حسد الأمم
الحسد من عوائق الهداية الكبرى للأفراد والأمم، فهو الذي حمل الأمة الغضبية على الكفر برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ومعاداته.
قال الله تعالى: {بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡیًا أَن یُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَاۤءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبࣲۚ وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ}.
قال الطبري رحمه الله في تفسيره:
بئس الشيء باعوا به أنفسهم، الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى - من نبوة محمد ﷺ، والأمر بتصديقه واتباعه - من أجل أن أنزل الله من فضله، وفضله: حكمته وآياته ونبوته على من يشاء من عباده - يعني به: على محمد ﷺ - بغيا وحسدا لمحمد ﷺ، من أجل أنه كان من ولد إسماعيل، ولم يكن من بني إسرائيل.
الحسد من عوائق الهداية الكبرى للأفراد والأمم، فهو الذي حمل الأمة الغضبية على الكفر برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ومعاداته.
وقد بين الله ذلك في غير موضع من كتابه كقوله تعالى:
{وَدَّ كَثِیرࣱ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَوۡ یَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِیمَـٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدࣰا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّ}
وهذا البيان ليس للتشنيع على اليهود وأهل الكتاب فحسب بل لتحذير الأمة من داء الأمم قبلها الذي يعمي البصر ويقحم أهله في الظلمة.
والحسد المانع من الهداية نوعان:
حسد على الهداية والرسالة والاصطفاء نفسها، كحسد بني إسرائيل لهذه الأمة.
فباعث الحسد هنا هو فضل الله على المحسودين بالتوفيق والهداية وقبل ذلك لم يكن حسد.
فهو حسد جديد باعثه النعمة الحاصلة فهو مقترن بها.
وحسد سابق باعثه فضل من الله تعالى على المحسود ببسطة في الرزق أو الصحة أو الجاه أو الشرف والنسب.
فحين يدعو المحسود حاسده لهدى وحق فإن حسده السابق للداعي يحول دون قبوله منه، لا لحسده على دعوته بل لسابق فضل الله عليه من أرزاق الدنيا.
وترى كثيرا من أهل البدع وبعضها مكفرة يرفض السماع لأهل الحق والقبول منهم بل يوغل في الانتصار لبدعته ونشرها والذود عنها وحامله في ذلك النكاية بالمحسود والغيظ منه بسبب نعمة دنيوية مبسوطة عليه، وهذه فتنة عظيمة، فكما يفتن الأغنياء بدعوة الفقراء ويمتنعون كبرا وحسدا كما قال تعالى:
{وَكَذَ لِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لِّیَقُولُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنۢ بَیۡنِنَاۤۗ أَلَیۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِینَ}
يفتن الفقراء بدعوة الأغنياء، فيحملهم الحسد على رفض الحق ومناكدته، ويستبعد أن يجتمع له الغنى والهداية.
ويعترض على ربه في ذلك.
والله جعل من رسله ملوكا وأغنياء كما كان منهم فقراء ومساكين، ليبتلي الخلق بالأمرين، والمؤمن الحق منقاد للحق قابل له خبير بهوى نفسه يقبل الهدى من كل أحد.
- التصنيف: