تذكير الأنام بحرمة الأشهر الحرم

منذ 2024-01-14

"إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء.."

تذكير الأنام بحرمة الأشهر الحرم

إن من حكمة الله تعالى وفضله خَلْقَ الزمان والمكان، وتفضيل بعض الأزمنة على بعض، فلقد خلق الله تعالى الأيام، وفضل بعضها على بعض، ففضل يوم النحر ويوم عرفة ويوم الجمعة على غيرها، وخلق الليالي وفضل بعضها على بعض، ففضل ليلة القدر على غيرها بألف شهر، وخلق الشهور وفضل بعضها على بعض، ففضل الأشهر الحرم وشهر رمضان على غيرها من باقي الشهور، وهذا التفضيل له حِكَمٌ عظيمة، وأجور جسيمة؛ قال جل شأنه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]، لأجل هذا فسوف نطوف تطوافة سريعة حول فضل الأشهر الحرم وبعض أحكامها، وسوف ينتظم حديثنا حول هذه العناصر:

أولًا: بيان حرمة الأشهر الحرم.

ثانيًا: فضل العمل الصالح في الأوقات الفاضلة.

ثالثًا: بعض الأحكام المتعلقة بشهر رجب.

 

والله المسؤول أن يكلل أعمالنا بالقبول، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

• بيان حرمة الأشهر الحرم.

أيها الكرام، ثبت عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته، فقال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض: السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»[1]، وهذا حديث عظيم يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم الأشهر الأربعة الحرم التي حرمها الله وعظمها، و"معنى هذا الكلام أن العرب في الجاهلية كانت قد بدلت أشهر الحرم وقدمت وأخرت أوقاتها من أجل النسيء الذي كانوا يفعلونه، وهو ما ذكر الله سبحانه في كتابه فقال: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} [التوبة: 37] الآية، ومعنى النسيء: تأخير رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، وأصله مأخوذ من نسأت الشيء: إذا أخرته، ومنه النسيئة في البيع، وكان من جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم هذه الأشهر الحرم، فكانوا يتحرجون فيها عن القتال وعن سفك الدماء، ويأمن بعضهم بعضًا إلى أن تنصرم هذه الأشهر، ويخرجوا إلى أشهر الحل، فكان أكثرهم يتمسكون بذلك، ولا يستحلون القتال فيها، وكان قبائل منهم يستبيحونها، فإذا قاتلوا في شهر حرام، حرموا مكانه شهرًا آخر من أشهر الحل، ويقولون: نسأنا الشهر، واستمر ذلك بهم حتى اختلط ذلك عليهم وخرج حسابه من أيديهم، فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في شهر، ويحجون من قابل في شهر غيره، إلى أن كان العام الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصادف حجهم شهر الحج المشروع؛ وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع منه، ثم خطبهم، فأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى الأصل الذي وضع الله حساب الأشهر عليه يوم خلق السماوات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه؛ لئلا تتغير أو تتبدل فيما يستأنف من الأيام فهذا تفسيره ومعناه.

 

وقوله: ((رجب مضر)): إنما أضاف الشهر إلى مضر؛ لأنها كانت تشدد في تحريم رجب، وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من العرب؛ فأُضيف الشهر إليهم لهذا المعنى"[2].

 

أرأيتم - أيها الإخوة المباركون - أن أكثر المشركين كانوا يتمسكون بحرمة هذه الأشهر ويعظمونها، ولا يستحلون القتال فيها، ومع ذلك فبعض المسلمين لا يعملون حرمة لتلك الأشهر العظيمة، ويستهينون بقتل الأنفس الحرام فيها، ألا يعلم هؤلاء عظيم جرم هذه الفعلة النكراء - أعني استباحة القتل - ويكفي في بيان شناعتها وعظيم جرمها قول الحق جل شأنه:  {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93].

 

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث الذي ذكرته قريبا: «فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا، يضرب بعضكم رقاب بعض»[3].

 

ومن العجيب أن شهر رجب – وهو من الأشهر الحرم – سمي رجبًا؛ لأنه كان يُرجَّب؛ أي: يُعظَّم[4].

 

وقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، فلعظيم حرمة تلك الأشهر حرم الله فيها ظلم النفس، وما أجمل قول قتادة رحمه الله إذ قال في قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، قال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل"[5].

 

ثانيًا: فضل العمل الصالح في الأوقات الفاضلة.

لأجل هذا؛ فالمعصية ذنبها عظيم، وتعظم أكثر إذا فُعلت في زمان فاضل أو مكان فاضل.

 

وقال تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}؛ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي، وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم[6].

 

وكذلك الطاعة، يضاعف ثوابها - كمًّا وكيفًا – إذا فُعلت في وقت فاضل أو مكان فاضل، فالصلاة في المساجد الثلاثة – المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى- مضاعفة لأجل فضل تلك المساجد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»[7]، وكذا الصلاة في المسجد الأقصى بمائتي وخمسين صلاة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى...»[8].

 

وكذلك تضاعف الطاعات في الأزمنة الفاضلة، كمثل ليلة القدر؛ قال جل شأنه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1 - 3]، وكالعمل في عشر ذي الحجة، وشهر رمضان ونحو ذلك، لأجل هذا على العبد أن يكثر من عمل الخير في هذه الأشهر المباركة، وليجتنب فيها ظلم نفسه بالمعاصي والذنوب.

 

ولعل سائلًا يسأل: هل هناك أعمال معينة تعمل في هذه الأشهر الحرم لا سيما شهر رجب؟

ثالثًا: بعض الأحكام المتعلقة بشهر رجب:

أولًا: الصلاة:

لا تشرع صلاة مخصوصة بشهر رجب؛ وقد قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل، لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ: أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل ابن ناصر، وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون؛ لأنها أُحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون، ولم يتكلموا فيها"[9].

 

ثانيًا: الصيام: فكذلك "لم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه"[10].

 

وأما الصوم في الأشهر الحرم عمومًا؛ فقد قال الإمام النووي رحمه الله: "قال أصحابنا: ومن الصوم المستحب صوم الأشهر الحرم؛ وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وأفضلها المحرم"، وقد ورد في ذلك حديث في إسناده ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه: «صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك»[11].

 

وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها؛ منهم: ابن عمر، والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي، وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إليَّ أن أصوم فيها"[12].

 

وكذا يستحب الإكثار من الصوم في شهر الله المحرم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل»[13].

 

ثالثًا: الزكاة: فتعمد إخراج الزكاة في شهر رجب، لا أصل له في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف، وبكل حال، فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب، فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول، أجزأه عند جمهور العلماء، وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة، أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة، فيكون التفريق في طول الحول أرفق به... وأما إذا حال الحول، فليس له التأخير بعد ذلك عند الأكثرين، وعن أحمد يجوز تأخيرها لانتظار قوم لا يجد مثلهم في الحاجة، وأجاز مالك وأحمد في رواية نقلها إلى بلد فاضل، فعلى قياس هذا لا يبعد جواز تأخيرها إلى زمان فاضل، لا يوجد مثله كرمضان ونحوه"[14].

 

رابعًا: العمرة في شهر رجب: فقد استحب ذلك بعض الصحابة الكرام، وكان السلف الصالح يفعلونه؛ وقد قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره، وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضًا، ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه، فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة، والعمرة في سفرة أخرى، في غير أشهر الحج، وذلك من جملة إتمام الحج والعمرة المأمور به، كذلك قاله جمهور الصحابة؛ كعمر وعثمان وعليّ وغيرهم[15].

 

عباد الله، اعلموا – رحمني الله وإياكم - أن شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة؛ قال أبو بكر الوراق البلخي: "شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع"، وقال بعضهم: "السنة مثل الشجرة، وشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها".

بيض صحيفتك السوداء في رجب   ***   بصالح العمل المنجي من اللهبِ 

شهر حرام أتى من أشهر حــــــــرم   ***   إذا دعا الله داعٍ فيه لم يخــــبِ 

طوبى لعبد زكى فيه له عمـــــــــل   ***   فكف فيه عن الفحشاء والريـبِ 

 

إخواني الكرام، انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة، واغتنام أوقاته بالطاعات له فضيلة عظيمة[16].

 

أسأل الله أن يبارك لنا في رجب وشعبان، وأن يبلغنا رمضان، وأن يغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنه ولي ذلك ومولاه، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

 


[1] رواه البخاري (ح 4406)، ومسلم (ح 1679)، وأبو داود (ح 1947) واللفظ له.

[2] معالم السنن للخطابي، 2/ 206.

[3] البخاري (ح 5550).

[4] لطائف المعارف، ص 117.

[5] تفسير القرآن العظيم 4/ 149.

[6] تفسير القرآن العظيم 4/ 148.

[7] البخاري (ح 1190)، ومسلم (ح 1394).

[8] أخرجه الحاكم في المستدرك (ح 8553)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.

[9] لطائف المعارف، ص 118.

[10] السابق.

[11] أخرجه أبو داود (ح 2428)، أخرجه ابن ماجه (ح 1741).

[12] لطائف المعارف، ص 119.

[13] أخرجه مسلم، (ح 1163).

[14] لطائف المعارف، بتصرف يسير، ص 120.

[15] لطائف المعارف، ص 121.

[16] لطائف المعارف، ص 122.

 

  • 8
  • 1
  • 956
  • Bilal Belabes

      منذ
    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر الحرام رحم الله المحلقين قالو والمقصرين يارسول الله قال رحم الله المحلقين قال والمقصرين يارسول الله قال رحم الله المحلقين قال والمقصرين يارسول الله قال والمقصرين هنا تجد بان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخصها بالراس بل اعمها يفهم منه اللحية والراس اليس كذالك لعلة لان كل حكم بمعلوله اليس كذالك بل اتى في مسند الامام أحمد الحلق في حديث لاتذكره جيدا هنا تنزل مرتبة الوجوب الى الاستحسان ومن المعروف عند الصحابة لوكان فرضا لاتي العمل به ضمن موجبات الفراءض عند دعوه الصحابة ولم ينقل تعزير الحالق لذا عدت عند بعض العلماء سنة فماهو الجواب وشكرا شيخنا
  • Bilal Belabes

      منذ
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته هل المشايخ بخير

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً