الظن (1)

منذ 2014-03-31

ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتيك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أمريء مسلم شر، وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه.

 

الدخول في النيات والأخذ بالشبهات وإصدار الأحكام على العباد بغير دليل يقال ولا سلطان يقام من أعظم الآفات التي أصابت أركان الأمة؛ ونخر السوس في الأساس فتصدع البنيان.

فهلم لدرأ الصدع وترميم الكسر وإياك والظن فهو أحد أسباب الفرقة والشقاق ولله الحمد والمنة على حسن الظن في الملمة، فالمصيبة بالمؤمن عطية يعم بعدها الرخاء والبشرى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة من الآية:155]، فكانت الرحمات والعطية {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران من الآية:174].

الظن: مأخوذ من مادة (ظ ن ن) التي تدل على معنيين أحدُهُما اليقين والآخرُ الشك.
قال الراغب: الظَّنُّ: اسم لما يَحْصُلُ عن أمارة متى قويت أدت إلى العلم ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد التوهم.
وقال بن منظور: الظن شك ويقين؛ إلا أنه ليس بيقين عيان إنما هو يقين تدبر، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم، وفي التنزيل العزيز {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} [الحاقة:20].

معنى الظن في القرآن الكريم
ورد الظن في القرآن الكريم مجملا على أوجه: بمعنى اليقين، والشك، والتهمة، والحسبان، وضابط معنى الظن في القرآن: قال الكفوى: عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو يقين وهذا يُشْكِلُ في كثير من الآيات، وقال الزركشى: للفرق بينهما -أي الظن بمعنى اليقين، والظن بمعنى الشك- ضابطان في القرآن:
أحدُهُمَا: أنه حَيْثُ وُجِدَ الظَّنُّ مَحْمُودًا مُثَابًا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذموما متوعدا عليه بالعذاب فهو الشك.
والثاني: أن كُلَّ ظن يتصل به (أَنْ) المخففة فهو شك نحو قوله تعالى:{بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح:12].
وكل ظن يتصل به (أنَّ) المشددة فهو يقين نحو قوله تعالى:{إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} [الحاقة:20].
والمعنى في ذلك أن (أنَّ) المشددة للتأكيد، فدخلت في اليقين، والمخففة بخلافها، فدخلت في الشك.
قال مجاهد: ظن الآخرة يقين, وظن الدنيا شك.

أنواع الظن، وأحكامه:
وصفوة القول أن الظن لا يخرج عن أمور خمسة:
الأول: الظن المحرم وهو سوء الظن بالله، ويقابله وجوب حسن الظن بالله. عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ، يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ» (مسلم [4/2205]).
أنشد محمود الوراق:      

حُـسْنُ ظنِّـي بِحُــسنِ عَفْوِك يا *** ربِّ جمـيلٌ وأنـت مالـكً أمـرى
صنت سـرى عن القـرابة والأهل *** جـميـعا وكنـت مـوضع سـرى
ثقــةٌ بالذي لـديك من السـتـر *** فــلا تُخْــزني يـوم نَشْــرى
يوم هَتْكِ السُّتُورِ عن حُجُبِ الغيبِ *** فــلا تهْـتِكَنَّ للـناس سِـتْـرى
لقني حجتي وإنْ لم تَكُنْ ياربِّ *** لـي حُــجَّـةٌ ولا وَجْـهُ عــذرٍ

الثاني: حرمة سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة، والمطلوب حسن الظن بهم.
الثالث: الظن المباح وهو الذي يعرض في قلب المسلم في أخيه بسببٍ ما يوجب الريبة، وهذا الظن لا يحقق.
الرابع: الظن المندوب إليه، وهو حسن الظن بالأخ المسلم وعليه الثواب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ» (أبي داود [4/298]).
الخامس الظن المأمور به، وهو الظن فيما لم ينص عليه دليل يوصلنا إلى العلم، وقد تعبدنا الله بالاقتصار على الغالب الظني فيه، كقبول شهادة العدول، وتحرى القبلة، وتقويم المستهلكات.
وقال سفيان الثوري: الظن ظنانا: ظن أثم، وظن ليس بإثم.
فأما الذي هو إثم: فالذي يظن ظنا، ويتكلم به، والذي ليس بإثم فالذي يظن ظنا، ولا يتكلم به.
والظنُّ في كثير من الأمور مذمُومٌٌ ولهذا قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس:36].
{وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28].

سلامة الصدر
إن من أعظم المقاصد التي يحرص عليها دينُنُا الحنيف سلامة الصدر بين أفراده حتى تتآلف القلوبُ، فتشيعَ المحبةُ ويعُمَّ الإِخاءُ.
ولذا جاء الأمرُ من الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات:12].
فسوءُ الظنِّ مِفْتَاحٌٌ من مفاتيح الشر فهو يقود إلى التجسس، والغيبة، والتحاسد والتدابر، .... وغلق هذا الباب يكون بحسن الظن بالناس من حولنا، ومن ثم جاء التحذير من إطلاق العنان لسوء الظن بالمسلمين فإن هذا من أعظم أسباب الاختلاف والفرقة التي تضعف بنيان الأمة المسلمة.
ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الظن، ففي البخاري، ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».
قال القرطبي يرحمه الله: والمراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها: كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيه ولذلك عطف عليه بقوله: {ولا تجسسوا}؛ وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق، فيتجسس ويبحث ويستمع، فنُهى عن ذلك، وهذا الحديث يُوافِقُ قولُهُ تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهى عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان أبحث لأتحقق، قيل له {ولا تجسسوا} فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}.

دروسا في حسن الظن:
* وها هو الحبيب يعطى أصحابه (والأمة جميعا) دروسا عملية في حسن الظن بالناس من حولهم، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟»
* وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا. قَالَ: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟» قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ».
* وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى أن يفتش الأمراء عن خبايا الرعية حتى لا يفسدهم عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، قَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ»
* ومن باب «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» كما في الصحيحين، فها هو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمُ زوجته عائشة رضي الله عنها درسا لا تنساه أبدا في البعد عن سوء الظن. فتعالوا نتعايش بقلوبنا مع هذا الدرس الغالي، والحديث في الصحيحين. قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: بَلَى. قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: «لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟». قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ». قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».
* وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّنَّ فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ» ليدفع التوهم عن عقل الظان فمن الفضائل ألا يجعل المرء نفسه موضع ريبة روى البخاري: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَلَمَّا رَجَعَتِ انْطَلَقَ مَعَهَا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ»، قَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ».

حسن الظن المسلم بأخيه المسلم
لابد أن يكون العبد المؤمن حسن الظن بإخوانه من حوله وإذا سمع كلمة لها في الشر ألف محمل، ولها في الخير محمل واحد فليحملها على محمل الخير.

* وها هو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا حسن الظن بمن حولنا من خلال درس عملي، ففي الصحيحين في قصة الإفك حينما اتهمت أُمنا عائشة في عرضها وهى الزهرة التقية النقية التي غُرست في حقل الإسلام وسُقيت بماء الوحي.. وإذا بالحبيب يقول: «فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا».
* عمر بن الخطاب يدافع عن سعد. عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ. فَقَالَ: "إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ" فَقَالَ: "ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ" (مسلم [1/334]).
* معاذ بن جبل يدافع عن كعب بن مالك، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: حَبَسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَمَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مسلم - ص: [2769]).
* بن عمر يدفع التهمة عن عثمان، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ البَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاَءِ القَوْمُ؟ فَقَالُوا هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَسَهْمَهُ»، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ». فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ (البخاري [3698]).

عن سعيد بن المسيب قال: كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتيك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أمريء مسلم شر، وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه".

 

محسن العزازي

محسن العزازي

كاتب إسلامي