حقيقة الاعتكاف و الأصل في مشروعيته وجوازه

منذ 2006-12-01
السؤال: ما هي حقيقة الاعتكاف ؟ وما هو الأصل في مشروعيته وجوازه
الإجابة: بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على نهجه وسبيله إلى يوم الدين ؛ أما بعد :
فإن الاعتكاف هو لزوم الشيء ، يقال : عَكَف على الشيء إذا لبث عنده ولزمه ، ومنه قوله تعالى: { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . }
وأما الاعتكاف في شريعة الله - تعالى - : فهو لزوم المسجد لطاعة الله - عز وجل - .
وقرر العلماء - رحمهم الله - أن الاعتكاف الشرعي لا يكون إلا بلزوم المساجد ، ومذهب جمهور العلماء - رحمهم الله - على أنه لا يصح في غير المسجد .
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للمرأة وحدها أن تعتكف في مسجد بيتها .
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ؛ لظاهر الكتاب في قوله - سبحانه - : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }. فدل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في بيوت الله - تعالى - وهي المساجد .
وقول العلماء : (( إن الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله )) أي من أجل طاعة الله - عز وجل - ، فلا يكون الاعتكاف اعتكافا شرعيا إلا إذا قصد صاحبه التقرب لله - تعالى - بالطاعات المختلفة من : الصلاة ، والذكر ، ومن التسبيح ، والتحميد والتكبير ، وتلاوة القرآن ، والاستغفار ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وغير ذلك مما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
والأصل في مشروعية الاعتكاف قوله - عز وجل { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود } ِ . فبين عز وجل شرف الاعتكاف وفضله ، وأنه مشروع ، حينما بيّن أن بيته الحرام الذي هو أفضل البيوت على وجه الأرض على الإطلاق ، أنه أمر خليله ، وعبده إبراهيم - تعالى - أن يطهّره من أجل العاكفين ، وهذا يدل على فضل الاعتكاف وشرفه ، وعلوّ منزلته .
وقال عز وجل : { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }. فعظّم الاعتكاف ، وجعل للاعتكاف حرمة ، حيث حظَر على الزوج أن يباشر زوجته وهو معتكف ، وهذا يدلّ دلالة واضحة على مشروعية الاعتكاف ، وأنه قربة لله - تعالى - توجب الإمساك عن بعض ما حظر .
وأما دليل السّنة فإن النّبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان ، واعتكف العشر الوسطى كما في الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه - ونزل عليه الوحي ، وذلك في آخر ليلة من ليالي العشر الوسطى ، نزل عليه جبريل - تعالى - وقال : " يا محمد ، إن الذي تطلبه أمامك " يعني ليلة القدر . فأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يعتكفوا معه العشر الأواخر ، فدلّ هذا على مشروعيّة الاعتكاف ، فثبت الاعتكاف بالقول من سنّة النّبي - صلى الله عليه وسلم - ، وثبت بالفعل ، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل الاعتكاف .
وأجمع العلماء - رحمهم الله - على مشروعيّة الاعتكاف ، وأنه قربة لله - تعالى - ، وطاعة لله - عز وجل - ، ويتأكّد استحباب هذه العبادة العظيمة في العشر الأواخر من شهر رمضان ، وهي جائزة في سائر السَنّة ، يجوز للمسلم أن يعتكف في المسجد في أي ليلة ، وفي أي يوم ، وفي أي ساعة على الصحيح : أن الاعتكاف ليس له حد أدنى ؛ لعدم عدم ثبوت التحديد والتأقيت، ولذلك لا يتقيد بزمان ، وهذا مذهب الأئمة الأربعة - رحمهم الله - على مشروعية الاعتكاف في سائر السنة وليس مخصوصا في رمضان ، وأنه يجوز للمسلم أن يعتكف في أيّ يوم أو في أي ليلة ، ما عدا من يشترط الصوم ، فإنه يمنع إذا كان يوما محظورا على المسلم أن يصومه .
ويتأكّد الاستحباب في العشر الأواخر ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأواخر ، وقد ثبت عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه قضى اعتكافه في رمضان في شوّال " ، وهذا يدلّ على مشروعية الاعتكاف في سائر السَنّة ، لأنه أنزل ليالي في شوال منزلة الليالي من رمضان ، فدل هذا على صحة الاعتكاف في سائر السنة . والإجماع منعقد على أن هذه العبادة والطاعة مما يتقرّب بها إلى الله - تعالى - إذا حفظ العبد حدودها ، وقام بحقوقها ، وأداها على وجهها ؛ نال بركتها وخيرها ، فعظم ثوابه ، وحسن جزاؤه عند الله - عز وجل - ، ولذلك قلّ أن ترى عينك رجلا قام بالاعتكاف على وجهه إلا وجدت أثره في نفسه، وفي قوله وعمله .
ومن الناس من يخرج من اعتكافه صالح الحال سائر السَنّة ، ومن الناس من يخرج بالقليل والكثير ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، نسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يجعل لنا من فضله أوفر الحظ والنصيب ، والله تعالى أعلم

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

حاصل على الدكتوراه في الفقه وهو مدرس في الجامعة الإسلامية وبالمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة وحاليا قد أصبح الشيخ عضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وعضو هيئة كبار العلما

  • 0
  • 0
  • 7,869

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً