا ننهزم؛ فنتحمّل ضريبة الجزع والهلع في الدنيا وفي الآخرة!.

 

نسأله سبحانه أن يُلهمنا رشدنا، وأن يوفقنا للصبر على ما يكون سببًا لمرضاته والبعد عن سخطه، وأن يرضى عنّا، وأن يَجعلنا مِن الصابرين، الذين يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأن يُصلي على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 


[1] 153: البقرة: 2.

[2] 132: طه: 20.

[3] 10: الزمر: 39.

[4] 249: البقرة: 2، و66: الأنفال: 8.

[5] 45: الأنفال: 8.

__________________________________________
الكاتب: أ. د. عبدالله بن ضيف الله الرحيلي

  • 0
  • 0
  • 32

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً