حقيقة الأمة التي تستحق التمكين
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس أمرًا هامشيًا في هذا الدين، ولا تشددًا كما يصوره البعض، بل هو صمام أمان الأمة، وهو الذي يحفظ عليها دينها وأخلاقها ووحدتها وهويتها
حقيقة الأمة التي تستحق التمكين أنهم:
{الَّذينَ إِن مَكَّنّاهُم فِي الأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَروا بِالمَعروفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ}
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس أمرًا هامشيًا في هذا الدين، ولا تشددًا كما يصوره البعض، بل هو صمام أمان الأمة، وهو الذي يحفظ عليها دينها وأخلاقها ووحدتها وهويتها؛ ولهذا لعن الله بني إسرائيل فقال:
{كانوا لا يَتَناهَونَ عَن مُنكَرٍ فَعَلوهُ لَبِئسَ ما كانوا يَفعَلونَ}
لأن الأمة إذا سكتت عن الباطل حتى يألفه الناس، وتُرك المنكر حتى يصبح مألوفًا، نُزعت البركة، وحلّ الضعف، وسُلّطت العقوبات.
ومن أعظم البلاء في هذا الزمان أن ترى من ينتسب إلى الإسلام يَضيق بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيسخر من الدعاة، أو يلمز المتمسكين بالدين، أو يتهمهم بالتشدد والتعقيد والتخلف، وكأن المشكلة ليست في انتشار المنكر بل فيمن يذكّر بالله، وهؤلاء لا يشعرون أنهم بهذا الموقف يقفون في خصومة مع شعيرة عظيمة من شعائر الله، وأنهم يعاندون أهل الطاعة وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، والله سبحانه يقول:
{إِنَّ الَّذينَ يُحادّونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ كُبِتوا كَما كُبِتَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم}
ويقول جلّ وعلا:
{ذلِكَ بِأَنَّهُم كَرِهوا ما أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحبَطَ أَعمالَهُم}
فمحاربة الدعوة إلى الله ليست أذىً للدين؛ لأن الله حافظ دينه، وليست كسرًا لأهل الحق؛ لأن الله ناصرهم ولو بعد حين، وإنما أول من يحترق بنار هذا العناد هو صاحبه نفسه، فيقسو قلبه، ويُحرم نور الهداية، ويتقلب أثر ذلك عليه في دنياه قبل آخرته.
وقد قال النبي ﷺ:
«من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»
فجعل إنكار المنكر علامة حياة الإيمان في القلب، لأن القلب إذا ألف المنكر وسكت عن الباطل وكره أهل الطاعة، أصبح مهددًا بالانتكاس والظلمة، وحقيقة السخرية من الآمرين بالمعروف ليست مجرد اختلاف رأي، بل مرض خطير إذا استحكم في النفوس قلب الموازين، حتى يصبح الملتزم بدينه غريبًا مستهزأً به، بينما يُصفق لأهل الانحلال والمعصية والانفلات.
وفي ظل هذه الثقافة الغالبة، لا بدّ للمصلحين والدعاة أن يثبتوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يثبطهم استهزاء الناس أو عنادهم، فإن هذا طريق الأنبياء، وما ضُورب أهل الحق إلا لأنهم يذكّرون بالله.
وعليهم أن يجمعوا بين الثبات والحكمة، وبين الصدع بالحق والرفق بالخلق، دون غلظة منفّرة ولا مداهنة مذلّة، وليحذروا الذوبان في سلطة الثقافة الغالبة التي تسعى إلى تمييع الدين والتنازل عن الثوابت باسم الواقعية أو مواكبة العصر، فإن الحكمة لا تعني ترك الحق، وتغيّر الوسائل لا يعني سقوط شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي باقية ما بقيت هذه الأمة، وبها تحفظ هويتها وعزتها وبركة نصرها.
وإن الأمة التي تريد تحرير المسجد الأقصى لا يمكن أن تنجح وهي تحارب شعائر الله في داخلها، ولا وهي تستهزئ بالدعوة إلى الله، ولا وهي تضيق بمن يذكّرها بالصلاة والعفاف والطاعة.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع عدوٍ يحتل الأرض، بل مع كل أسباب الهزيمة التي تسللت إلى القلوب؛ من التفرق، وحب الدنيا، والبعد عن القرآن، ومحاربة أهل الإصلاح، وقد قال الله تعالى:
{وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم}
وقال سبحانه:
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم}
فلا يُرجى للأمة عزٌّ وهي تطفئ أصوات المصلحين، ولا يُرجى لها نصر وهي تفتح أبواب المنكر ثم تغضب من الناصحين.
واليوم، مع ما تشهده الأمة من أحداث وفتوح وابتلاءات، يجب أن يرسخ في القلوب أن النصر ليس لحظة عابرة، بل أمانة ثقيلة لا تحفظ إلا بطاعة الله والثبات على دينه.
وإذا كان الله قد فتح على المسلمين في أرض الشام وغيرها، فإن أعظم واجب هو حفظ مكتسبات هذا الفتح من الضياع، وذلك لا يكون إلا بإحياء معاني العزة بالإسلام، وتعظيم شعائر الله، وإكرام أهل الدعوة والإصلاح، لا محاربتهم أو التشغيب عليهم؛ لأن الأمة إذا حاربت من يذكّرها بالله، نزعت بيدها أسباب النجاة من نفسها، أما إذا احتضنت أهل الحق وأعانت على المعروف وكرهت المنكر، فإن الله يبارك لها في نصرها ويفتح لها أبواب التمكين.
فاللهم أعزّنا بالإسلام، وأعز الإسلام بنا، وانصرنا بالإسلام، وانصر الإسلام بنا، واجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، واهدِ أمة الإسلام لما فيه عزّها وصلاحها ووحدتها، واكتب للمسجد الأقصى تحريرًا قريبًا يعزّ به أهل طاعتك ويُذلّ به أهل معصيتك، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.
- التصنيف: