حكم زواج من تجمعهما علاقة غير شرعية!

منذ 2023-04-27
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركته والصلاة والسلام على نبينا محمد أذ كان بين شخصين علاقة غير شرعية وقررا الزواج بالحلال كيف يصبح زواجهما حلال وكيف يتوبا ؟؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

فإن كان المقصود بقول السائل بالعلاقة غير الشرعية بين الرجل والمرأة أنهما قد وقعا في الزنا، فيجب عليهما التوبة النصوح قبل الزواج؛ لأن الله سبحانه وتعالى نهى نكاح الزواني؛ فقال تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3].

فيشترط لصحة الزواج أن يتوبَا من الفاحشة توبةً نصوحًا، أن تَسْتَبْرِئَ رَحِمَهَا، فإن تبيَّن أنها حاملٌ، فلا يتزوَّجُها حتى تَضَعَ حَمْلَهَا حتى لو كان الحملُ مِمَّن زَنَا بِهَا.

جاء في" المغني" لابن قدامة ة (7/ 141): "وإذا زنت المرأة لم يَحِل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين: أحدهما: انقضاء عدتها.. والشرط الثاني: أن تتوب من الزنا وبه قال قتادة، وإسحاق، وأبو عبيد".

وجاء في "مجموع الفتاوى" (15/ 316) لشيخ الإسلام ابن تيمية عند تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3]: "...

وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش الرجل، وفي مناكحتها معاشرة الفاجرة دائمًا ومصاحبتها؛ والله قد أمر بهجر السوء وأهله ما داموا عليه، وهذا المعنى موجود في الزاني؛ فإن الزاني إن لم يفسد فراش امرأته كان قرين سوء لها؛ وهذا مما يدخل به على المرأة ضرر في دينها ودنياها، فنكاح الزانية أشد من جهة الفراش ونكاح الزاني أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم على المرأة، فتبقى المرأة الحرة العفيفة في أسر الفاجر الزاني الذي يقصر في حقوقها ويتعدى عليها؛ ولهذا اتفق الفقهاء على اعتبار الكفاءة في الدين وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة، واختلفوا في صحة النكاح بدون ذلك وهما قولان مشهوران في مذهب أحمد وغيره... والله سبحانه شرط في الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين فقال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، وهذا المعنى مما لا ينبغي إغفاله؛ فإن القرآن قد نصه وبينه بيانا مفروضا كما قال تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]، فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وفيه آثار عن السلف، وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه، وزعموا أن البغي من المحصنات وتلك الآيات حجة عليهم؛ فإن أقل ما في الإحصان العفة.

والمقصود قوله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} فإن هذا يدل على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، وإن ذلك حرام على المؤمنين وليس هذا لمجرد كونه فاجرًا بل لخصوص كونه زانيًا، وكذلك في المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص زناها؛ بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيًا، كما جعل الزوج زانيًا إذا تزوج زانية، هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا، وإذا كانا مشركين فينبغي أن يعلم ذلك، ومضمونه أن الرجل الزاني لا يجوز نكاحه حتى يتوب وذلك بأن يوافق اشتراطه الإحصان، والمرأة إذا كانت

زانية لا تحصن فرجها عن غير زوجها بل يأتيها هو وغيره كان الزوج زانيًا". اهـ. مختصرًا.

وقال أيضًا (32/ 109): "نكاح الزانية " حرام حتى تتوب سواء كان زنى بها هو أو غيره؛ هذا هو الصواب بلا ريب، وهو مذهب طائفة من السلف والخلف: منهم أحمد بن حنبل وغيره، وذهب كثير من السلف والخلف إلى جوازه وهو قول الثلاثة؛ لكن مالك يشترط الاستبراء، وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملا؛ لكن إذا كانت حاملا لا يجوز وطؤها حتى تضع، والشافعي يبيح العقد والوطء مطلقا؛ لأن ماء الزاني غير محترم وحكمه لا يلحقه نسبه، هذا مأخذه"

أما صفة التوبة المقبولة فتكون بالاستغفار والإقلاع عن الذنب والندم والعزم على عدم العود في المستقبل؛ فإن من سعة رحمة رب العالمين أن فتح باب التوبة لكل من جنح إلى خطيئة، أو وقع في فاحشة أو ألمّ بكبيرة، فإنه إذا استغفر الله تعالى وتاب توبة نصوحًا، تاب الله عليه، وغَفَرَ له ما كان، كما قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى:25]، وقال تعالى بعد أن تَوَعَّد من ارتكب أكبر الكبائر: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [الفرقان:70]، وإذا علم الله صدق التائب، تاب عليه، وغفر له ذنبه، ومحا عنه خطيئته، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]

وروى ابن ماجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 12
  • 0
  • 6,281

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً