بين الأنين واليقين
لطالما عاملت جسدي معاملة الغافل الذي عاش في بيتٍ ورثه؛ لا يرى فضل بانيه، ولا يتأمل تماسك جدرانه، ولا يشعر بقيمة السقف الذي يظلله، حتى إذا تصدع منه ركنٌ واحد، أدرك فجأةً كم كان آمنًا وهو لا يدري.
محمد ونيس
لطالما عاملت جسدي معاملة الغافل الذي عاش في بيتٍ ورثه؛ لا يرى فضل بانيه، ولا يتأمل تماسك جدرانه، ولا يشعر بقيمة السقف الذي يظلله، حتى إذا تصدع منه ركنٌ واحد، أدرك فجأةً كم كان آمنًا وهو لا يدري.
هكذا كنا نمضي في الحياة غافلين؛ نروح ونغدو، ننام ونصحو، نقوم ونقعد، نرتدي لباس الصحة كأنه لا يُنزع، ونستظل بظل العافية كأنها حقٌّ لا يزول. فلا ألمٌ يوقظ غفلتنا، ولا أنينٌ يقلق سكينة أرواحنا. كل ذلك كان أمرًا مألوفًا، ونعمةً معتادة، لا نراها نعمةً تستوجب الحمد، ولا مِنَّةً تستوجب الشكر.
حتى إذا حل المرض ضيفًا ثقيلًا لا يُرد، انكشف للروح ما كانت تحجبه العادة، وما كان يستره الإلف. فعرف الإنسان نعمة العافية حين غابت، وأبصر في ضعفه رحمة الله التي طالما عاش في ظلها دون أن يشعر.
وعندما أخبرني الطبيب بموعد عمليةٍ جراحيةٍ في الغد، بِتُّ ليلتي تلك على سرير المرض أرقب جسدي وهو يئن تحت سطوة الألم. فإذا النفس حائرة بين بقاءٍ يُرجى ورحيلٍ يُخشى، وغدت الأحلام والأماني تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف. تضاءلت الدنيا في قلبي حتى غدت لا تعدل جناح بعوضة، واختزلت الأماني كلها في أمنيةٍ واحدة: أن يعافيني الله. وما كنت أرجو السلامة رغبةً في دنيا ولا جزعًا من موت، بل ندمًا على تفريط، وحزنًا على تقصير: {{لعلي أعمل صالحًا فيما تركت}} . [سُورَةُ المُؤْمِنُونَ: ١٠٠].
وفي ظهيرة اليوم التالي، وقفت على أعتاب غرفة العمليات، فإذا أنا بين مشهدين: مشهد الدنيا التي تُغلق أبوابها دوني، ومشهد الآخرة التي قد تُفتح أبوابها لي في أية لحظة: { {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة}} . [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٧٨]، فما أسرع ما يتحول الإنسان من معتزٍّ بقوته إلى مستسلمٍ لضعفه، ومن آمرٍ ناهٍ إلى محمولٍ لا يملك من أمره شيئًا!
عند أول خطوةٍ في الغرفة، إذ بالدنيا قد نفضت عني زخارفها وولت هاربةً بزينتها، فغدوت صفر اليدين؛ لا مالٌ ينفع، ولا جاهٌ يشفع، ولا قريبٌ يدفع. فما أصدق الحبيب ﷺ في قوله: « «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله»» . [صحيح البخاري] ،
فتيقنت حينئذٍ أن الكل خاذلي، ولا نصير لي إلا ما سطرت في صحيفتي.
ولما تجاوزت عتبة الباب الأبيض البارد، وجدتني في عالمٍ آخر لم تعهده عيني؛ بياضٌ مطلق يغمر المكان حتى لكأن الألوان جميعها قد انسحبت من الوجود، وأجهزةٌ تومض في سكونٍ رتيب كأنها تراقب لحظة الفناء والميلاد، وأطباءٌ وممرضون يتحركون في هدوءٍ مهنيٍّ عجيب.
تمددت على ذلك السرير الأبيض المرفوع، فمر في قلبي خاطرٌ هز أركاني هزًّا: ما أشبه هذا المشهد بمشاهد النهاية الكبرى! ثيابٌ مخصوصة لا جيوب فيها تمسك عرضًا من الدنيا، وجسدٌ مستسلم غاية الاستسلام، وأهلٌ ينتظرون خلف الأبواب عاجزين عن رد القدر، لا يملكون سوى لوعة الخوف. هنالك تسقط دعاوى القوة، ويتعرى القلب من وهم الاعتماد على الأسباب، فلا يبقى في الساحة إلا عبدٌ مكسور بين يدي ربه، لا يرى النجاة إلا في رحمته، ولا الأمان إلا بقربه؛ وهذا فقر العبودية الذي طالما كنت عنه غافلًا.
سلمت نفسي لأناسٍ ليس بيني وبينهم قرابة ولا نسب، إلا رحمةٌ وضعها الله في القلوب. فسبحان من وضع رحمته في مبضع جراح، وسبحان من جعل شق الجسد سببًا في نجاته!
ثم جاء التخدير النصفي، فإذا بجسدي ينقسم قسمين: نصفٌ حيٌّ يشعر، ونصفٌ ميت لا حراك فيه. وما أعجب أن تدرك أن بينك وبين العجز الكامل شعرةً دقيقة يمسكها الله! لقد أعلن نصفي الآخر عصيانه لي، فخرج عن طوعي. فأين سلطاني الذي كنت أظنه قائمًا عليه؟ وأين ملكي الذي كنت أدعيه؟ أين الكبر والغرور؟ أين القوة والجبروت؟
كل ذلك ذهب مع أول وخزة مرض، وولى مع أول لحظة ضعف؛ فعلمت أن الإنسان لا يملك من نفسه إلا ما أذن الله له في ملكه، وأن كل ما فيه عاريةٌ مستردة. إن شأننا مع أجسادنا كالبيت المستأجر: زينته ليست لنا، وأساسه ليس لنا، ومتى شاء المالك أخرجنا منه. فكم أتعبنا أنفسنا في زخرفة هذا البيت الفاني، ونسينا أن لنا بيتًا في دار البقاء يُبنى بالعمل لا بالطين، ويُزين بالتقوى لا بالذهب!
فلما أنهى الجراح كرته، جعل الإحساس يدب في نصفي المغلوب دبيبًا رفيقًا، كما تتسلل الحياة إلى أرض الموات. ولئن استيقظ الألم لاذعًا في موضع المبضع، فقد تقشع في مقابله غبار الغفلة عن النفس؛ فإذا بالأنين يموت ليولد من رحمه نور اليقين، وإذا بالمحنة القاسية تنفتق عن منحةٍ ربانية، تهبني بصيرةً جلية ترى حقائق الوجود كما هي، لا كما تُزوق لنا زخارف الأيام.
وها أنا ذا أعود إلى بيتي القديم، لا لأسكن جدرانه، بل لأتدبر لطف بانيه؛ فقد تركت في تلك الغرفة البيضاء قطعةً من كبريائي العتيق، وخرجت منها بعينٍ بصيرة غسلتها دموع الافتقار. فالحمد لله الذي يذيق العبد مرارة الانكسار ليعقبه حلاوة الاستبصار، والحمد لله الذي جعل بين الأنين واليقين رحلة، لا يقطعها الإنسان بقوته ولا بصحته، وإنما يقطعها قلبٌ عاد إلى الله منكسرًا.
- التصنيف: