أحب فتاة واختارت غيري فهل يجوز الدعاء أن تكون من نصيبي

منذ 2020-01-22
السؤال:

انني أحب احدي الفتيات حبا اعجزني عن القبول بنسيانها او فراقها وذهبت ادعوا الله ليل نهار الا يكتبها نصيبا لغيري.. فهل يجوز لي الدعاء والطلب من الله ان يردها لي نصيبا حلالا بعد اختيارها غيري وارتباطها به ؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن كانت تلك الفتاة لم تخطب ولم تتزوج كما ذكرت، فلا حرجَ من الدعاء بتيسير بالزواج منها، إن كانت تتوافر فيها صفاتُ الزَّوجة الصالحة من التدين وحسن الخلق؛ كما يمكنك أن تصلي صلاة الاستخارة، ثم تخطبها من أسرتها؛ فقد صحّ عن النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم – أنه قال: "لَم يُرَ للمتحابَّين مثلُ النِّكاح"؛ رواه ابن ماجه.

ولكن إن كنت تعلم أن قلب الفتاة مشغول ذلك الشاب، فالواجب حينئذٍ طي تلك الصفحة، ولتصبر ولتصرف قلبَك عنها بقطع الخطرات والتفكيرفيها.

ومن أعظم ما يعينك على الصبر والرضا تفعيل الإيمان بالقضاء والقدر، واليقين الجازم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن كلّ ما يعمَلُه الإنسان لا يَخرج شيْءٌ منه عَنْ قَدَرِ الله تعالى؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] الْآَيَةَ، ولا يخرج عن هذا العموم شيء، فإن الله - سبحانه وتعالى – كتبها على خلقه قبل أن يَخلُقَهم بعلمه وحكمته، فلا يُمكن للإنسان أن يتزوَّج إلا بِمَنْ قُدَّر الله له ذلك؛ و"الله كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بِخمسين ألفَ سنة، وعرشه على الماء"؛ كما رواه مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص.

وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء"، وفي سنن أبي داود والترمذيِّ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "إنَّ أوَّل ما خلق القلم، فقال له اكتب، قال: وما أكتُبُ يا رب؟ قال: اكْتُبْ مقاديرَ كُلِّ شيءٍ حتَّى تقومَ السَّاعة".

وفي الصحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز»

 وفيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

وليس معنى هذا أن نترك الأخذ بالأسبابَ الَّتي قدَّرها اللَّهُ لِتحْصِيل الزَّوجة الصَّالحة؛ لأن الأسباب من قدر الله، فنبذُل كُلَّ سببٍ مُباح لتحَقِّيقُ المراد.

والمسلم الحق يدرك أن الله سبحانه ينفرد بالخلق والاختيار، وأنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، وأن سائر من يخصه الله بشيء دون غيره، فإنما يكون بالأسباب التي يستحق بها التخصيص، كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم والرزق،  وقد عرف أنه قد يخص من يشاء بأسباب الرزق، ومن حكمة الرب وعدله أنه لا يمنع ما عبده ما يستحقه اصلاً، وقد نهي عن تمنِّي ما فضَّل الله بعض المؤمنين على بعض، مِن أي أنواع التفضيلِ؛ كالزوجة أو الوظيفةِ أو المكانةِ، أو المواهبِ أو المالِ والمتاعِ، وفي كلِّ ما تتفاوت فيه الأنصبةُ في هذه الحياة؛ كما قولَه تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [البقرة: 32]، وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53].

والمؤمن العاقل هو من يتوجُّه إلى الله بالطلبِ، وسؤاله مِن فضله مباشرةً بدلًا من إضاعة النفس حسرات في التطلُّع إلى التفاوتِ، وبدلًا مِن المشاعر المصاحبة لهذا التطلع مِن حسدٍ وحقدٍ، ومن حنقٍ كذلك ونقمة، أو مِن شعور بالضياع والحرمان، والتهاوي والتهافُت أمام هذا الشعور، وما قد ينشأ عن هذا كله مِن سوء ظنٍّ بالله، وسوء ظنٍّ بعدالة التوزيع؛ حيث تكون القاصمة التي تذهب بطمأنينة النفس، وتورث القلق والنكدَ، وتستهلك الطاقة في وُجدانات خبيثةٍ، وفي اتجاهاتٍ كذلك خبيثة، بينما التوجهُ مباشرةً إلى فضل الله هو ابتداء التوجه إلى مصدر الإنعام والعطاء، الذي لا ينقص ما عنده بما أعطى، ولا يَضيق بالسائلين المتزاحمين على الأبواب! وهو بعد ذلك مَوْئِلُ الطمأنينة والرجاء، ومبعث الإيجابية في تلمس الأسباب، بدل بذل الجهد في التحرق والغيظ، أو التهاوي والانحلال، قاله صاحب الظلال (2/ 642)،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 4
  • 0
  • 477

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً