حكم عقوق الأبناء للآباء عند عقوق الآباء للأبناء

منذ 2019-08-03
السؤال:

السلام عليكم أنا شاب أبلغ 17 عامًا من مواليد الجيزة والدي تركنا عندما كنت في الثامنة من عمري بعد خلاف ومشاكل واسعة في المنزل، أصوات مرتفعة من جانبه دائمًا، إهانة لوالدتي منذ أول أيام الزواج، بخل غير عادي، سوء معاملة، قسوة قلب، جحود وتكبر، وغيرها من الأمور. قام الوالد بالذهاب إلى إخوته وبات معهم ليلتين، قمنا فيهم بإغلاق باب المنزل ليعرف أن الله حق فقام صباح اليوم التالي بإحضار "البوليس" إلى باب المنزل والتشهير والسب لوالدتي وأبيها والإدعاء بما لم يكون طوال تلك الأعوام لم يكن يسأل عن أحوالنا، كيف نعيش؟ كيف نأكل؟ كيف ندرس ونتعلم؟ كيف أم وحيدة تقوم بتربية ثلاثة أولاد؟ أيعقل المال الذي نأخذه منك -وفقا للمحكمة- هو الذي يعيننا على العيش طوال تلك الأعوام؟ كلا وألف كلا إنها بركة الله بدأ يتذكرنا منذ عامين وبدأ يحاول الوصول إلينا بشتى الطرق اتصالات هاتفية من أرقام عدة محاولة المجئ للمنزل الاستعانة بإحدى الشوخ الاستعانة بإخوته سبب المشاكل والخلافات (قاموا بعمل أعمال وأسحار لأمي انتقامًا لها وبالفعل كان هناك مشاحنات كبيرة في المنزل وفساد كل شئ بالمعنى الحرفي ولكن الله قدير على أن يقلبها عليهم) قام بالحديث مع والد أمي لكنه رفض تمامًا أخذاً لرأينا نحن رافضون أي محاولة معه كان يقول عنا في السنوات الأخيرة إنهم لا يعرفون الله.. الأم تحرم الأبناء من أبيهم إذاً كيف وأنت لا تسأل عنا إلا بعد فوات الأوان، ماذا تريد؟ نحن نعامل الله في كل شئ ولذلك توجهت إليك بهذا السؤال الذي راودني منذ أيام عاود التشهير للمرة الثانية ولكن هذه المرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وأصبح يتهمنا بالفسوق والعصيان والفساد والحقد وأن الأم هي السبب الرئيسي في جعلنا كارهين الرجوع إليه "إنه مختل عقليًا" قال منذ أيام على الفيس بوك أنه ليس لديه أولاد والآن يدعي أنه مصدر الحب والحنان أيام طفولتنا ويخرجنا إلى التنزه وأننا نريده على حد قوله السؤال فضيلة المُفتي: ماذا نفعل؟ يقول علينا هذا عقوق الأبناء للآباء إذا فأين عقوق الآباء للأبناء؟؟! أين فترة الطفولة التي حرمتنا إياها؟ "وجعل بينكم مودة ورحمة" أين هي مع والدتي اللسان قد يعجز عن القول ولكنها لم تعش يومًا جميلاً معه أعتذر فضيلة الشيخ عن الإطالة ولكن أريد رأيك كاملاً في هذه القضية أنتواصل معه؟ أم نتركه إلى الله ؟ أم ندعو الله له بالهداية؟ ما حكم عقوق الأبناء للآباء عند عقوق الآباء للأبناء وعدم السؤال عنهم؟ اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقك إلى أحسن وأنفع القول اللهم نسألك أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:                                           

فنحن نُقَدِّرُ مشاعرك جدًّا، وغضبك الشديد من والدك، وحجم الخطأ الفادح الذي وقع فيه، غير أن نفرتك من والدك، في ردة فعل انفعالية لأفعاله التي ذكرتها، والذي جعلك مصرًا على قطيعته.

وقد أحسنت سلمك الله بسؤال أهل العلم، خشية الوقوع فيما يغضب الله تعالى، 

ولا شك أنه يهون على المسلم قهر نفسه في ذات الله تعالى، لأن الشارع الحكيم أخذ البيعة على المسلمين بالسمع والطاعة في المنشط والمكره، وفيما نحب وفيما نكره، فاستعن بالله واطو تلك الصفحة المؤلمة، ولا تجتر الماضي بآلامه وأحزانه، بل ارمه دَبر الآذان، ووراء الظهور، وتحلَّ بالسلم النفسي، فستحصُل المحبة لوالدك شيئًا فشيئًا، ومن يخش الله ويتقه قادر بمعونة الله وحوله وقوته على التعامل بالإحسان مع الوالد حسبة لله تعالى، والماضيَ مهما كان سيئًا، فقد ولى، وأصبح مجرد تجارب حياتية، وليس أكثر من ذلك، ويجب أن تستفيد منها - وحسب - لبناء مستقبل زاخر بالرجاء والأمل.

ولا يخفى عليك أن الشارع الحكيم قد أعطى كل ذي حق حقه، فإن كان والدك لم يتق الله فيك، فليس هذا مبررًا للعقوق.

وحقوق الأبناء على آبائهم كثيرة وثابتة بالكتاب والسنة، ومعلومة من دين الإسلام بالضرورة، واتفق عليها أئمَّة المسلمين؛ ولا تَحتاج إلى بيان ولا برهان.

فالله تعالى قد أوجب على الأبناء حقوقاً تجاه آبائهم وأوجب في المقابل للأبناء حقوقاً على الآباء، وتقصير الآباء في اداء حقوقهم تجاه أبنائهم لا يبرر العقوق ولا يسوغ التقصير؛ فإذا كان كفر الوالدين بالله العظيم لا يُسقط حقهم في البر والإحسان فبالأحرى ألا يسقطه ظلمهما أو تضييعهما للأبناء؛ قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 14، 15].

وقد حررنا تلك المسألة الكبيرة في الفتويين: "عقوق الآباء للأبناء"، "هل عقوق الوالدين مبرر لعقوق الأبناء"

هذا؛ ومن أعظم ما يعينك على الصبر على تلك الأقدار المؤلمة، الإيمانُ بِالقضاء والقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فالإيمان بقدر الله فيما يجري على الإنسان ولا حيلة له لدفعه، وهو قوة تبْعَثُ في النفس الطُّمَأْنِينة وإن غابت عنه حمة الابتلاء؛ قال تعالى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}[الحديد/22]، وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:11].  وقال - صلى الله عليه وسلم – "لو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار"، وقال: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

وليكن هجيراك قول النبي: "ماض في حكمك، عدل في قضاؤك"، وهو مصداق لقوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56].

فإذا تذكرتِ هذا هان عليك صلة والدك، وسهل عليك تقبله شيئا بعد شيء، وذهب عنك ما تجد من النفرة.

 وتذكر أيضًأ أن الله تعالى خلق الدنيا بما فيها ومن فيها للامتحان والاختبار، فابتلى الله أقواما بكثرة الأوجاع والأسقام، وآخرين بنقص المال والأولاد، وآخرين بعقوق الآباء! ومن أقسى أنواع الابتلاء الابتلاء في الأهل، إلى غير ذلك من الآلام والأحزان الأتراح التي لا يكاد يسلم منها، فاستعن بالله ولا تعجِز، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140].

وتحلَّي بِالصبر، مع مداومة التوجه إلى الله تعالى بالدعاء وطلب العون، واحذر من الاستسلام لزق النفس، فتتساوى مع والدك في الإثم،  

وضع دائمًا نصب عينيك قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ* أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 22 - 24].

هذا والله أعلم.  

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 7
  • 0
  • 7,886

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً