كنوز الحسنات

منذ 2026-04-21

عشرة أعمال ميسورة، فيها أجورٌ موفورة، توقن معها بأن الغبن الحقَّ ليس غبنُ الثراءِ والمال ولا المنصب، بل غبنُ الحسناتِ مع القدرة، والأجورِ لمن تهيأت له الفرصة.

يحمد الناسُ أصحابَ استغلال الفُرصِ المالية، ويُثنون على صاحب المبادرات التجارية.

ويتحسر البعض على فوات بعض الفرص في ربحٍ ما توقعوه وسلعةٍ ارتفعت وما كان لهم منها نصيب.

كل هذا كثير نسمعه في مجالسنا، ولا تثريب على المرء في هذا، ولكن: أما إن كل هذا سيذهب وينتهي

من ربح كثيراً قد يخسر غداً

من أدرك فرصةً واستثمر في سلعةٍ فربح، أو سهمٍ فزاد، أو عقارٍ فتضاعف، كله مالٌ يوشك أن يفارقه، فإن لم يفارقه المال فارق هو المال برحيل، ثم يحلُّ بيدِ وارثٍ، وهذه سنةُ الله في الحياة أن المال دولة.

ولأجل هذا فالفرصة التي تحزن إذا فاتت عليك، هي فرصة الطاعة، والغبنُ الذي يؤسِف أن تفوتك الأيامُ بلا عمل، والغنيمةُ التي تغتمُّ إذا لم تُدرِكها هي غنيمةُ الحسنات.

لأنها باقية لا تزول، وتنفعك ولا بد، وترفعك في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم

وإذا أيقّنا ذلك، فدعني أُذكِّر نفسي وأذكرك بجملة من النصوص، من أخذ منها بنصيبٍ فهو الثري حقاً، والغني صدقاً، وهو الرابح الكبير والمستثمر الحق.

عشرة أعمال ميسورة، فيها أجورٌ موفورة، توقن معها بأن الغبن الحقَّ ليس غبنُ الثراءِ والمال ولا المنصب، بل غبنُ الحسناتِ مع القدرة، والأجورِ لمن تهيأت له الفرصة.

أول عمل: التسبيح مائة مرة، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قال: حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأتِ أحد يوم القيامة، بأفضلَ مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه» (رواه مسلم)

وثاني الأعمال: ركعتان تركعما الضحى، وهما تجزئان عن ثلاثمائة وستين صدقةً شكراً لله على المفاصل، وفيهما قال المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «يُصبِحُ على كُلِّ سُلامى مِن أحَدِكُم صَدَقةٌ؛ فكُلُّ تَسبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَحميدةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَهليلةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَكبيرةٍ صَدَقةٌ، وأمرٌ بالمَعروفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنكَرِ صَدَقةٌ، ويُجزِئُ مِن ذلك رَكعَتانِ يَركَعُهما مِنَ الضُّحى» (رواه مسلم) .

وثالث الأعمال: قراءة آياتٍ من القرآن، وبكُلِّ حرف عشر حسنات، فأكثر إن شئت أو أقلل، وفيها قال مرة للصحابة مقرباً لهم عظيم ثواب ذلك: «أيُّكُم يُحِبُّ أن يَغدوَ كُلَّ يَومٍ إلى بُطحانَ أو إلى العَقيقِ، فيَأتيَ منه بناقَتَينِ كَوماوينِ في غيرِ إثمٍ ولا قَطعِ رَحِمٍ» ؟ فقُلنا: يا رَسولَ اللهِ، نُحِبُّ ذلك، قال: «أفلا يَغدو أحَدُكُم إلى المَسجِدِ فيَعلَمُ أو يَقرَأُ آيَتَينِ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، خَيرٌ له مِن ناقَتَينِ، وثَلاثٌ خَيرٌ له مِن ثَلاثٍ، وأربَعٌ خَيرٌ له مِن أربَعٍ، ومِن أعدادِهنَّ مِنَ الإبِلِ»

وإذا علمت هذا الفضل فاستشعِر أن الناقة الكوماء هي أشرف الأموال والمراكب في ذلك الزمان، وإنما ضرب المثل للتقريب للأذهان، وإلا فثواب الله أعظم من كل أموال الدنيا ومُتَعها.

ورابع الأعمال: الخطى للمساجد للصلاة متطهراً، وفيهما رغّب النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال «ما مِن رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فيُحسِنُ الطُّهورَ، ثُمَّ يَعمِدُ إلى مَسجِدٍ مِن هذه المَساجِدِ، إلَّا كَتَبَ اللهُ له بكُلِّ خَطوةٍ يَخطوها حَسَنةً، ويَرفَعُه بها دَرَجةً، ويَحُطُّ عنه بها سَيِّئةً» (رواه مسلم)

فإن كانت الخطى لصلاة الجمعة وبكّر بذلك، ومشى ولم يركب، فهو الغنيمة العظيمة، وهو خامس الأعمال، وفيه قال:  «من غسَّل يومَ الجمعةِ واغتسل وبكَّرَ وابتكرَ ومشى ولم يَركبْ ودنا من الإمامِ واستمع ولم يَلْغُ كان له بكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها» ولعمري إنه لثواب ما أعظمه لمن وفق له

سادس الكنوز يا كرام: الوضوء، تلكم العبادة التي تستغرق من المرء دقيقة، وفيها كنوز ثوابٍ، واحدٌ منها قرره النبي صلى الله عليه وسلم «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئةٍ كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء، فإذا غسل رِجْليه خرجت كل خطيئةٍ مشَتْها رِجْلاه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء، حتى يخرُجَ نقيًّا من الذنوب»

وسابع الكنوز: ذكر تقوله كُلَّ صباح، يوازي كثيراً من ثواب الذكر، ففي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عند جويرية بكرةً حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: «ما زلتِ على الحال التي فارقتكِ عليها» ؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده، عددَ خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»

وثامن الكنوز: ركعتان تصليهما قبل صلاة الفجر؛ هما خير لك من كل ما طلعت عليه الشمس، قال عنهما المصطفى «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»

وتاسع الكنوز: دعوةُ الناس للخير، وكلما عمِلَ مَن دعوت كان لك مثل أجره، ولذا فهي الاستثمار الباقي، والعمر الثاني، قال عنها صلى الله عليه وسلم «من دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ»

وعاشر الكنوز: أعظم كلمة تقولها، كلمة التوحيد «من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك»

تلكم يا كرام عشرة كاملة، يجمعها أنها ميسورة، ووقتها قصير، وثوابها مضاعف، وتمرُّ بكل في كل يوم، والأعمال أكثر، والجلّ يعرفها، ولكن الشأن في المحافظة عليها، فاعقد عليها الخناصر، وانسجها في سويداء القلب، وقل يا رب: أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 تزود من معاشك للمعاد     وقم لله واعمل خير زاد

أترضى أن تكون رفيق قوم     لهم زاد وأنت بغير زاد

__________________________
الكاتب:  د. منصور الصقعوب

 

  • 4
  • 0
  • 178

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً