اعتزال الاعتزال!

منذ يوم

إن الحياة الطيبة ليست في (تصفير المشاكل)، ولكنها في الاستعانة بالله على إدارة المشاكل!

احذر من ذلك الخطاب (الأناني) الذي يدعوك إلى مجانبة (كل) من لم يعجبك! ويناديك أن تهجر كل موضع لا (تسعد) فيه!
ذلك الخطاب المادي الذي ينشر فكرة: 
الحياة متعة! فاستثمر كل شيء في المتعة!

كلا!
بل الحياة ابتلاء!
وفيها النصب والتعب والكبد!
ولابد أن يصبر المؤمن على ما فيها من تنغيص.
لابد من الصبر على البعيد فضلا عن القريب، ولابد من التراحم، ولابد من التضحية، ولابد من الإحسان، وقد قيل: ﺧﻴﺮ اﻷﻣﻮﺭ ﻣﻐﺒﺔ اﻟﺼﺒﺮ!

وأما اجتناب ما يؤذي فهي حال عارضة ليس يجوز أن تكون هي الأصل في المعاملة!

ستجد من الأقارب من لا يعجبك، ولكن لابد من الصبر.
وستجد من الجيران من يؤذيك، ولابد أن تصبر عليه.
وستجد من إخوانك من لا يوافقك ولابد من الصبر.


لن ترضيك كل أحوال زوجتك، ولا كل أخلاق رفقائك:
ﻭﺇﻥ ﺃﻧﺖ ﻟﻢ ﺗﺸﺮﺏ ﻣﺮاﺭا ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺬﻯ  **     ﻇﻤﺌﺖ ﻭﺃﻱ اﻟﻨﺎﺱ ﺗﺼﻔﻮ ﻣﺸﺎﺭﺑﻪ
 

هناك المروءة، والمكارم، والفضائل، ومحاسن الأخلاق، هناك: ﴿ {فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَیَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا} ﴾، وهناك: ﴿ {وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضࣲ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِیرࣰا} ﴾.

ثم ستأتيك أحوال عارضة، وحالات نادرة، فثم ليس من بد من أن تعتزل ما يؤذيك!


وأما تلك الدعوة العامة التي تعظم من شأن الانفراد، وترفع سقف الاستمتاع بالحياة حتى من إدنى المكدرات، فتلك دعوة لها خلفية ثقافية فردانية، من آثار الحداثة السائلة كما يسميها عالم الاجتماع البولندي باومان.

إنها دعوة قائمة على أن (الأنا) وحدة القياس الكبرى، وأن (جودة الحياة) -كما يسمونها- تُقاس بقدر خلوها من المزعجات.

إنها دعوة تجعل العلاقات "سلعا"؛ إذا لم تحقق الرفاهية المباشرة، لصاحبها فمن حقه ان يتخلص منها!

إن هذه الدعوات التي تبالغ في اعتزال أدنى المكدرات تضعف مجتمعاتنا المسلمة، وتضعف قدرة الفرد على تحمل الأمور!

أنها أشبه شيء بنشر ثقافة تدليل (تدليع) النفس!
مما يجعل الأخ لا يحتمل أخاه، والزوج لا يحتمل زوجته، والزوجة لا تحتمل زوجها، بل ربما وجدت من لا يحتمل أباه وأمه!

وقد وجدت في كتاب طريف بعنوان: "تدليل العقل الأمريكي"، للأمريكي جوناثان هايت، (قرأت مختصرا بالعربية عنه)، وجدته يشير إلى هذا المعنى، وسمى هذا الأثر ب (الهشاشة النفسية العكسية)!

إن النفس البشرية بحاجة إلى ما يقوي مناعتها! كما يحتاج الجسم إلى ما يقوي مناعته!
فيصبح لديه من الصبر والحلم والاحتمال والمرونة النفسية، ما ليس عند غيره.

إن الحياة الطيبة ليست في (تصفير المشاكل)، ولكنها في الاستعانة بالله على إدارة المشاكل!

  • 2
  • 0
  • 147

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً