عثرات التعليم الحديث
ومن الخلل الواقع في التعليم الحديث: إشغال المعلم والمتعلم بوسائل التعلم عن قضية التعلم؛ حيث صُرفت الهمم والجهود عن تحصيل المقاصد إلى استجلاب الوسائل والاستكثار منها؛ فصار تعليماً خاوياً بلا هدف، تائها بلا هوية.
ومن الخلل الواقع في التعليم الحديث: إشغال المعلم والمتعلم بوسائل التعلم عن قضية التعلم؛ حيث صُرفت الهمم والجهود عن تحصيل المقاصد إلى استجلاب الوسائل والاستكثار منها؛ فصار تعليماً خاوياً بلا هدف، تائها بلا هوية.
إن الاستعانة بالوسائل التعليمية في العملية التعليمية أمر ضروري ونافع غاية النفع؛ إذ فيه تنشيط للنفوس وهو معين على ترسيخ المعلومات، ويحصل من خلال هذه الوسائل إتقان مهارات عدة، وبذلك تتكون للتلميذ شخصية متعددة المواهب، واسعة الأفق.
هذا لا إشكال فيه البتة، وإنما محل الإشكال -ولا ينقضي منه العجب- أن تطغى الوسيلة على المقصد، وأن يُصار إلى تحقيق الوسائل على وجه القوة والكمال، بينما يضيع المقصد كلياً أو يأتي ناقصاً مختلاً هزيلاً.
ومن صور ذلك ما جرى عليه العمل في مدارس التعليم العام؛ حيث وقع في المنهج الدراسي تخليط ودمج بين المادة العلمية والوسيلة التعليمية.
فيفرض على التلميذ أحياناً البحث عن معلومة أساسية في الشبكة العنكبوتية، ويؤمر أحياناً أخرى مجموعة من التلاميذ لتحرير مشكلة ما بإعداد مجلة ورقية أو مطوية وتارة يُلزم التلميذ بتحويل بعض المعلومات إلى منتج فني، لا يطيق صنعه إلا أهل الحرف والصناعات.
وكأن الغاية المنشودة إنما هي تدريب الطلاب على مهارات عملية وتوجيه طاقاتهم نحو هوايات وأنشطة مع أن هذه الوسائل - عند التأمل - ماهي إلا مهارات.
وتنمية هذه المهارات هو من تحصيل الحاصل، وذلك أن بعض المهارات قد يُكتسب بطريقة تلقائية، ويمكن تحصيلها عن طريق البيئة بحكم الاعتياد والتمرس؛ كمهارة التعامل مع الحاسب الآلي وتصفح الشبكة العنكبوتية والبحث فيها، وبعضها مهارات قد يميل إليه البعض بطبعه أو ينفر عنه؛ كمهارة الرسم والتصوير.
ومن صور ذلك: أن يجعل المنهج الدراسي خليطاً ممزوجاً من علوم شتى باعتبار ذلك وسيلة من وسائل التجديد في صياغة المعلومات وعرضها.
فيأخذون - مثلاً - علوم العربية؛ فيخلطونها في مقرر واحد، فيصير هذا المقرر مركباً من موضوعات متغايرة متنافرة، لا يجمعها معنى مؤثر، ولا ينتظمها تسلسل، معتبر وإنما تربطها أوصاف عامة. وإذا تصفحت هذا المقرر ألفيته يُفتتح بمسألة نحوية، فقطعة أدبية من شعر المعاصرين المتأخرين فقضية مجتمعية في الإنشاء والتعبير، فمبحث بلاغي وهكذا تختزل العلوم وتضطرب الفنون.
وخلل آخر في الواقع التعليمي، وهو أن القضية العلمية إن بحثت فلا تعطى حقها من التأصيل والبيان ولا تُستوفى جوانبها، وإنما يؤخذ منها نزر يسير، لا يشفي ولا يكفي، وتبقى هنالك ثغرات، وتبرز إشكالات، ويعلو نقص بين وفوات، ولابد حينها أن يقع من يقع من المدرس والتلميذ لاستكمالها وسدّها اجتهادات.
وعندئذ تكثر التخرصات وتزداد الاحتمالات؛ إذ صُيِّر الكتاب مستفتياً والتلميذ مفتياً والأستاذ فاقداً، والعلم مفقودا، وتصحيحاً لهذا الخلل فالمتعين في بناء المقررات الدراسية بالنسبة للتخصصات الشرعية وما يتصل بها المحافظة على صورة هذه العلوم كما هي عند الأئمة الأسلاف؛ من جهة تمايز بعضها عن بعض، واستقلال كل علم بموضوعه ومسائله التي اختص بها دون العلوم الأخرى، ومن جهة غايته، وثمرته مع التنويه بالجهد التراكمي للعلماء المتقدمين في خدمة كل علم، والإشادة بالروّاد ومصنفاتهم.
ولابد أيضاً من السير على سَنَن أهل العلم، واقتفاء مناهجهم في تلقين العلوم وتدريسها ولا أعني بذلك التزام طرائقهم في التدريس أو صناعتهم البحثية، كلا.
وإنما المقصود هو ضرورة بثّ العلم ونقله للطلبة بأسلوب حسن. وذلك بأن تذكر المعلومات الأساسية، وهو ما يُسمّى بصلب العلم، وتصنف على نحو مرتب، يُجمع فيه بين الكليات والجزئيات، مع ضبط حاصر وتقعيد جامع وتفريع واقع.
وكم هو نافع أن يُسار في نقل المعلومة وإيصالها وفق طريقة تربوية راقية؛ فيقترن بالدرس تنويع في الوسائل التعليمية، وقدر من التحفيز، مع الاعتناء بجانب الممارسة والتطبيق.
- التصنيف: