مقال: أنّ الله يحول بين المرء وقلبه إنّ القرآن الكريم دليلُ المسلم في طريقه إلى ربه، وإنما ضلّ ...

مقال: أنّ الله يحول بين المرء وقلبه

إنّ القرآن الكريم دليلُ المسلم في طريقه إلى ربه، وإنما ضلّ أكثر الناس اليوم وتفرقوا بسبب بعدهم عن اقتفاء طريق القرآن وامتثال ما فيه من أوامر ونواه، تضْمن وصول المسلم إلى برِّ الأمان في الدنيا ويوم يقوم الحساب، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[الأنفال:24]

ذكر ابن كثير -رحمه الله- خمسة أقوال في تفسير قوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}: الأول: هو الإيمان. الثاني: هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين. الثالث: هو الحق. الرابع: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل. الخامس: الشهادة، قال الله تعالى في الشهداء: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. ولا تعارض بين هذه الأقوال، فإن جميعها مترابطات متداخلات، فالحق هو الإيمان، ولا إيمان بغير قرآن، والجهاد يحمي الحق ويحرسه، والشهادة خاتمة وغاية يتمناها كل مجاهد آمن وسلك طريق الحق.

ونقل الطبري -رحمه الله- أربعة أقوال في تفسير قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}: "الأول: أنه يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر. الثاني: أنه يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يَعمل. الثالث: أنه يحول بين المرء وقلبه، فلا يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه. الرابع: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره"، وجمع الطبري بين هذه الأقوال الأربعة بقوله: "إن ذلك خبرٌ من الله عز وجل، أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يَعِي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته".

ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، قال أهل التفاسير حول ذلك: "إياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيُحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء، فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك ".

وقد علّق المفسّرون على ذلك تعليقا لطيفا فقالوا: "إنهم الذين جنوا على أنفسهم، فتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبيّن لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق كان مناسبا لأحوالهم".

وقال عطاء -رحمه الله- في تفسير قوله: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، أي: "نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون"، وقال الطبري: "يتردَّدون، لا يهتدون لحق، ولا يبصرون صوابًا قد غلب عليهم الخِذْلان، واستحوذ عليهم الشيطانُ". وما ذلك إلا بتخلفهم عن الهدى وإعراضهم عنه حال معرفتهم إياه وقربهم منه.

ونحو ذلك ما قاله ابن كثير في تفسير قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}: "أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان". فتراهم في غيهم وضلالهم يتخبطون.

لكن هنا وجب التنبيه إلى أنّ ما سبق ليس معناه أن الله تعالى يمنع عباده من الإيمان، بل هو يدعوهم إليه ويأمرهم به ويحثهم عليه، وإنما يحول الله تعالى بين العبد وبين التوفيق إلى الهداية، بجريرته وعمله وإعراضه، فكان ذلك عدلا من الله تعالى وعقابا لمن قصّر في استجلاب أسباب الهداية وزَهد فيها، وغرق في بحار الشهوات والغفلة عامدا مختارا مقدِّما دنياه وهواه على دينه وآخرته.

فإن الله تعالى يوفق عباده إلى الإيمان به ويثبّتهم عليه، -بفضله تعالى- جزاء لهم على ما حققوه من الأسباب والأعمال التي تستوجب وتستجلب هداية الله تعالى، ومِن أهم هذه الأسباب المبادرة والإسراع إلى الحق حال معرفته، فمن تلكأ وتباطأ، يوشك أن يصرف الله قلبه عن الهدى، ويوكله إلى نفسه فيحول بينه وبين الحق فيخسر أيّما خسران.

فمن تثاقل عن الاستجابة لداعي الإيمان والجهاد وأبطأ فلم يُسرع إليه، مع علمه بأنه الحق وأنه أحقّ بالاتباع، فلا يأمن على نفسه أن يحول الله تعالى بينه وبين قلبه غدا، فلا يتمكن من الاستجابة للحق، عقوبةً له على تثاقله وتأخره حال مقدرته على ذلك وعلمه به، ولا يظلم ربك أحدا.

والقصص عن أمثال مَن هذا حاله كثيرة، ممَّن طرق الحقُّ بابه فلم يفتح له! وأشاح بوجهه عنه! حبا في الدنيا وكراهية للموت أو الأسر، أو تسويفا ومماطلة، فلما شاء أن يلتحق بركب الحق لم يُوفّق إلى ذلك وفاته قطاره!، لأنّ الله تعالى عاقَبه بأن حال بينه وبين قلبه.


وكم مِن قاعد أتيحت له أسباب الهجرة والجهاد فأبى وأخلد إلى الأرض ولم يُلبّ النداء، فلما رام ذلك لاحقا حُرم التوفيق إليه! وكم مِن عاص أبى أن يتوب ولم يسارع إلى المغفرة، فلما أراد أن يفعل حُرم ولم يُوفّق إلى التوبة، فظلّ رهنا للذنوب والشهوات تأكل قلبه وجسده والجزاء من جنس العمل، والكلام حول ذلك يطول، والأمثلة في واقعنا المُعاش أكثر من أن تُحصر في مقال، والغاية أن نعتبر ونحذر.

ولذلك قالوا: "إذا هبت رياحك فاغتنمها"، وفي حديث مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ…)، يعني بادروا وسارعوا إلى الأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن والصوارف التي تحول بينكم وبين ذلك.

وآيُ القرآن مليئة بهذه الزواجر المرعبة التي تفْرَق لها قلوب الذين آمنوا كقوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}، وقوله: {ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم}، وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وغيرها من الآيات التي تتحدث عن عقاب الله تعالى بالحيلولة بين العبد وقلبه، وإزاغته عن الحق وحرمانه الهداية بما جناه على نفسه من الزيغ والانصراف عن طريق الحق والإعراض عنه، والزهد في الاستجابة لنداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أنه لا نداء في هذا العصر يُحيي المسلمين كنداء داعي الجهاد في سبيل الله تعالى، فالجهاد هو فرض الساعة الذي تُحفظ به الملة وتُصان به الحرمات والأعراض، ويحيا به المسلمون حياة الإيمان والهداية، فأسرِعوا أيها المسلمون إلى ثغوركم قبل أن تُصرفوا عنها، ويحول بينكم وبين التوفيق إليها الحوائل، ولينصرن الله من ينصره.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 303
الخميس 2 صفر 1443 هـ
...المزيد

طهارة الجرح والقطع ● طهارة العضو المجروح • الجرح المكشوف الأصل غسل العضو فإن تعذّر مسح ...

طهارة الجرح والقطع


● طهارة العضو المجروح

• الجرح المكشوف

الأصل غسل العضو فإن تعذّر مسح عليه، فإن تعذّر تيمم عنه، بينما يغسل بقية بدنه للحدث الأكبر، وبقية أعضاء وضوئه للحدث الأصغر.


• الجرح المغطى

بجبيرة أو نحوها، فإنه يمسح على الجبيرة من جميع الجهات في طهارة الحدث الأكبر، ويمسح ما يغطي محل الفرض في الحدث الأصغر.



● طهارة العضو المقطوع

• قطع فوق المرفق أو فوق الكعب
يسقط عنه الغسل لانعدام محله بالقطع.

• قطع دون المرفق أو دون الكعب
فهذا يغسل ما بقي من العضو محل الفرض.

• قطع عند المرفق أو عند الكعب
الراجح فيه غسل رأس العضد ورأس الساق.


● ملاحظة/ الترتيب الفقهي هو الغسل فإن تعذر فالمسح فإن تعذر فالتيمم.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 525
السنة السابعة عشرة - الخميس 20 جمادى الآخرة 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

مِن أقوال علماء الملّة قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ...

مِن أقوال علماء الملّة

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:

"قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنَّ حديثَكم شرّ الحديث، إنّ كلامكم شرّ الكلام، فإنكم قد حدّثتم الناس حتى قيل: قال فلان، وقال فلان! ويترك كتاب الله، من كان منكم قائمًا فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس".

فهذا قول عمر لأفضل قرن على وجه الأرض، فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترك كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال الصحابة؛ لقول فلان وفلان، فالله المستعان".

[إعلام الموقعين عن رب العالمين]
...المزيد

الدولة الإسلامية - افتتاحية النبأ 525: • ثورة حتى القصر! يزدحم التقويم السنوي للدول ...

الدولة الإسلامية - افتتاحية النبأ 525:

• ثورة حتى القصر!


يزدحم التقويم السنوي للدول والحكومات العربية بأعياد الاستقلال والتحرير والجلاء، وعدِّدْ ما شئتَ من نعوت النصر المفقود، فمصر والعراق ولبنان والأردن والمغرب وتونس والكويت والجزائر والإمارات والبحرين وغيرها، كلها استقلت وتحررت! بل حتى فلسطين تحتفل بيوم استقلالها! فماذا ينقص سوريا لتحتفل هي الأخرى بيوم من هذا القبيل؟!

انتهت معظم الثورات العربية على نحو مشابه كما لو أنها صورة طبق الأصل، نُسخت مرات عديدة في أزمنة مديدة، قتال قومي وطني ثوري، يبدأ مرتجلا متحمّسا بلا وجهة منهجية، سرعان ما تلتف عليه قوى الكفر العالمية وتوظفه لأجندتها عبر مسارات احتواء والتقاء وتدجين وتجنيد، ثم ينتهي المشهد بـ "استقلال وتحرير" وقَّع الغزاةُ أنفسهم على تمريره! مع تغيير ما يلزم من شكل الحكم أو صورة الحاكم، ثم يصبح هذا اليوم "عيدا وطنيا" و "ذكرى سنوية" للاحتفال بـ "النصر والتحرير" من جماهير متعطشة له، لكنها تطلبه في غير مظانه.

فهل يوجد حكومة مرتدة واحدة لا تملك موعدا سنويا للاحتفال بـ "استقلالٍ" هو و "التبعية" سيّان؟! أو بذكرى "تحرير" هندسه الغزاة أنفسهم ومهّدوا له ناريا وسياسيا، ودبّجوا فيه برقيات التهنئة واحتفلوا به جنبا إلى جنب مع المتحررين المنتصرين! في زمن صار فيه "النصر" و "التحرير" و "الشرع" كلمات تطلق على أضدادها.

لقد تعرضت مفاهيم كثيرة في عصرنا إلى التزوير والتحوير ومنها مفهوم النصر والتحرير، الذي أعيد تعريفه في إطار الشرعية الدولية والدساتير الوطنية، بعيدا عن ظلال الشريعة الإسلامية التي أثبت الطاغوت السوري الجديد "جديته" في محاربتها والتحرُّر منها، فهل هذا هو "التحرير" الذي يحتفلون به؟!

يسارع الكثيرون يرعدون ويزبدون ويقولون: "من لم يسره ما يسر المؤمنين، ويسوؤه ما يسوء المؤمنين فليس منهم" وهذا صحيح، لكن ماذا لو كان هؤلاء يتبعون ما يضرهم ولا ينفعهم؟! ماذا لو كانوا لا يعرفون نصرهم مِن هزيمتهم، ولا حريتهم مِن عبوديتهم، ولا حتى صديقهم مِن عدوهم؟! وقد غدت أمريكا الصليبية "صديقة" في أعينهم! يسرّهم ما يسرّها ويسوؤهم ما يسوؤها، يحالفون حلفاءها ويعادون أعداءها، يعيشون رهن إشارتها وينتظرون بفارغ الصبر قراراتها وتواقيع طاغوتها، يرجون مكافآتها ويخشون عقوباتها! وها هم اليوم يحتفلون معها بنصر وتحرير لم يخرج شبرا عن رضاها ومصالحها؟!

في حين يوم أحرز المجاهدون النصر الحقيقي بسيادة الشريعة خلافا لما تشتهي أمريكا؛ همزوه ولمزوه ورفضوه، لأنه قيَّدَ أهواءهم ونزواتهم وشهواتهم، فتكالبوا عليه واجتمعوا على حربه في "حلف دولي" احتفلَ "المنتصرون" باللحاق به والانتساب إليه، في صورة تشرح باختصار: الفرق بين من ينشد خلافة على منهاج النبوة، ومن ينشد خلافة لنظام الأسد في الحكم.

إن منتهى غاية هؤلاء وثوراتهم وسقف انتصاراتهم هو الوصول إلى سدة الحكم، ليعيدوا لعب دور نفس الطاغوت الذي اضطروا لمحاربته، في دورة جاهلية مكررة، أولها ثورة وأوسطها خيانة وآخرها عتق من الإرهاب!

تزامنت "ذكرى التحرير" مع الحديث عن إلغاء أمريكا "قانون قيصر" الذي فرضته لعقاب الأسد ونظامه! بينما تنوي رفعه اليوم مكافأة للجولاني ونظامه! فهل كان الجولاني أكثر نفعا وخدمة ورضوخا لأمريكا من الأسد؟!

نضع بين يدي القارئ نقلا حرفيا للشروط التي اشترطها "الكونغرس" الأمريكي على نظام الجولاني لإلغاء عقوبات "قيصر" وجاء في أول بنودها: "تتخذ حكومة سوريا إجراءات ملموسة وحقيقية للقضاء على التهديد الذي تشكله الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية.. بالشراكة مع أمريكا، ولمنع عودة الدولة الإسلامية".

بالإضافة إلى شروط أخرى تتعلق بـ "إزالة المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة السورية"، و "احترام حرية العبادة والمعتقد للأقليات الدينية"، و "عدم القيام بأعمال عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد الدول المجاورة، ومواصلة إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي.." وهذا البند الأخير متروك للقارئ ليفكّر في مقصده الحقيقي، غير أننا نعطيه تلميحا قصيرا من كلمتين: "أمن اليهود".

بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه بالمناسبة، فقد كان من مشاهد يوم التحرير انتشار الحواجز العسكرية اليهودية في عمق الأراضي السورية المحررة، حيث يتبادل جنود "جيش التحرير" النظرات مع جنود الجيش اليهودي، ثم يمرون عبر حواجزهم مرور اللئام، ليكملوا مسيرة التحرير، التي كانت كلمة السر فيها: إسقاط المحور الإيراني، والبقية جاءت تحصيل حاصل أو تحصيل أردوغان! جريا على المثل القائل: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فذهب الأسد وجاء الضبع وبقيت البلاد كما هي تحكمها شريعة الغاب.

لقد شكّل الجولاني -فتى ترامب ومرمى عطره ومحل حرثه في حربه على الإسلام- أسوأ وأقتم صفحة خيانة في التاريخ الإسلامي المعاصر، سمح له بدخول القصور الرئاسية على شاشات البث في أجواء صافية من الطائرات في سماء الشام التي كانت تحتاج في عهد الدولة الإسلامية إلى "شرطي مرور" ينظّم سيرها لكثرتها، وليس فيها طائرة واحدة صديقة! كلها معادية! وكلها اختفت في أيام التحرير! بينما تركت عدو الشرع يصول ويجول من إدلب إلى دمشق ينظِّر عن الدستور ودولة القانون، فعن أي تحرير تتحدثون؟

لقد تحررت سوريا فعلا، ولكن مِن حكم الإسلام الذي حاربه الجولاني على مدار سنوات ثورته بكامل طاقته، واستعان بشياطين الإنس والجن على هدم صرحه، حتى استحق بجدارة المكافآت الأمريكية التي فشل الأسد في نيلها؛ على كفره وإجرامه ونجاحه المتفرد في حماية الحدود اليهودية بصورة لم تتكرر في حدٍّ آخر، فهل يفعلها خليفته الجديد؟!

كغيرها من الثورات طُويت صفحة الثورة السورية، بسوريا محررةً من الشريعة، أما المجاهدون فعزمهم متوقد معقود على إعادتها إلى حضن الإسلام، وإلزامها عتبة العبودية لله وحده، حتى ينزل عيسى ابن مريم -عليه السلام- عند المنارة البيضاء التي اختفى ذكرها من أدبيات الثورة العوراء، لقد كانت بالفعل ثورة حتى القصر! أما النصر فله أبطاله وميادينه، وسبيله الذي خطّه النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلكه الصحابة الفاتحون، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 525
السنة السابعة عشرة - الخميس 20 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

تحويل المحن لمنح وإذا أدرك المؤمن أن المحنة مرحلة حتمية في طريق التوحيد؛ كان حريا به أن يوطّن ...

تحويل المحن لمنح


وإذا أدرك المؤمن أن المحنة مرحلة حتمية في طريق التوحيد؛ كان حريا به أن يوطّن نفسه لاستقبال هذا القدر الإلهي بما يليق به، ليخرج منه على أتم إيمان وأكمل يقين، وأن يربّي نفسه خلاله على أعلى المراتب في الإيمان والتسليم والعبادة والأخلاق والأخوة والإيثار والبذل، وغير ذلك مما علّمه النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه حال اشتداد المحنة، فلا تمر عليه إلا وقد فقه عن الله مراده من الابتلاء، وحكمته مما كتبه عليه من الشدة واللأواء، فلا أحد حينئذ أحسن ظنا بالله منه، ولا أحد أشد تمسكا بالتوحيد منه، ولا أصلب على المصائب وأشد تحملا للمصاعب منه، وتلك كلها كنوز حظي بها وثمرات قطفها في ظلال الشدة والمحنة فانقلبت منحة، فتأمل.

بهذا يُصيّر المؤمن محنته منحة؛ بحسن اتّباعه وتسليمه لأقدار ربه، وحرصه على ألا يخرج منها إلا فائزا حائزا أجور الصابرين الموقنين.


افتتاحية صحيفة النبأ - (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُون) - العدد 518
...المزيد

مؤسسة آفاق الإلكترونية سلسلة نصائح أمنية - الحلقة الرابعة: الفقرة 1 عندما تريد تحميل ...

مؤسسة آفاق الإلكترونية


سلسلة نصائح أمنية - الحلقة الرابعة: الفقرة 1



عندما تريد تحميل برنامج أو تطبيق معيًّن:

01- حمله من المتاجر البديلة الموثوقة التي لا تتطلب (إيميل).

02- حمله من الموقع الرسمي للتطبيق. ...المزيد

إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ...

إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا



روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)، قال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه.. وقوله: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر) إلى آخره، معناه -والله أعلم- يطيل السفر في وجوه الطاعات لحج وجهاد وغير ذلك من وجوه البر، ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حراما! فكيف هو بمن هو منهمك في الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير؟!" [شرح الأربعين النووية].


المصدر: صحيفة النبأ العدد 524
مقال: ورع المجاهد
...المزيد

تحذير لأعداء دولة الخلافة كفّوا عن قتال الدولة وتوبوا لربكم، خلّوا بيننا وبين اليهود ...

تحذير لأعداء دولة الخلافة


كفّوا عن قتال الدولة وتوبوا لربكم، خلّوا بيننا وبين اليهود والصليبيين والطواغيت؛ أما من يصرّ على قتالنا، فلا يندبن بعدها، ولا يلطمن، ولا يلومن إلا نفسه!

الشيخ أبو محمد العدناني (تقبله الله تعالى)
من كلمته الصوتية: { يا قومنا أجيبوا داعي الله }



ولاية الشام - إدلب
الاثنين 10 جمادى الآخرة 1447هـ

بتوفيق الله تعالى، استهدف جنود الخلافة عنصرين من الجيش السوري المرتد، في بلدة (سراقب)، يوم الجمعة الماضي، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى لمقتل أحدهما وإصابة الآخر، وعاد المجاهدون إلى مواقعهم سالمين، ولله الحمد.
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (2) كظمُ الغيظ الحمد لله رب العالمين ولي المتقين وملاذ المستضعفين ومعين ...

مقال: جاه الأكارم (2) كظمُ الغيظ


الحمد لله رب العالمين ولي المتقين وملاذ المستضعفين ومعين عباده من المردة الشياطين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، صاحب الخلق العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فمن المعلوم أن الشيطان يتربص بابن آدم، فهو لا يكاد يترك ثغرة إلا استغلها لإفساد دين العباد وحياتهم، ومن المواطن التي يحرص الشيطان دائما أن يكون حاضرا فيها النزاعات والخصومات ليثير عندها غيظ ابن آدم وغضبه؛ لعلمه أن العقل حينها يصل لدرجة الإغلاق فيفقد المغتاظ السيطرة على جوارحه وانفعالاته؛ فيدفعه إلى شرور كثيرةٍ غير متوقعة كقتل النفوس بل يصل للكفر أحيانا -نعوذ بالله منه-.

وعلْم الشيطان بهذه الخصلة في ابن آدم ليس وليد اليوم، بل منذ خلق اللهُ تعالى آدم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما صور الله آدم في الجنة ترکه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك) [صحيح مسلم]، ومعنى (لا يتمالك) أي: ليس لديه القدرة على أن يملك نفسه عند الغيظ والغضب، أو لا يملك نفسه، ويحبِسها عن الشهوات، أو لا يملك دفع الوسواس عنه، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله، ومن هنا جاء الترغيب في القرآن في كظم الغيظ ووصف أصحاب هذا الفعل من المتقين المستحقين للجنة على فعلهم، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:۱۳۳-١٣٤]، فجعل من صفاتهم أنهم يكظمون الغيظ، ويعفون عمن ظلمهم.

الجارعون الغيظ!

قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}، يعني: "والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه: "كظم فلان غيظه" إذا تجرعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه: "كظمت القربة" إذا ملأتها ماء، و" فلان كظيم ومكظوم" إذا كان ممتلئًا غمًا وحزنًا؛ ومنه قول الله عز وجل: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:٨٤]، يعني: ممتلئ من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه: "الكظائم" لامتلائها بالماء، ومنه قيل: "أخذت بكظمه "يعني: بمجاري نفسه" [تفسير الطبري]، وقال قتادة رحمه الله: "قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فنعمت والله يا ابن آدم الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ وأنت مظلوم" [تفسير الطبري].

وهل هناك فرق بين الغضب والغيظ؟ ذكر بعض أهل العلم أن بينهما فرق فمن ذلك أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام، وليس الغيظ كذلك، وقيل: الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار، والغيظ ليس كذلك، وقيل: هما متلازمان؛ إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله تعالى، والغيظ لا يصح فيه ذلك.

وبالعموم فإن من امتدحهم الله هم المتجرعون للغيظ الممسكون عليه عند امتلاء نفوسهم منه؛ فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم، ولا يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الإنفاذ والانتقام.

ولقد أنار الله تعالى قلوب عباد له فكانوا وقّافين عند كلام رب العزة جل في علاه، أخبر الإمام القرطبي رحمه الله عن ميمون بن مهران رحمه الله: "أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف، فعثرت، فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي استعمل قول الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}، قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، فقال: قد عفوت عنك، فقالت الجارية: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى". [تفسير القرطبي]

وجاء في السنة ما فيه ترغيب في تلك الخصلة الحميدة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، فعن سهل بن معاذ عن أبيه رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء) [رواه أبو داود]، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فهو صاحب الخلق الحسن والقلب السليم بأبي هو وأمي، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله فينتقم لله بها". [صحيح البخاري]

- والعفو أعظم أجرا

و إن كان كظم الغيط -عمن أساء إليك في نفسك- محمودا فالعفو أعظم أجرا وأطيب للنفس، ثم الإحسان للمسيء فإنه أعلى مرتبة وثماره أكثر وأعظم من العفو إذ به -مع راحة النفس- كبت الشيطان وإغاظته ثم امتلاك قلب المسيء وضمه ليكون لك نصيرا بعد أن كان عدوا قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]، ولأن هذا الخلق يحتاجه الداعية وصاحب الرسالة جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، وقد قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: "{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر رضي الله عنه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وقوله: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وهو الصديق، أي: إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك، والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك". [التفسير]

ولأنه لا يقوم بهذا الخُلق إلا الندرة من الرجال وخواص الكرام قال بعدها: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35]، قال ابن كثير: "أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والأخرى، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم". [التفسير]

فأي شيء أنفع لدعوتك من أن تجعل أعداءك أولياء ومحبين لك، فبذلك تستميل النفوس لدعوة الحق، وهذا من خلق النبي صلى الله عليه وسلم ودأبه، وإن عامة المسلمين اليوم لطالما غُيّبوا عن كثير من أحكام الشرع وشوهت عندهم سُبل الهدى حتى أصبحوا في نفرة عنها وعن أهلها، وقد يجد من يدعوهم شيئا من الأذى، وهنا يَجْمُل به كظم غيظه ودفع السيئة بالتي هي أحسن، وهكذا يملك المجاهد في دعوته زمام القلوب؛ لأن واجبه كيف يُخرج الناس من الظلمات إلى النور، فيرحم العباد ويحب هدايتهم ولو كرهوه، ويرجو لهم الرشاد وإن أبغضوه.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا القلوب السليمة وأن يحسّن أخلاقنا كما حسّن خَلْقَنا سبحانه هو القادر المنعم المتفضل والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 302
الخميس 24 محرم 1443 هـ
...المزيد

معركةُ التوحيد في كابل دوى صوت التفجير عند مدخل مطار كابل، مُبدِّدا أوهام الحالمين بالسلام، ...

معركةُ التوحيد في كابل


دوى صوت التفجير عند مدخل مطار كابل، مُبدِّدا أوهام الحالمين بالسلام، وراسما خارطة النور لمرحلة جديدة من مراحل الجهاد على منهاج النبوة، بينما عاد الجيش الأمريكي ليحدّث إحصائياته بشأن خسائره البشرية عقب الهجوم المبارك الذي خلط جيف قتلاه بجيف جواسيسه وحماتهم مِن مرتدي طالبان، في لحظة تاريخية اختصرت المشهد بدقة كبيرة، حيث اتحدوا جميعا في الحرب ضد دولة الإسلام، فتقاسموا المصير نفسه واختلطت دماؤهم وجيفهم وكأنهم جميعا سيّان.

وما هي إلا ساعات حتى خرج الطاغوت الأمريكي المأزوم عقب الضربة الموجعة مُرعدا مُزبدا مُتوعِّدا جنود الدولة الإسلامية بالحرب والانتقام، قائلا إنه "لم ينته منهم بعد"، ناسفًا بذلك مزاعم سلفه الأحمق "ترامب" بإعلانه القضاء على الدولة الإسلامية شرق أفغانستان، فإذا بها اليوم تفجعهم في قلب كابل وفي أكثر مناطقها تحصينا، فعلى من انتصرتم بالأمس؟ ومن تقاتلون اليوم؟!

كان هذا الهجوم المبارك "أكبر خسارة بشرية" تتلقاها القوات الأمريكية منذ عشرة أعوام، أجبرتها على "تنكيس أعلامها" حدادا على قتلاها، وهو ما لم تفعله أمريكا منذ سنوات حتى يوم أعلنت ميليشيا طالبان قبل أكثر من عام مقتل عشرات الجنود الأمريكيين في "حملة كذب متعمدة" لم يُصدقها فيها إلا أتباع تنظيم القاعدة.

لقد خرج الطاغوت الأمريكي يبكي على شاشات الرائي ويندب حظه في خطاب مهزوز يعكس حجم الضربة الأمنية الموجعة التي تلقتها أمريكا، حتى اقتصر سقف إنجازها الأمني على "التحذير من وقوع الهجوم" لا منعه أو إحباطه أو حتى تقليل خسائره! فكانت خسارة مضاعفة فقدت فيها أمريكا جنودها وكثيرا من هيبتها التي حطمها عبد الرحمن بمعول التوحيد.

الصدمة الأمريكية والعالمية جراء الهجوم، والخطاب المتشنج للطاغوت الأمريكي، والغارة الجوية الفاشلة، كلها دلالات على حجم المأزق والإحراج الذي وقعت فيه أمريكا، ومِن ذلك مسارعة طاغوتها إلى الإعلان عن استهداف "قيادي" في ولاية خراسان، دون أن يذكر اسمه، وهو ما لم يُقدم عليه حتى سلفه الأحمق "ترامب"!

لقد كانت أمريكا تتفاخر بأنها تُجري "أكبر عملية إجلاء جوي في تاريخها" لإخلاء الآلاف من رعاياها وجواسيسها، قبل أن يُحيل التفجير الاستشهادي مفاخر أمريكا إلى مخازٍ ومآتم وسراديب عزاء.

ولشدة ارتباكها، أخذت أمريكا تتحدث في تصريحاتها عن ولاية خراسان كما لو أنها للتو نشأت! وما ذلك إلا لإخفاء مزاعمهم الكاذبة سابقا بالقضاء عليها، فأين الذين زعموا نهاية ولاية خراسان؟ كلهم ذهبوا وفشلوا؛ "ترامب"، ثم الطاغوت الأفغاني الذي تخلت عنه أمريكا، ثم ها هو الطاغوت "بايدن" يبدأ فصلا جديدا من فصول الحرب على الدولة الإسلامية وسينتهي هذا الفصل كما انتهت فصول مَن سبقه!، يسقطون ويذهبون ويتغيرون بينما يُبقي الله تعالى -بفضله وتدبيره- الدولة الإسلامية شوكة في حلوقهم، نارا على الكافرين ونورا للمسلمين، يذهبون ويسقطون وتبقى الدولة الإسلامية ماضية تُعبّد الطريق للمسلمين نحو توحيد الله تعالى في عبادته وحاكميته، إنها ترسل جنودها البررة يعانقون الموت بقلوب مستبشرة ليحيا المسلمون حياة على الإيمان والعبودية لله تعالى وحده، إنها تفدي الإسلام روحا ومهجا وصبرا كبيرا ويقينا بموعود الله أكبر، إنها معركة التوحيد.

وإنها دولة الإسلام التي تكالب عليها كل كفار الأرض ليقضوا على دعوتها ويوقفوا جهادها؟ ولكن هيهات هيهات، فمن أبقاها رغم كل هذا؟! من حفظها؟ من أمدها بمدده؟ من أيدها بجنده؟ إنه الله جل شأنه والذي عادت وأبغضت وكفّرت وكفرت -لأجله تعالى- بكل طواغيت الأرض، ووالت فيه كل المسلمين، إنه الله تعالى الذي لا يبالي جنودها -في سبيله سبحانه- أين يصبحون؟ أفي قصر أم قبر أم أسْر؟ أفي صحراء قاحلة أو مغارة موحشة يؤنسهم فيها صهيل الصافنات وبكاء السحر.

وإلى جانب طواغيت العرب والعجم، فقد اضطربت مواقف الأحزاب المرتدة من الهجوم كذلك، إلا أن أغربها كان موقف أتباع تنظيم القاعدة الذين أكل التيه قلوبهم وداهمت الحيرة صفوفهم، فصاروا بين الخوض في "نظرية المؤامرة" على طريقة أبناء حركات الإخوان المرتدين، أو استنكار قتل "العدو القريب" ورأس الكفر الذي صدّعوا رؤوسنا بمحاربته بدلا من "العدو البعيد"!، ليتضح لاحقا أنه لا عدو أقرب إليهم من الدولة الإسلامية!

ولعل هذا الهجوم المبارك يضع الله فيه من البركة ما يوقظ قلوب بعض الغافلين الذين قادتهم طالبان والقاعدة إلى نفق الانحرافات، ليصحوا ويتوبوا ويفيئوا إلى الجماعة، ويُعلنوا مواصلة الجهاد ضد الكافرين كافة وعلى رأسهم أمريكا التي توجب عليهم اتفاقية الدوحة حمايتها والقتال دونها ضمن بند "مكافحة الإرهاب"!

إن الهجوم في أبعاده المنهجية، أبان الفرق بين سبيل المؤمنين وسبيل المشركين، وأكد مجددا على أبدية الجهاد واستمراره ولو حجّ إلى الدوحة من حجّ! ولو طاف بفنادقها من طاف! لأن الجهاد قدر الله تعالى فليوقفوا قدره إن استطاعوا!

ومن عِبر الهجوم المبارك، أن الاستشهادي -تقبله الله- كان أسيرا مستضعفا في سجون طاغوت خراسان قبل أن ييسر الله له أسباب الفرج، ليخرج الليث من عرينه مسارعا إلى تدوين اسمه في قائمة الاستشهاديين على درب البراء بن مالك، وهو وإخوانه من النفر الذين افترى عليهم مرتدو القاعدة وطالبان ووصفوهم -يوم العسرة- بأنّ أمريكا نقلتهم على متن طائراتها!، ليُظهر الله تعالى الحق من الباطل، فانقض هذا الليث على جموع الأمريكيين مفجّرا نفسه فيهم ناثرا أشلاءهم، في الوقت الذي انهمك فيه مقاتلو طالبان في تأمين رعايا الصليبيين وجواسيسهم وإيصالهم إلى مهابط الطائرات الأمريكية في بث حي ومباشر وما خفي أقذر! كما رأى العالم بأسره قادة طالبان تنقلهم طائرات طواغيت الشرق والغرب! فذبّ الله تعالى عن عرض أوليائه وأظهر حقيقية المرتدين على الملأ، فتأمل.

وبينما يواصل المجاهدون جهادهم وإعدادهم، يحتفل المرتدون بـ"الاستقلال"! ولا ندري عمّن استقلوا؟ بل هم اليوم أكثر صلة وارتباطا والتصاقا بأمريكا وطواغيت العالم من أي يوم مضى، بل إن بقاء طالبان في الحكم اليوم مرهون بشكل أساسي بسلوكها في "محاربة الإرهاب" وتلبية المطالب الأمريكية وتنسيقها الدائم مع طواغيت أوروبا.

إن الخروج "العسكري" لأمريكا من أفغانستان لا يعني سوى مرحلة أخرى من الحرب على الإسلام بوكلاء جدد يقودهم فيها "كرازي" جديد!، مرحلة سيشتد فيها القتال والمفاصلة بين جنود الخلافة وجنود الوطنية والقومية! ولا عجب إنها معركة التوحيد.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 302
الخميس 24 محرم 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (1) الإيثار الحمد لله مجزل العطايا والهبات، والصلاة والسلام على نبي الهدى ...

مقال: جاه الأكارم (1) الإيثار


الحمد لله مجزل العطايا والهبات، والصلاة والسلام على نبي الهدى والمكرمات، وعلى آله وصحبه أولي النهى وأهل النجدات، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم جمع المخلوقات، وبعد.

فإن الأخلاق جمال الظاهر وإن كان الإنسان مبتذلا، وهي ثروة من لا ثروة له وجاه من لا جاه له، فصاحب الخلق في الدنيا موقّرٌ محبوبٌ، وفي الآخرة مُقرّبٌ محمود، والأخلاق الفاضلة مما بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [البيهقي]، والأخلاق حُلة الداعية وصاحب الرسالة فعامة الناس تقيس الدعوة بخلق صاحبها وتعامله، وههنا طرق لبعض الأخلاق السامية التي تعتبر جاه الأكارم الميامين وسيما الأفاضل الطاهرين، ويأتي في مقدمتها خلق الإيثار، وما أدراكم ما الإيثار؟

الإيثار "فضيلة للنَّفس بها يكفُّ الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصُّه حتى يبذله لمن يستحقُّه" [تهذيب الأخلاق لابن مسكويه]
والإيثَار "أن يقدِّم غيره على نفسه في النَّفع له، والدَّفع عنه، وهو النِّهاية في الأخوة" [التعريفات للجرجاني]

فالإيثار هو أكمل أنواع الجود، وهو خلق لا يستطيعه إلا من كمل له الخلق الحسن، فإن بلوغ النفس إلى درجة تستغني فيها عن محبوباتها وملذاتها فتجود بها للغير، يتطلب فصولا من المجاهدة تتساقط خلالها الأنفس الضعيفة، قال ابن العربي رحمه الله: "الإيثار هو تقديم الغير على النّفس في حظوظها الدنيويّة رغبة في الحظوظ الدينيّة، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقّة" [أحكام القرآن]

والحض على هذه الخصلة أكده القرآن في مواطن كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].

قال شيخ المفسرين الإمام الطَّبري رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: وهو يصفُ الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} مِن قبل المهاجرين، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم" [التفسير]

وقال ابن كثير: "أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك" [التفسير]

ويقول ابن تيمية: "وأمَّا الإيثَار مع الخصاصة فهو أكمل مِن مجرَّد التَّصدق مع المحبَّة، فإنَّه ليس كلُّ متصدِّق محبًّا مؤْثرًا، ولا كلُّ متصدِّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدَّق بما يحبُّ مع اكتفائه ببعضه مع محبَّة لا تبلغ به الخصاصة" [منهاج السنة]

وقال الله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران:92]، قال الطبري: "لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم حتى تنفقوا مما تحبون، يقول: حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوَوْن أن يكون لكم، من نفيس أموالكم" [التفسير]

أما في السنة، فما جاء شيء في الترغيب بالإيثار أبلغ من تجسّده بالعمل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما ربّاهم عليه وكان لهم قدوة صلوات الله وسلامه عليه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أراد أن يغزو فقال: (يا معشر المهاجرين والأنصار إنَّ مِن إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضمَّ أحدكم إليه الرَّجلين أو الثَّلاثة، فما لأحدنا مِن ظهرٍ يحمله إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ). (يعني: أحدهم)." فضممْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثةً، قال: ما لي إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ أحدهم مِن جملي" [رواه أبو داود]. فانظر أخي لمعاني الإيثار في الجهاد رغم شدة حالهم وقلة مراكبهم يتعاقبون ركوب الجمال حتى لا يمشي المسافة كلها شخص على رجليه من طول الطريق، ثم تذكر أخي القاعد كيف جهادهم بالأمس وكيف جهاد اليوم؟ أي مشقة تلك التي كانوا يجدونها؟ ومع ذلك جاهد القوم وصبروا وآثر بعضهم بعضا.

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ (قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان) [البخاري]
قال ابن بطَّال: "فيه أنَّ أعمال البرِّ كلَّما صعبت كان أجرها أعظم، لأنَّ الصَّحيح الشَّحيح إذا خشي الفقر، وأمَّل الغنى صعبت عليه النَّفقة، وسوَّل له الشَّيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمَن تصدَّق في هذه الحال، فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه، وأمَّا إذا تصدَّق عند خروج نفسه، فيخشى عليه الضِّرار بميراثه والجوار في فعله". [شرح الصحيح]

وأما ما جاء في قصة أحد تلاميذ المدرسة النبوية وهو أبو طلحة الأنصاري وزوجه رضي الله عنهما حيث جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه ليضيف هذا الرجل فما كان عندهم إلا الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا الليلة رحمه الله)، فقام رجلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيءٌ؟ قالت: لا، إلّا قوت صبياني، قال: فعلّليهم بشيءٍ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السّراج وأريه أنّا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السّراج حتّى تطفئيه، فقعدوا وأكل الضّيف فلمّا أصبح، غدا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: (قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما اللّيلة) [رواه مسلم] والمراد بالعجب من الله تعالى أي: رضاه سبحانه بذلك الفعل. قال النووي في شرحه: "وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا، وحظوظ النفوس، وأما القربات فالأفضل أن لا يؤثر بها؛ لأن الحق فيها لله تعالى. والله أعلم".

ومن ذلك أيضًا قول أم المؤمنين عائشة وفعلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حين أرسل إليها يستأذن في أن يدفن بجوار صاحبيه (النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر) فقالت: "كنت أريده (أي موضع الدفن) لنفسي، فَلأوثِرَنَّهُ اليوم على نفسي". ودُفنت هي بالبقيع رضي الله عنها.

وقد قسّم ابن القيم رحمه الله في كتابه (مدارج السالكين) الإيثار وجعله على ثلاث درجات:
"الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا -أي: إلى الله-، ولا يفسد عليك وقتًا، يعني أن تقدّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدّي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدّين.

الثّانية: إيثار رضا اللّه على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطّول والبدن، وإيثار رضا اللّه عزّ وجلّ على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء.

الثّالثة: أن تنسب إيثارك إلى اللّه دون نفسك، وأنّه هو الذي تفرّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلّمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء؛ فإنّ الذي آثره هو الحقّ لا أنت فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة. ا.هـ مختصرا

فتأمل أخا الإسلام إن كان هذا حال من آثر غيره ببعض محابِّ نفسه قد جاء مدحه بالقرآن والسنة فكيف بالذي جاد بنفسه إيثارا منه لتكون كلمة الله هي العليا؟، فآثر على نفسه الأمان ليأمن المسلمون، وفارق الأهل والخلان كي يدافع وينافح عن شريعة الرحمن، وتحمّل في سبيل ذلك الجوع والعطش والجراح وتصبّر بطون السجون، كله إيثارا لخدمة دين رب العالمين، فذا أمر قلّ مَن يستطيعه في هذا الزمان.

فإن هؤلاء يكابدون عناء شديدا على أنفسهم فأردفهم الله عونا منه فهان كل شيء بأعينهم، وكلما قوي جهاد العبد لنفسه هداه الله السبيل وأرشده الطريق القويم، {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

والمتصدق يجاهد النفس والهوى والشيطان ليُخرج صدقته، فما ظنك بالمجاهد كم سيجاهد غير هؤلاء الأعداء الثلاثة ليُوفّق للجهاد؟ فهناك علماء السوء والمخذلين والمثبطين والطاعنين، ومع ذلك لم تثنه عن الجود بنفسه؛ لِما قذف الله في قلبه من النور، فمضى راكبا جواد الموت لا يلفت وجهه، فلقد جادت نفسه راضية تريد جوار الرحمن، هناك هناك حيث الجنة ونعيمها وأعلاه النظر لوجه الله الكريم، فهي دار من أنفق لوجه الله ما أحب، {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - قصة شهيد • أبو خطاب الكشميري -تقبله الله- ما يزال جنود الخلافة في كل ...

الدولة الإسلامية - قصة شهيد


• أبو خطاب الكشميري -تقبله الله-

ما يزال جنود الخلافة في كل مكان يبذلون أرواحهم وتسيل دماؤهم رخيصة في سبيل نصرة الإسلام وإعادته حكَماً بين الناس كما كان عليه الحال في عهد النبوة والخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان، ولأجل هذه الغاية السامية فإنهم لا يبالون على أي جنب وفي أي أرض يُقتلون، طالماً أنهم يجاهدون في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، طمعاً في إحدى الحسنين الظفر أو الشهادة.

وكان من هؤلاء السائرين على هذا الدرب الأخ أبو خطاب الكشميري المعروف أيضاً بـ"زاهد داس" تقبله الله، انضم إلى صفوف جنود الخلافة في الهند بعد انضمام ابن عمه إليها تقبله الله، ومنذ بداية جهاده كان أبو خطاب ثابت العقيدة والمنهج، يدعو إلى التوحيد بلا كلل أو ملل، حتى أصبح لاحقاً قائداً لإحدى مجموعات المجاهدين، فكان يهتم بإخوانه ويؤثرهم على نفسه مهما كانت الظروف.


- يخطط وينفذ العمليات بنفسه

رزقه الله إقداما وشجاعة يعرفها العدو قبل الصديق، يقول إخوانه: في إحدى المرات انقض أبو خطاب على أحد المشركين وضربه واغتنم سلاحه وانسحب من المنطقة، متبّعاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي).

كما كان حريصاً على تخطيط وتنفيذ العمليات بنفسه ضد قوات المشركين، ومن ذلك قام برفقة إحد إخوانه بصولة على القوات الهندوسية في (بيجبهارا) بكشمير، قتلوا ثلاثة عناصر منهم وزرعوا الرعب في قلوبهم وانسحبوا من المنطقة سالمين.


- شجاعة في كسر الحصار

في ذات مرة توجه أبو خطاب برفقة اثنين من المجاهدين إلى منزل يتحصنون به فعلمت القوات الكافرة بذلك، فقاموا بمحاصرة المنزل بأعداد كبيرة، لكن أبو خطاب رحمه الله خرج من المنزل زائراً كالأسد وبدأ بإطلاق النار باتجاههم بشكل مباغت، ورغم تفوقهم العددي إلا أن الكفار ولوا هاربين، وتمكن هو وإخوانه من الخروج من الحصار سالمين بفضل الله تعالى.

كان يقول دوماً لإخوانه إنه يريد أن يُقتل مهاجماً للكفار لا مدافعاً أو صاداً لهجومهم، وذلك كان شأنه في أغلب المواجهات مبادراً بالقتال لأعدائه مباغتاً لهم.


- ملاحقته من أجهزة الأمن

بعد العمليات التي نفذها أبو خطاب أصبح مطلوباً لأجهزة الأمن في المنطقة، ولثنيه عن طريقه قامت القوات الكافرة بالتضييق على عائلته للضغط عليه لتسليم نفسه، لكن ذلك لم يضعف عزيمته ولم يمنعه من مواصلة فريضة الجهاد.

وبعد أن اشتدت الملاحقة لأبي خطاب من قبل الكافرين اضطر إلى الخروج من (بيجبهارا) إلى مدينة (سريناغار) في كشمير، وهناك بدأ العمل مجدداً بكل جهده ليؤسس قاعدة انطلاق لمجاهدي الدولة الإسلامية، ولمهاراته ومعرفته بحرب العصابات، كان يعلم إخوانه مختلف خطط وتكتيكات العمل العسكري والأمني، ولم تتوقف مهمته عند ذلك بل كان أيضاً يرتب لهم المأوى والطعام والذخيرة وكل ما يحتاجون إليه، وقد ترك لإخوانه ميراثاً كبيراً من التضحية والبذل.


- قُتل كما كان يتمنى

بعد رحلة من الجلد والمطاردة والصبر على الجهاد، استطاعت القوات الكافرة تحديد أحد المنازل التي كان يتحصن بها أبو خطاب فأتوا بحدهم وحديدهم وحاصروا المنزل والمنطقة بأعداد كبيرة من القوات، وكان ذلك في الثاني عشر من شهر (ذي الحجة) عام 1441 ورغم ذلك وكعادته لم ينتظر أن يهاجمه الكفار بل بادر هو بمهاجمتهم بشكل أقوى من المرة الأخيرة وخرج مكبّراً وتمكن خلال الاشتباك من قتل عدد من عناصرهم وإصابة آخرين، إلى أن حانت اللحظة التي كان يتمناها، وكما كان يدعو الله تعالى من قبل أن يرزقه الشهادة مقبلاً مهاجماً لأعدائه استجاب الله دعاءه ورزقه ما تمناه، فقتل تقبله الله تعالى كما كان يتمنى، نحسبه والله حسيبه.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً