بلاغةُ الصمت
ثمّة سورٌ قرآنية يُشبهُ أن يكون عنوانها "بلسم الجراح"، ودواء الأرواح، وفنَّ الكفاحِ في معارك الحياةِ.
ثمّة سورٌ قرآنية يُشبهُ أن يكون عنوانها "بلسم الجراح"، ودواء الأرواح، وفنَّ الكفاحِ في معارك الحياةِ.
عندما وقفتُ متأملاً في سورةِ "مريم" عليها السلام عند قوله تعالى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}.
تساءلتُ مستهديًا: هل يكون الصمتُ مُلهماً للسكينة؟
ولمَ أُمرت به في تلك الحالِ العصيبة؟
وبمَ كان الصمت الملاذ الآمن من مجاراةِ سفهاءِ الأحلام؟
فبانَ لي من "آثار التزام سكينةِ الصمت" وجوهٌ أربعة:
أولاً: حمايةُ الحِمى؛ فالصمتُ فنٌّ لحماية الروح من "لغو" القول وسهام الجراح، فهو "سورٌ" تَبنيهِ حول قلبك لكي لا تنفذَ إليه وخزاتُ الكلمات، وشظايا الألفاظ.
ثانياً: استردادُ الذات؛ الصمتُ يعيدُ لك استرجاعَ نفسك، وإمهالَ فكرك بما يعودُ عليك بالنفعِ والتؤدة؛ فالحواراتُ الصاخبة تستهلك الوقود النفسي، والصمت يُعيد هدوءك.
ثالثاً: الخلوة الفكرية؛ الصمت يُلهمك قطعَ الحديثِ مع "الناس" لاستئنافِ الحديث مع "الذات"، لذلك كان جِسرك الممدود من ضجيجِ الخارج إلى عمقِ الداخل.
رابعاً: نتيجة ذهبية؛ الصمتُ البليغ لا يُقصد به "حبسُ اللسان" مطلقاً؛ بل هو سكينةٌ تتولدُ من الداخل، ولا تكتملُ هيئتها ولا يظهر جلالها إلا بـ "ذكر الله"؛ فاللسانُ الذي يصمتُ عن الناس، يجبُ أن يلهجَ بـ "ربِّ الناس. ومن هاهنا تعرفُ لم كان زكريا عليه السلام مستغرقًا في الذكر، صامتًا عن التكليم مع الناس كما قال اللهُ: {قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا} {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا}.
وكما قرّر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «السكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة ولا مأموراً به؛ بل يفتح باب الوسوسة، فالاشتغال بذكر الله أفضل من السكوت».
وإلى هنا تعلم أنَّ الصمتَ القرآني ليس "عدماً"، بل هو "امتلاءٌ" بالخالق الذي يجبر انكسارَ الروح، ويُهيئُ لنا من أمرنا رَشداً.»
__________________________________
الكاتب: ماجد السلمي
- التصنيف: