هل قيام الليل أفضل أم جلسة الإشراق؟

منذ 2019-12-16

قيام الليل وهو دأب الصَّالحين، وطريقة الموفَّقين الطَّائعين، وسنَّة الموحدين أتْباع خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وهو شرَف المؤمِن؛ كما قاله جبريل لسيِّد الثَّقلين أجمعين، وقد جرت عادةُ الله في خلقِه بإحْياء قلْبِ مَن صلاَّها، وإنارة بصيرةِ مَن أحْياها، وقد تكاثرت الأدلَّة من الكتاب والسنَّة على عظيم فضْلِ صاحبِها

السؤال:

لضيق الوقت اذا قمت الليل انام بعد صلاة الفجر حتى موعد الذهاب للعمل او انام حتى الفجر وبعد صلاة الفجر واذكر الله حتى شروق الشمس واصلى الضحى واذهب للعمل السؤال ايهما اولى اذا لم يمكننى الجمع بينهما ؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

 فإن المتأمل في سنة النبي صلى الله عليه وما ورد في كتاب الله العزيز لم يتردد في أن قيام الليل هو أفضل ما يفعله المسلم من صلاة بعد ما فرضه الله عليه؛ وقد نطقت بهذا السنة المطهرة كما في الصحيح عن أبي هُريرة - رضِي الله عنْه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: "أفضل الصِّيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصَّلاة بعد الفريضة صلاة اللَّيل".

وقيام الليل وهو دأب الصَّالحين، وطريقة الموفَّقين الطَّائعين، وسنَّة الموحدين أتْباع خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وهو شرَف المؤمِن؛ كما قاله جبريل لسيِّد الثَّقلين أجمعين، وقد جرت عادةُ الله في خلقِه بإحْياء قلْبِ مَن صلاَّها، وإنارة بصيرةِ مَن أحْياها، وقد تكاثرت الأدلَّة من الكتاب والسنَّة على عظيم فضْلِ صاحبِها؛ كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، وقال - تعالى - في بيان صفة المؤمنين: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 15 - 17]، وقال - سبحانه - في بيان صِفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} إلى قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 64 - 76].

ويكفي في فضل قيام الليل أنه وقتُ النزول الإلهي إلى السماء الدنيا، كما في الصحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل مِن سائلٍ يُعطى؟ هل مِن داعٍ يُستجاب له؟ هل مِن مستغفرٍ يُغفر له؟ حتى ينفجر الصبح".

وقد اتفقت الروايةُ على حصوله في الشطر الثاني مِن الليل، وعلى دوامه إلى طلوع الفجر، فهذا وقتُ اقتراب الرحمة والمغفرة، وسكون الشياطين، وحريٌّ بمن نَصَح نفسه أن يغتنمَ ذلك الوقت. و كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم ترك قيام الليل.

قال شيخ الإسلام ابن القيم في كتابه الطب النبوي (ص: 186): "إذا تأمَّلْتَ هديَه صلى الله عليه وسلم في ذلك، وجدتَه أكملَ هديٍ حافِظٍ للصحة والقوى، ونافعٍ في المعاش والمعاد.

ولا ريبَ أنَّ الصلاة نفسها فيها مِن حِفْظ البدن، وإذابةِ أخلاطه وفضلاته ما هو مِن أنفع شيءٍ له سوى ما فيها مِن حِفْظ صحة الإيمان، وسعادةِ الدنيا والآخرة، وكذلك قيام الليل مِن أنفع أسباب حِفْظ الصحة، ومِن أمنع الأمور لكثيرٍ مِن الأمراض المُزْمِنَة، ومِن أنشط شيءٍ للبدن والروح والقلب؛ كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "يَعقِدُ الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَدٍ، يَضرب على كل عقدة: عليك ليلٌ طويل فارقُدْ، فإنْ هو استيقظ فذكر الله انحلتْ عقدة، فإن توضَّأ انحلَّتْ عقدة ثانية، فإنْ صلَّى انحلتْ عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيبَ النفس، وإلا أصبح خبيثَ النفس كسلان". اهـ.

ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه أبو داودَ والترْمِذي عن عمرو بن عبسة: أنَّه سمِع النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: "أقربُ ما يكون الرَّبُّ من العبدِ في جوْفِ اللَّيل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممَّن يذكر الله في تلك الساعة، فكُنْ"، وعن أبي أمامة مرفوعًا: "عليْكم بقيام الليل؛ فإنَّه دأب الصالحين قبلَكم، وهو قُربةٌ إلى ربِّكم، ومكفِّرة للسيِّئات، ومنهاة للإثم"، وعَنْ عَلِيٍّ مرفوعًا: إنَّ في الجنَّة غرفًا تُرى ظهورها من بطونها، وبطونُها من ظهورها"، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصِّيام، وصلَّى لله باللَّيل والنَّاس نيام"؛ رواهما الترمذي، وحسَّنهما الألباني.

وثبت عند الترمذي عن عبدالله بن سلام - رضي الله عنْه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: "أيُّها النَّاس، أفْشوا السَّلام، وأطْعِموا الطَّعام، وصلُّوا باللَّيل والنَّاس نيام - تدخلوا الجنَّة بسلام"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وعليه، فقيام الليل أفضل صلاة بعد المكتوبة، وأفضل من جلسة الإشراق،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 14
  • 1
  • 4,339

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً