الحكمة من تأخير إجابة الدعاء

منذ 2015-03-27
السؤال:

لديَّ مشكلةٌ تُؤرقني في حياتي؛ فقد بدأتُ أشُكُّ في أن الله رب العالمين ﻻ يحبني! وبدأتُ أتمنى الموت؛ فلا يُستجاب لدعائي، مع العلم أني أصلي والحمد لله، ومُداوِمة على التسبيح والأذكار، وصابرة على كلِّ الشدائد، لكن ﻻ أجد أي نتائج لدعائي، صبرتُ كثيرًا لكن لا فائدة.

بدأتْ تظْهَر هذه المشاكل بعد دخولي الجامعة، فقد حصلتُ على مُعَدَّلٍ عالٍ والحمد الله، ودخلتُ كلية الهندسة، لكني لم أحصلْ على درجات جيدةٍ، بالرغم مِن مذاكرتي وحُسن انتباهي.

أعاني مِن فقر الدم، وأتعاطى بعض الأدوية، فهل ربما يكون ما يحدث لي نتيجة هذا المرض؟!

الإجابة:

الحمدُ لله الذي وفقك أيتها الابنة الكريمة للسؤال عن مشاكلك الدينية والصِّحية والدراسية، فلو أن كل إنسان مرَّ بمشكلةٍ ردَّها إلى أهل العلم والرأي والنُّصح والعقل، الذين يعرفون الأمورَ ويُميِّزون المصالحَ مِن المفاسد، ويُوازنون بينها، ويستخرجون بفكرهم وآرائهم الأصلحَ للخلقِ - لانتهتْ معظم مشاكلنا، ولانْصَلَح شأنُ المجتمع.

ونعود أيتها الابنة النبيهةُ إلى رسالتك، ونبدأ من قولك: "إنَّ رب العالمين ﻻ يحبني"، والجوابُ على هذا الزعم بدَهِيٌّ، وهو: هل اطَّلعتِ على الغيب؟ ألا تعلمين أنَّ مِن أصول أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو المتفَرِّد وحده بعلم الغيب والشهادة، ولم يجعلْه لأحدٍ من الأنبياء ولا المرسلين ولا ملائكته المقربين ولا عباده الصالحين، وإنما أخبر تعالى عن الصفات التي يحب مَن فعَلها، وعن الأعمال التي مَن عملها استحقَّ سخط الله تعالى؟

فحميدُ العواقب وذميمُها مما تفرَّد الله بعلمِه، ومِن معتقد أهل السنة أيضًا أنهم لا يشهدون لمعينٍ بجنة ولا نارٍ؛ لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروطٌ بشروط، وانتفاء موانع، ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقه؛ أعني: الشخص المعين، فإن قيل: فما فائدة الوعيد؟

فالجواب: بيان أن هذا الذنب سببٌ مقتضٍ للعذاب، والسببُ قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانع.

ولا يخفى عليك أيتها الابنةُ أنَّ الربَّ تعالى أحكم الحاكمين، وهو العزيز العليمُ، وأنه سبحانه ما خلَق شيئًا ولا قضاه ولا شرعه إلا لحكمةٍ بالغةٍ، وإن تقاصرتْ عقولُنا عن إدراك بعض الحِكَم.

ومِن لطيف حكمِه أنْ منَعَنا علم ما ليس فيه شأننا، ولا فيه مصلحة لنا، بل نشأتنا غير قابلة له كعلم الغيب، فمَن تكلَّف معرفة علم ما غيَّبَهُ الله عنا، واستأثر بعلمه، فقد ظلَم نفسه، وبخس مِن التوفيق حظه، ولم يحصلْ إلا على الجهل المركب، والخيال الفاسد في أكثر أمره.

فإياك وهذا الخرص، فقد جرَتْ سنةُ الله الكونية وحكمتُه أنَّ هذا الضرب من الناس - أعني: مَن يقْفُو ما ليس له به علم - أجهلهم بالعلم النافع، وأقلهم صوابًا - عافاك الله - فلا يرفع رأسًا للعلم النافع، بل لا يخطر ببالهم أصلًا؛ لأنه استبدل بها الخيالات والوساوس، والهوى والهوس.

وإنما أعطانا الله مِن العلوم ما تصلح به معايشنا بقدر حاجتنا؛ كعلم الطب والهندسة والرياضيات والزراعة، وضروب الصنائع المختلفة، وإلى غير ذلك.

وأما تأخيرُ استجابة الدعاء فلحكمةٍ بالغةٍ، فالعبدُ يدعو بالخير والشر، وبالمصلحة والمفسدة، وما فيه هلاكه وما فيه نجاته، والله تعالى البرُّ الرحيمُ العليم الحكيمُ الخبيرُ يعلم حقيقة الأشياء، فيُعَجِّل الإجابة ويُؤَخِّرها وفقًا للحِكَم، وإنما على العبد التأدُّب مع الله، والانكسار له، فيدعوه ويلح عليه، فإن مِن أكثر الطَّرْق ولَج.

وإياك مِن الاستعجال، وقول: دعوتُ فلم يستجبْ لي؛ فإنه مِن موانع الإجابة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (متفق عليه).

وثقي في الله أيتها الابنة الكريمة، وكوني على يقينٍ بأن دعاء المؤمن لا يُرَدُّ، غير أنه قد تكون المصلحة في تأخير الإجابة، وأنت لا تعرفين، وقد يكون ما سألتِ لا مصلحة فيه أصلًا؛ فيُعَوِّضك عنه ما يصلحك، وربما أخَّر تعويضه إلى يوم القيامة، فالمؤمنُ الحقُّ لا يقطع المسألة لامتناع الإجابة، فإنه بالدعاء متعبّد بالتسليم إلى ما يراه الحق له مصلحة، مفوِّض أمره إلى العليم الخبير.

هذا وسأذكر لك مثالًا يتناول جميع ما أشكل عليك بسبب غياب حكمة الله عنك فيما أنت فيه، والاهتمام بظاهر الحال، وعدم الانتباه للمعنى الباطن، فإن الله تعالى لما قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، فأجابهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، فالملائكةُ نظروا لظاهر خلق الإنسان، وأنهم أفضل منه، وغاب عنهم حكمة الله في خلق الإنسان، فأظهر الله سبحانه علمه لعباده ولملائكته، بما جعله في الأرض من خواصّ خلْقِه ورسله وأنبيائه وأوليائه، ومن يتقرب إليه، ويبذل نفسه في محبته ومرضاته مع مجاهدة شهوته وهواه، فيترك محبوباته تقرُّبًا إلي، ويترك شهواته ابتغاء مرضاتي، ويبذُل دمه ونفسه في محبتي، وأخصه بعلم لا تعلمونه يُسَبِّح بحمدي آناء الليل وأطراف النهار، ويعبدني مع مُعارضات الهوى والشهوة والنفس والعدو؛ إذ تعبدوني أنتم مِن غير معارضٍ يُعارضكم، ولا شهوة تعتريكم، ولا عدو أسلطه عليكم، بل عبادتُكم لي بمنزلة النفس لأحدهم، وأيضًا فإني أريد أن أظهرَ ما خفي عليكم مِن شأن عدوي ومحاربته لي، وتكبره عن أمري، وسعيه في خلاف مرضاتي، وهذا وهذا كانا كامنين مستترين في أبي البشر وأبي الجن، فأنزلهم دارًا أظهر فيها ما كان الله سبحانه منفردًا بعلمه لا يعلمه سواه، وظهرتْ حكمته، وتم أمرُه، وبدَا للملائكة من علمه ما لم يكونوا يعلمون، وأيضًا فإنه سبحانه لما كان يُحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الشاكرين، وكانتْ محبتُه أعلى أنواع الكرامات، اقتضتْ حكمته أن أسكن آدم وبنيه دارًا يأتون فيها بهذه الصفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته، فكان إنزالهم إلى الأرض مِن أعظم النِّعَم عليهم؛ {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105]، وأيضًا فإنه سبحانه أراد أن يتَّخِذَ مِن آدم ذريةً يواليهم ويودُّهم، ويحبهم ويحبونه، فمحبتُهم له هي غاية كمالهم، ونهاية شره، ولم يمكنْ تحقيق هذه المرتبة السنية إلا بموافقة رضاه، واتباع أمره، وترْك إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبهم، فأنزلهم دارًا أمرَهم فيها ونهاهم، فقاموا بأمره ونهيه، فنالوا درجة محبتهم له، فأنالهم درجة حبه إياهم، وهذا مِن تمام حكمته، وكمال رحمته، وهو البر الرحيم، وأيضًا فإنه سبحانه لما خلَق خلقه أطوارًا وأصنافًا، وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثيرٍ مِن مخلوقاته، جعَل عبوديته أفضل درجاتهم؛ أعني: العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا، وقد ثبت أن الله سبحانه أرسل جبريل إلى النبيِّ يُخَيِّره بين أن يكون ملكًا نبيًّا، أو عبدًا نبيًّا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه أن تواضع، فقال: بل أن أكونَ عبدًا نبيًّا، فذكره سبحانه باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الإسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدِّي، فقال في مقام الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1]، ولم يقلْ: برسوله ولا نبيه؛ إشارة إلى أنه قام هذا المقام الأعظم بكمال عبوديته لربه، وإذا كانت العبوديةُ عند الله بهذه المنزلة، اقتضتْ حكمته أن أسكن آدم وذريته دارًا ينالون فيها هذه الدرجة بكمال طاعتهم لله، وتقربهم إليه بمحابِّه، وترك مألوفاتهم مِن أجله، فكان ذلك مِن تمام نعمته عليهم، وإحسانه إليهم، وأيضًا فإنه سبحانه أراد أن يعرف عباده الذين أنعم عليهم تمام نعمته عليهم، وقدرها ليكونوا أعظم محبة، وأكثر شكرًا وأعظم الْتِذاذًا بما أعطاهم من النعيم، فأراهم سبحانه فعله بأعدائه، وما أعَدَّ لهم من العذاب وأنواع الآلام وأشهدهم تخليصهم من ذلك، وتخصيصهم بأعلى أنواع النعيم ليزداد سرورهم، وتكمل غبطتهم، ويعظم فرحهم، وتتم لذتهم، وكان ذلك من إتمام الإنعام عليهم ومحبتهم، ولم يكن بدٌّ في ذلك مِن إنزالهم إلى الأرض، وامتحانهم واختبارهم، وتوفيق من شاء منهم رحمة منه وفضلًا، وخذلان من شاء منهم حكمة منه وعدلًا، وهو العليم الحكيمُ، ولا ريب أن المؤمنَ إذا رأى عدوه ومحبوبه الذي هو أحب الأشياء إليه في أنواع العذاب والآلام وهو يتقلب في أنواع النعيم واللذة، ازداد بذلك سرورًا، وعظُمَتْ لذَّتُه، وكملتْ نعمتُه، وأيضًا فإنه سبحانه إنما خلق الخلْقَ لعبادته، وهي الغاية منهم؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ومعلومٌ أن كمال العبودية المطلوب مِن الخلق لا يحصُل في دار النعيم والبقاء، إنما يحصل في دار المحنة والابتلاء، وأما دار البقاء فدارُ لذة ونعيم، لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف.

وأيضًا فإنه سبحانه اقتضتْ حكمته خلْق آدم وذريته من تركيب مستلزمٍ لداعي الشهوة والفتنة، وداعي العقل والعلم، فإنه سبحانه خلَق فيه العقل والشهوة، ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتمَّ مُراده، ويظهر لعباده عزته في حكمته وجبروته ورحمته وبره ولطفه في سلطانه وملكه، فاقتضتْ حكمته ورحمته أن أذاق أباهم وبيل مخالفته، وعرفه ما يجني عواقب إجابة الشهوة والهوى؛ ليكون أعظمَ حذرًا فيها، وأشد هروبًا، وهذا كحال رجل سائرٍ على طريق قد كمنت الأعداءُ في جنباته وخلفه وأمامه، وهو لا يشعر، فإذا أصيب منها مرة بمصيبةٍ استعد في سيره، وأخذ أُهبة عدوه، وأعد له ما يدفعه، ولولا أنه ذاق ألم إغارة عدوه عليه وتبييته له، لما سمحت نفسه بالاستعداد والحذر، وأخذ العدة، فمن تمام نعمة الله على آدم وذريته أن أراهم ما فعل العدو بهم، فاستعدوا له، وأخذوا أهبته.

فإن قيل: كان مِن الممكن ألا يسلط عليهم العدو.

قيل: قد تقدم أنه سبحانه خلق آدم وذريته على بنية وتركيبٍ مستلزمٍ لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم به، ولو شاء لخلقهم كالملائكة الذين هم عقول بلا شهوات، فلم يكن لعدوِّهم طريق إليهم، ولكن لو خلقوا هكذا لكانوا خلقًا آخر غير بني آدم، فإن بني آدم قد ركبوا على العقل والشهوة، وأيضًا فإنه لما كانتْ محبة الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له، ولا سعادة بدونها أصلًا، وكانت المحبة الصادقة إنما تتحقق بإيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس، واحتمال أعظم المشاق في طاعته ومرضاته، فبهذا تتحقق المحبة، ويعلم ثبوتها في القلب"؛ قاله العلامةُ ابن القيم في كتابه القيم: "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة" (1/4- 6).

وأنصحك باقتناء هذا الكتاب، وإدمان النظر فيه، مع كتابه الآخر: "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل".

تذكَّري أنك قد حصلتِ في المرحلة الثانوية على درجات أهَّلَتْك لدخول كلية الهندسة، وهذا دليلٌ على تفوقك، وتأهلك الذهني للمضي فيها حتى التخرج، ولكن بعض الطلبة يُصابون بهوس وبحالة مشابهةٍ لحالتك في بداية الدراسة الجامعية، وما تلبث أن تزول وأن يعودوا لقديم عهدهم مِن الجد والاجتهاد والنجاح، فاستعيني بالله واصبري، واصدقي اللجوء إلى الله تعالى.

وبالنسبة لحالتك الصحية؛ راجعي أحد الأطباء الماهرين، فلكلِّ داءٍ دواءٌ.

وفقك الله لكلِّ خيرٍ

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 0
  • 41,154

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً