الحجر الصحي: المشكلات والحلول

منذ 2021-02-09

سائلة تسأل عما نتج عن الحجر الصحي من مشاكل، وعن كيفية تجاوز تلك المشاكل.

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

نعيش فترة خانقة بسبب فيروس كورونا، وإجراءات الحجر الصحي، وكلما طالت المدة زاد قلقُنا، وأصبحنا لا نتحمل الوضع، وكثُرت الصراعات والنقاشات بين أفراد الأسرة الواحدة، كيف نتعامل مع هذه الحال؟ وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فأولًا: قبل حل المشكلة، علينا أن نعرف أسباب المشاكل الناشئة عن الحَجْرِ الصحي داخل الأسرة الواحدة؛ لأن معرفة الأسباب طريق صحيح لأفضل الحلول بإذن الله، فأقول: من الأسباب للمشاكل الآتي:

1- ضعف الإيمان بالقدر، ومن ثَمَّ ضعف الصبر على الأقدار.

 

2- ضعف القدرة على استثمار الفراغ فيما ينفع؛ بسبب التعود على إضاعة الأوقات فيما لا ينفع.

 

3- قلة العبادات التي تنتج الطمأنينة من صلاة وتلاوة وذِكْرٍ.

 

4- التعوُّدُ على كثرة الخروج من المنزل سابقًا.

 

5- كثرة الترفيه عن النفس سابقًا مع الزملاء.

 

6- وعند البعض من الناس ربما فِقدان بعض المعاصي التي كانت تمارَس خارج المنزل.

 

7- ربما من الأسباب نقص الرواتب، أو قطعها عن البعض.

 

8- الخوف من المستقبل من الأمراض أو على الأرزاق.

 

9- تفرُّغ البعض - خاصة الأزواج - لتتبُّع زلَّات بعضهم ونقدها.

 

10- الاعتماد على الأسباب البشرية، وضعف التوكل على الله سبحانه، وضعف اللجوء إلى الله سبحانه في تفريج الكرب.

 

هذه تقريبًا أهم الأسباب، فيا تُرى ما العلاج لها؟ أقول مستعينًا بالله تعالى أهم الحلول الآتي:

أولًا: العمل على تقوية التوحيد في القلوب، ومعرفة عظمته سبحانه، ومن ثَمَّ تحقيق الإيمان بالقدر والصبر على أقدار الله عز وجل؛ قال سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

 

ثانيًا: الإكثار من العبادات: من صلاة، وتلاوة، وذكر، واستغفار، واسترجاع؛ قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقال عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

 

ثالثًا: الدعاء، وهو علاج مهمٌّ جدًّا جدًّا، فتسألون الله عز وجل أن يرزقكم قوة الإيمان بالقدر، والصبر، وحسن الأخلاق.

 

رابعًا: مجاهدة النفس على عدم التدقيق في أخطاء الزوجة والزوج وغيرهما، وعلى التغافل، وعلى كَظْمِ الغيظ؛ تأمل كثيرًا قوله سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134]، قوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}: يدخل في العفو عن الناس العفوُ عن كلِّ مَن أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكَظْمِ؛ لأنَّ العفوَ تركُ المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تَحلَّى بالأخلاق الجميلة، وتخلَّى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله؛ رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وكراهة لحصول الشرِّ لهم، وليعفوَ الله عنه، ويكون أجره على ربِّه الكريم، لا على العبد الفقير؛ كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]؛ [تيسير الكريم الرحمن، ص: 148]، وقال سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [الشورى: 40]؛ "قال ابن عباس رضي الله عنه: من ترك القِصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو، {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}؛ أي: إن الله يأجره على ذلك؛ قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة"؛ [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (16/ 41)].

 

جاء في سنن أبي داود عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كظم غيظًا، وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخيِّرَه الله من الحور العين ما شاء».

 

خامسًا: تعويد النفس على التقشُّفِ والتقليل من المصاريف.

 

سادسًا: وتأمل كثيرًا في قوله سبحانه: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، وهذا - أيها المؤمنون - عفوٌ في مقابلة الأذى في العِرْضِ، وهو من أشدِّ الأذى وأنْكاه؛ وقد جاء في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت في حق صدِّيق الأمة أبي بكر رضي الله عنه، عندما حلف ألَّا يُنفقَ على مِسطح بن أُثاثة، وكان من قرابته، وكان ينفق عليه لفَقْرِهِ وقرابته، ولمَّا حصل منه شيءٌ من الخَوضِ في حادثة الإفك، حلف أبو بكر ألَّا ينفق عليه، ولما نزلت هذه الآية الكريمة، قال أبو بكر رضي الله عنه: ((بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها أبدًا)).

 

انظر كيف جعل الله عفوَ المظلوم عمن ظلمه سببًا لعفو الله عن المظلوم، وانظر كيف امْتثل أبو بكرٍ رضي الله عنه فورًا لأمر الله، وعفا عن مسطح طمعًا في عفو الله عنه.

 

سابعًا: الاجتهاد في ترك المعاصي والتوبة منها؛ لأنها تُقسِّي القلوب، وتُوَتِّر الأعصاب، وأهم من ذلك أنها تُغضِب الرحمن سبحانه.

 

ثامنًا: البحث عن بدائلَ طيبةٍ للرزق لا تتعارض مع الحجر الصحي.

 

تاسعًا: العلم اليقيني بأن التوتر والغضب لن يجلبا رزقًا، ولن يدفعا مصيبة، بل هما يزيدان الإنسان قلقًا وظلمًا.

 

عاشرًا: الرضا والقناعة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى مَن هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم؛ فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله عليكم» [متفق عليه، وهذا لفظ مسلم]، وفي رواية البخاري: ((إذا نظر أحدكم إلى مَن فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ، فلْينظُرْ إلى من هو أسفلَ منه)).

 

حفظكم الله، ورزقكم الصبر والرضا، وحسن الخلق والقناعة، وفرَّج كُربتكم.

 

وصلِّ اللهم على نبينا محمد ومن والاه.

  • 1
  • 0
  • 232

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً