الثبات على الطاعـات

منذ 4 ساعات

مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيْعَةِ: المُدَاوَمَةُ على العِبَادَةِ وإِنْ كَانَتْ قَلِيْلَة، قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُون}. قال ﷺ: «أَحَبُّ العَمَلِ إلى اللهِ: ما دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ وإِنْ قَلَّ».

عِبَادَ اللهِ: مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيْعَةِ: المُدَاوَمَةُ على العِبَادَةِ وإِنْ كَانَتْ قَلِيْلَة، قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُون}. قال ﷺ: «أَحَبُّ العَمَلِ إلى اللهِ: ما دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ وإِنْ قَلَّ».

والاِنْضِبَاطُ والاسْتِمْرَارُ، مِنْ صِفَاتِ الأَبْرَار؛ سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُعَنْهَا: كَيفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ؟ قالت: (كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً)، وكان (إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ).

والاِنْقِطَاعُ الدَّائِمُ؛ صَاحِبُهُ مَذمُوم! قال تعالى -في الَّذِينَ تَرَهَّبُوا-: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}. قال الشاطِبي: (إِنَّ عَدَمَ مُرَاعَاتِهم لَهَا؛ هُوَ تَرْكُهَا بَعدَ الدُّخُولِ فِيهَا).

والاِنْقِطَاعُ المُؤَقَّتُ؛ صَاحِبُهُ مَعْذُور؛ قال ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَإِنْ كانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وقَارَبَ؛ فَارْجُوهُ». قال العلماء: (الشِرَّة: الحِرْصُ على الشَّيْءِ، والنَّشَاطُ فِيهِ.والفَتْرَة: أي الوَهَنُ والضَعْف. والمعنَى: أَنَّ العَابِدَ يُبَالِغُ في العِبَادَةِ في أَوَّلِ أَمْرِهِ، وكُلُّ مُبَالِغٍ؛ يَفْتُرُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ) .

والتَّوَسُّطُ والاِعتِدَالُ، يُثَبِّتَانِ الأَعمَال! قال أهلُ العِلم: (مَنِاقْتَصَدَ في مُدَاوَمَتِه، واحْتَرَزَ مِنَ الإِفْرَاطِ والتَّفْرِيطِ؛ فَيُرْجَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الفَائِزِينَ، فَإِنَّ مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ المُتَوَسِّطَ؛ يَقْدِرُ على مُدَاوَمَتِهِ). قال ابنُ القَيِّم: (كُلُّ مُجِدٍّ في طَلَبِ شَيْءٍ، لا بُدَّ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ وَقْفَةٌ وفُتُورٌ! ولَكِنَّ "صَاحِبَ الوَقْفَةِ" لَهُ حَالَانِ: 1-إِمَّا أَنْ يَقِفَ لِيُجِمَّ نَفْسَهُ، ويُعِدَّهَا لِلسَّيْرِ: فهذا وقْفَتُهُ سَيْرٌ، ولا تَضُرُّهُ الوَقْفَةُ. 2-وإِمَّا أَنْ يَقِفَ لِدَاعٍ دَعَاهُ مِنْ وَرَائِهِ، وجَاذِبٍ جَذَبَهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَإِنْ أَجَابَهُ؛ أَخَّرَهُ ولا بُدَّ).

وإِذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ في عَمَلٍ؛ فَانْظُرْ في مَآلِهِ، واسْتَعِدَّ لِلِقَائِهِ! ولا تَكُنْ مِنَ الَّذِيْنَ قالوا: {مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ...فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا}.  

والخَوفُ والرَّجَاءُ؛ يُعِيْنَانِ على الدَّوَامِ والبَقَاء؛ فَإِنَّ الخَائِفَ مِنَ النَّار؛ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الفِرَارِ. والرَّاجِي لِلْمُكَافَأَة؛ تَقْصُرُ عَلَيْهِ المسَافَة؛ قال عز وجل: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِم}.

وكُلَّمَا رَأَيْتَ مِنْ نَفْسِكَ نَشَاطًا؛ فَتَقَدَّمْ بِرِفْقٍ، وكُلَّمَا رَأَيْتَ فُتُورًا؛فَارْجِعْ إلى التَّوَسُّط. وقَلِيلٌ دَائِمٌ؛ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ مُنْقَطِعٍ؛ قال ﷺ:«خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ».

يقولُ النَّوَوِي: (أَي تُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيهِ بِلَا ضَرَر، وفيهِ دَلِيلٌعلى الحَثِّ على الاِقتِصَادِ في العِبَادَةِ، واجْتِنَابِ التَّعَمُّقِ. والقَلِيلُ الدَّائِمُ، خَيرٌ مِنَ الكَثِيرِ المُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّ بِدَوَامِ القَلِيلِ؛تَدُومُ الطَّاعَةُ، بِحَيثُ يَزِيدُ على الكَثِيرِ المُنْقَطِعِ، أَضْعَافًا كَثِيرَةً!).

والتَّشْدِيدُ والتَّكَلُّفُ؛ سَبَبٌ لِلْاِنْقِطَاعِ والتَّخَلُّف! قال ﷺ: «سَدِّدُوا وقَارِبُوا، واغْدُوا ورُوحُوا، وشَيْءٌ مِنَ الدُّلْـجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا».

قال ابنُ حَجَر: (سَدِّدُوا: أي اقْصُدُوا بِعَمَلِكُمُ الصوابَ. وقَارِبُوا:أَي لا تُجهِدُوا أَنفُسَكُم في العِبَادَةِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ بِكُم ذلك إلى المَلَالِ؛ فَتَتْرُكُوا العَمَل. "واغْدُوا ورُوْحُوا". الغُدُو: السَّيْرُ مِنْ أَوَّلِ النهارِ. والرَّوَاح: السَّيْرُ مِنْ نِصْفِ النهار. والدُّلْجـَة: سَيْرُ اللَّيل. وفيهِ: الحَثُّ على الرِّفْقِ في العِبَادَةِ. وعَبَّرَ بِمَا يَدُلُّ على السَّيْرِ؛ لِأَنَّ العَابِدَ كالسَّائِرِ إلى مَحَلِّ إِقَامَتِهِ -وهُوَ الجَنَّة-.والقَصْدَ القَصْدَ: أَيِ الزَمُوا الطرِيقَ الوَسَط).

والفُتُورُ بَعدَ النشَاطِ: أَمْرٌ لَازِمٌ لا بُدَّ مِنْهُ؛ فَمَنْ لم تُخْرِجْهُ فَتْرَتُهُ مِنْفَرْضٍ، ولَمْ تُدْخِلْهُ في مُحَرَّمٍ= فَيُرْجَى أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ. قال عُمَرُ رضي الله عنه: (إِنَّ لِهَذِهِ القُلُوبِ إِقْبَالًا وإِدْبَارًا؛ فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَخُذُوهَا بِالنَّوَافِلِ، وإِنْ أَدْبَرَتْ فَأَلْزِمُوهَا الفَرَائِض).

والفُتُورُ بَعدَ الطَّاعَةِ؛ فِيهِ مِنَ الحِكَمِ ما لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إِلَّا الله. قال ابنُالقَيِّم: (وفي هذه الفَتَرَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلسَّالِكِينَ: يَتَبَيَّنُ الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ؛ فالكَاذِبُ: يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ، ويَعُودُ إلى طَبِيعَتِهِ وهَوَاهُ! والصادِقُ: يَنْتَظِرُ الفَرَجَ، ولا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، ويُلْقِي نَفْسَهُ بِالبابِ طَرِيحًا ذَلِيلًا: كالإِنَاءِ الفَارِغِ؛ فإذا رَأَيتَ اللهَ أَقَامَكَ في هذا المَقَامِ، فَاعْلَم أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْحَمَكَ ويَمْلَأَ إِنَاءَكَ!).
 

أَمَّا بَعْدُ: المُدَاوَمَةُ على القَلِيلِ مِنْ قِيَامِ اللَّيلِ؛ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ لا يُدَاوَمُ عَلَيْهِ!

قال شيخُ الإسلام: (اِسْتَحَبَّ الأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَدَدٌ مِنَالرَّكَعَاتِ، يَقُومُ بِهَا مِنَ اللَّيلِ لا يَتْرُكُهَا؛ فَإِنْ نَشِطَ أَطَالَهَا، وإِنْ كَسِلَ خَفَّفَهَا، وإِذَا نَامَ عَنْهَا صَلَّى بَدَلَهَا مِنَ النهَار).

والمُدَاوَمَةُ على القَلِيْلِ، يَحْمِيْكَ مِنَ التَّخَلُّفِ الطَّوِيْل؛ فَالعَبْدُ لا يَزَالُ في التَّقَدُّمِ أو التَّأَخُّرِ، ولا وُقُوْفَ في الطَّرِيقِ الْبَتَّة! قال ﷻ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}.

ولَيْسَ المطلُوبُ أَنْ تَكُوْنَ بَعْدَ رَمَضَانَ: كما كُنْتَ فيهِ مِنَ الاِجتِهَادِ؛ بَلْأَنْ تَكُونَ بَعْدَهُ خَيْرًا مِمَّا قَبْلَهُ! وقَلِيْلٌ ثَابِتٌ؛ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مُنْقَطِعٍ؛ قال ﷺ: «يَا عَبْدَ اللهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».

والمُحَافَظَةُ على النَّوَافِلِ: سِيَاجٌ لِحِفْظِ الفَرَائِضِ، وجَبْرٌ لِنَقْصِهَا؛ فَدَاوِمْ على فِعْلِ الخَيرِ ولَو قَلِيلًا، واحْذَرْ مِنْ فِعْلِ الشَرِّ ولَو حَقِيرًا{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.

_______________________________________________
الكاتب: تركي بن عبدالله الميمان

  • 0
  • 0
  • 40

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً