نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

تكفير الحج للذنوب

منذ 2014-09-11
السؤال:

يريد أداء فريضة الحج وقد قارف كثيراً من المعاصي والآثام في أيامه السابقة فهل الحج يكفر هذه الذنوب كما جاء في الحديث إن الحاج يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟

الإجابة:

ينبغي أن يعلم أن على من أراد الحج المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والخطايا لقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31] . وحقيقة التوبة الإقلاع عن الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة إليها. وإن كان عنده مظالم للناس فعليه أن يردها وأن يتحلل منها قبل سفره لما صح في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحللها من صاحبه من قبل أن يؤخذ منه حين لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» (رواه البخاري). وعليه أن يقضي ديونه فإن لم يتمكن من قضائها فعليه أن يوكل بقضائها وعليه أن يترك لأهله نفقة تكفيهم حال غيابه ويجب عليه أن يسعى لإرضاء والديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته. ويجب أن تكون نفقته للحج ولغيره حلالاً طيباً لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة:267]. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً» (رواه مسلم) انظر التحقيق والإيضاح ص10-11.

ومما تجب العناية به على من أراد الحج أن يتعلم الأحكام الشرعية اللازمة للحج وللسفر ونحوها. قال الإمام النووي: [إذا أراد سفر حج أو غزو لزمه تعلم كيفيتهما إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها ويستحب لمن يريد الحج أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك جامعاً لمقاصدها ويديم مطالعته ويكررها في جميع طرقه لتصير محققة عنده. ومن أخل بهذا من العوام يخاف أن لا يصح حجه لإخلاله بشرط من شروط أركانه ونحو ذلك.  وربما قلد بعضهم بعض عوام مكة وتوهم أنهم يعرفون المناسك محققة فاغتر بهم وذلك خطأ فاحش] المجموع 4/386. وهناك أحكام وآداب أخرى ينبغي للمسلم أن يتحلى بها وليس هذا محل بحثها.

وأما جواب السؤال فأقول إن الحديث الذي أشار إليه السائل هو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (رواه البخاري ومسلم). وهذا الحديث عام مخصوص على الصحيح من أقوال أهل العلم فإن الحج وغيره من الطاعات كالوضوء والصلاة والعمرة تكفر صغائر الذنوب دون كبائرها ولا أثر للطاعات في إسقاط حقوق العباد فلا بد من رد الحقوق لأصحابها ولا بد للمسلم من التوبة الصادقة من كبائر الذنوب. قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم:8]. وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  [النور:31] . قال الحافظ ابن عبد البر: [ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرةً للكبائر والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله عز وجل بالتوبة معنى ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر وغير نادم على ذلك فمحال فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة»  (رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح قاله الشيخ الألباني) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة إلى ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وفي رواية أخرى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر» (رواه مسلم). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر» (رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح). ومما سبق يتضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر فيكون على هذا معنى قول الله عز وجل: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ» الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات والله أعلم. وهذا كله قبل الموت فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإن عذبه فبجرمه وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة. وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته واعتقد أن لا يعود واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت وعليه جماعة علماء المسلمين]  فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك 1/55-57 بتصرف. وهذا الذي بينه الحافظ ابن عبد البر هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).  وهو من أحاديث الأربعين نووية. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين … الثاني: أنه تكفر الصغائر مطلقاً ولا يكفر الكبائر إن وجدت لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها …]. ثم قال الحافظ ابن رجب: [والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}  [الحجرات: 11] جامع العلوم والحكم 214-216. ولا يصح التمسك بظاهر قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] على أن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة وصغيرة. وعند جمهور أهل العلم لا بد من تقييد ذلك بما صح في الحديث من قول صلى الله عليه وسلم: «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» وغيره من الأحاديث المقيدة لمطلق الآية. انظر فتح الباري 9/427. وبناءاً على ما تقدم فإن الحج يكفر صغائر الذنوب مطلقاً وأما الكبائر المتعلقة بحقوق الناس فإن كانت مالية كدين عليه أكله ظلماً وعدواناً فلا يكفره الحج ولا بد من وفاء دينه. وأما الكبائر المتعلقة بحق الله تعالى فإن كانت مثل الإفطار في رمضان بغير عذر فيجب عليه قضاؤه ولا يكفره الحج. وإن كانت مثل تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر فإن الحج يكفره وعليه أن يتوب توبة صادقة. قال الإمام الترمذي: [هو مخصوص - أي حديث أبي هريرة - بالمعاصي المتعلقة بحق الله تعالى خاصة دون العباد ولا تسقط الحقوق أنفسها فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب وإنما الذنوب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق] الفتح الرباني 19/7.

  • 2,819
  • 1,089
  • 35,938
i