إخراج الزكاة مقدمًا؟

منذ 2016-05-16
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

هل يجوز إخراج زكاة المال مُقدمًا قبل ميعاد إخراجها على دفعات شهريَّة لِمُسْتحقيها، حتى إذا جاء ميعاد إخراج الزكاة يتمُّ خصْم هذه الدفعات مِنْ قيمة الزكاة الواجبة، وإخراج المتبقي من الزكاة دفعة واحدة؟

بارك الله فيكم

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فيجوز تعجيل الزكاة قبل الحَوْل، ولو لعامَيْن، وهو مذهبُ الجمهور من الحنفيَّة الشافعيَّة والحنابلة، خلافًا لمالك وربيعة وغيرهما، قالوا: لا يجزئ حتى يَحُول الحول، واستدلوا بعُمُوم الأحاديث التي فيها تعليق الوجوب بالحول، وأجيب بأنه لا يخالف التعجيل؛ لأن الوجوب مُتَعَلِّق بالحول، فلا نزاع، وإنَّما النزاع في الإجزاء قبله.

واستدل الجمهور بما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدَقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبدالمطلب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا؛ قد احتبس أدراعه وأَعْتُدَه في سبيل الله، وأما العباس بن عبدالمطلب فعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي عليه صدقة ومثلها معها».

وروى البزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، عن عبدالله بن مسعود: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجل من العباس صدقة عامين في عام، وفيه محمد بن ذكوان، وفيه كلام، وقد وُثِّق.

قال الألباني في "الإرواء": قال الحافظ: "وليس ثبوت هذه القصَّة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرُق"، قلت: وهو الذي نجزم به؛ لصحَّة سندها مرسلاً، وهذه شواهد لم يشتد ضعفها... فهو يتقوى بها ويرتقي إلى درجة الحسن على أقل الأحوال، ويعضده رواية مسلم: «فهي علي ومثلها».

قال ابن قدامة في "المغني":

(ويجوز تقدمة الزكاة): وجملته أنه متى وجد سبب وجوب الزكاة، وهو النِّصاب الكامل، جاز تقديم الزكاة.

وبهذا قال الحسن وسعيد بن جبير والزهري، والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي، وإسحاق وأبو عبيد، وحكي عن الحسن أنه لا يجوز، وبه قال ربيعة ومالك وداود؛ لأنَّه رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تؤدَّى زكاة قبل حلول الحول» ، ولأنَّ الحول أحد شرطي الزكاة، فلم يَجُزْ تقديم الزكاة عليه كالنصاب، ولأن للزكاة وقتًا، فلم يجزْ تقديمها عليه، كالصلاة.

ولنا ما روى علي: أن العباس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك، وفي لفظ: في تعجيل الزكاة، فرخص له في ذلك، رواه أبو داود.

ولأنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، فجاز، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفَّارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتْل بعد الجرح قبل الزهوق، وقد سلم مالك تعجيل الكفارة، وفارق تقديمها على النصاب؛ لأنه تقديم لها على سببها، فأشبه تقديم الكفارة على اليمين، وكفارة القتْل على الجرح، ولأنه قد قدمها على الشرطين، وها هنا قدمها على أحدهما".

وقال النووي في "الروضة":

التعجيل جائز في الجملة، هذا هو الصواب المعروف، وحكى الموفق أبو طاهر عن أبي عبيد بن حربويه من أصحابنا منعَ التعجيل، وليس بشيء، ولا تفريع عليه، ثم مال الزكاة ضربان: متعلِّق بالحَوْل وغير متعلق، فالأول يجوز تعجيل زكاته قبل الحول، ولا يجوز قبل تمام النصاب في الزكاة العينية.

وقال المرداوي في "الإنصاف":

(ويجوز تعجيل الزكاة عن الحول إذا كمل النصاب) هذا المذهب، وعليه الأصحاب، وقطعوا به، كالدين ودية الخطأ، نقل الجماعة عن الإمام أحمد: لا بأس به، زاد الأثرم: هو مثل الكفارة قبل الحنث، والظهار أصله.

قال في "الفُرُوع": فظاهره: أنهما على حدٍّ واحد، فيهما الخلاف في الجواز والفضيلة.

فائدتان:

إحداهما: ترك التعجيل أفضل.

قال في "الفروع": هذا ظاهر كلام الأصحاب قال: ويتوجه احتمال بأن تعتبر المصلحة، قلت: وهو توجيه حسن، وتقدم نقل الأثرم.

قال الشيخ العثيمين:

يجوز للإنسان أن يعجل الزكاة قبل وجوبها، لكن بشرط أن يكون عنده نصاب، فإن لم يكن عنده نصاب، وقال: سأعجل زكاة مالي؛ لأنه سيأتيني مال في المستقبل، فإنه لا يجزئ إخراجه؛ لأنه قدمها على سبب الوجوب، وهو ملك النِّصاب.

وهذا مبني على قاعدة ذكرها ابن رجب - رحمه الله - في "القواعد الفقهية"، وهي: (أن تقديم الشيء على سببه ملغى، وعلى شرطه جائز).

مثال ذلك: رجل عنده (190) درهمًا فقال: أريد أن أزكي عن (200) فلا يصح؛ لأنه لم يكمل النصاب فلم يوجد السبب، وتقديم الشيء على سببه لا يصح، فإن ملك نصابًا وقدمها قبل تمام الحول جاز؛ لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط؛ لأنَّ شرْط الوُجُوب تمام الحول.

ونظير ذلك: لو أن شخصًا كفَّر عن يمين يريد أن يحلفها قبل اليمين، ثم حلف وحنث، فالكفارة لا تجزئ؛ لأنها قبل السبب، ولو حلف وكفَّر قبل أن يحنث أجزأت الكفارة؛ لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط.

وعليه؛ فيجوز تعجيل الزكاة بالصورة المذكورة لمصلحة الفقراء أو الرفق بالمتصدق،،

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 8,311

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً