العلاج الناجع لإدمان الانترنت

منذ 2020-01-21
السؤال:

اريد علاجا فعالا لادمان الاجهزة الإلكترونية و الانترنت و شكرا

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فإن النجاة من هذا الإدمان وغيره من العوائد السيئة إنما يكون بصدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، وطرح النفس بين يديه على بابه مستغيثًا به، متضرعًا متذللاً، مستكينًا، فمن وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق والإقلاع.

ولا شك أن الثبات بعد ذلك على طريق الصلاح يحتاج لجهد متواصل، ويحتاج إلى مجاهدة وصراع مع النفس والشيطان؛ لإخراج الهوى من القلب الذي هو حجاب عن الله والدار الآخرة، وعلى قدر صدق التأهب قوة الاستعداد للإقلاع تأتي معونة الله القوي العزيز، إلى أن ينتصر الإيمان الكامن في النفس أخيرًا؛ قال – تعالى -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]؛ وهذه حقيقة كبرى في المنهج الإسلامي العظيم أن من أراد الهداية وسعى لها سعيها وجاهد فيها، فإن الله لا يحرمه منها، بل يعينه عليها، وكل من يتجه إلى هدى الله، يقسم له الهدى ويؤتى الحكمة، ويمنح الخير الكثير، والمسلم الحق هو من يستمع إلى وعد الله، ويصمُّ أذنه عن وعد الشيطان، ويبتعد عن طريقه؛ فمن لا يسير في طريق الله ويسمع وعده، فهو سائر لا محالة في طريق الشيطان ومتبع وعده.

والله سبحانه يهدي من يجاهد ليهتدي، كما قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، وكما قال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10] .

ومجاهدة النفس هو استفراغ الطاقة والوسع في مخالفة هواها، أو هو تحميلها ما يثقل عليها، وبُعدها مما يخف عليها.

وقد أحسن الإمام ابن القيم في بيات ذلك - في معرض كلامه عن هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث - فقال في كتابه "زاد المعاد"(3/ 5):

".... ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلاً له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟!

 بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويخذله ويرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } [فاطر: 6]، والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، ومجاهدته؛ لأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء، أمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسلطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاء، فأعطى الله العبد مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا، وبَلا أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } [الفرقان: 20]...

فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان، وعُدة يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا". اهـ. مختصرًا.

هذا؛ وتوجد وسائل كثيرة تعين المسلم على مجاهدة نفسه في ذات الله تعالى، منها:

تذكر الموت والقبر والدار الآخرة، فإن هذا يخَمَدَ من القلب نيران الشهوات، ويقرب القلب إلى الله.  

ومنها: العمل على صلاح الدين وتقوية الإيمان، بالمواظبة على الفرائض في أوقاتها، وأعظمها صلاة الجماعة في المسجد؛ فإنها مفتاح كل خير، وتنهى عن كل شر.

ثم المحافظة على غيرها من واجبات الشريعة، والالتِزام بسائر أحكام الشرع؛ فالله - سبحانه - يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66]، أي: ما وظف عليهم في كلِّ وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفَّروا نفوسهم للقِيام به وتكميله، ورتَّب ما يحصل لهم على فعل ما يُوعَظون به الهداية إلى صِراط مستقيم، وهي متضمِّنة للعلم بالحق ومحبَّته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك، فمَن هُدِي إلى صراط مستقيم فقد وُفِّق لكلِّ خير، واندَفَع عنه كلُّ شر وضير.

 منها: البحث عن بدائل وهوايات أخرى مثل القراءة أو الرياضة، ومصاحبة أهل الصلاح؛ فالمرء على دين خليله كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

ومنها: تعويد النفس على الصبر، وقد ورد الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا، وهو نصف الإيمان؛ فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة: 153]، وقال: {اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران: 200]، وقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ } [النحل: 127]، وقال تعالى:  {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، والآيات بهذا المعنى كثيرة جدًا وأكثر من أن يحاط بها.

والحاصل أنه لا إيمان لمن لا صبر له، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "خير عيش أدركناه بالصبر"، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أن من يتصبر يصبره الله"

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه، ونور ضريحه– كما في "مدارج السالكين" (2/ 156): "كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها: أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب، وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه؛ فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة؛ فإنه كان شابًا، وداعية الشباب إليها قوية، وعزبًا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريبًا، والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا، والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارًا، وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟". اهـ.

ومنها: الإكثار من ذكر الله؛ فإنه يقوى القلب والبدن، ويزيد اليقين في الله تعالى والتوكل عليه، ومن أعظمه المواظبة على قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإن بها تكابد الأهوال وتنال رفيع الدرجات؛ قال تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

منها: قراءة سيرة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقصص الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين، ففيها عِبَرٌ وحياةٌ للقلب؛ كما قال - تعالى -: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].

منها: الدعاء الصادق والمستمر بالهداية والاستِقامة والثَّبات عليهما، والإقلاع عن تلك الأشياء، وأن يبغضها إليك، وأن يعصمك من المعاصي، ويهدي قلبك، ويوفقك للهدى، ويجعل عملك في رضاه - سبحانه - والدعاء من أعظم الأسباب الجالبة للخير، المانعة من الشر، وهذا مسلكُ المؤمنين، كما حكَى الله عنهم في القرآن الكريم؛ قال - سبحانه -: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]، وقال - تعالى -: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250].   

منها: قراءة القرآن بتدبُّر؛ فالله - تعالى - يقول: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32].

ومنها تغليب التفكير العقلي، فصاحب العقل هو الذي يتذكر فلا ينسى، ويتنبه فلا يغفل، ويعتبر فلا يلج في الضلال؛ كما قال تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]، وهذه وظيفة العقل، أن يذكر موحيات الهدى ودلائله، وأن ينتفع بها فلا يعيش لاهياً غافلاً.

وفي الختام ضع نصب عينيك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه"؛ رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وروى البخاري صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ "، والمغبون هو الخاسر، لأنه لم يستعمل صحته ووقته فيما ينبغي، ومن ثمّ فقد غُبن ولم يحمد رأيه، والمعنى لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس؛ فلا يعملون فيهما من الأعمال لمعادهم، ثم يندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها ولا ينفعهم الندم، ولذلك سمى الله تعالى يوم القيامة: {يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9].

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 0
  • 210

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً