التربية بين الشدة واللين

منذ 2014-12-03

فيا أيها المربي الفاضل: انظر إلى الفارق بين الشدة في التربية واللين وانظر أي الطريقين يتماشى مع أبنائك فسِر عليه، مع الأخذ بالتوسط بين هذا وذاك

من ينظر لتربية الصحابة الدينية والأخلاقية يجد أنها أعظم تربية؛ كيف لا والمربي هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي رباه ربُه سبحانه وتعالى. فهو المربي العظيم لخلقه كما قال تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39] فالله سبحانه وتعالى هو الذي ربى الحبيب صلى الله عليه وسلم، ووصف خلقه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وهو القائل سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم:3]. فكانت تربية الصحابة على يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي نتاج تربية الله تعالى للحبيب عليه الصلاة والسلام.


وبالنظر لتربية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللصحابة نجد أنها كانت بالشدة والابتلاء؛ ففي بداية الدعوة نجد الشدة والابتلاء بالتعذيب من قبل المشركين: فهذا بلال رضي الله عنه يُعذّب على رمال مكة المحرقة، وهذا عمار بن ياسر يُعذَّب بجوار أبيه وأمه فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «صبرًا آل ياسرٍ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ» (حسّنه الألباني في فقه السيرة:103)، ولا يستطيع فعل شيء لهم إلا تصبيرهم على تلك الابتلاءات العظيمة.

ومع كل هذا العذاب الشديد الذي يلاقونه بالنهار يشد الله تعالى عليهم بالليل فينزل قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:1، 2] ويظل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة يقومون الليل حتى تورمت وانتفخت أقدامهم واحتبست نهاية السورة التي جاء فيها التخفيف سنة كاملة كما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ افترضَ قيامَ اللَّيلِ في أوَّلِ هذِهِ السُّورةِ فقامَ نبيُّ اللَّهِ وأصحابُهُ حولًا حتَّى انتفخَت أقدامُهم وأمسَكَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ خاتمتَها اثنَى عشرَ شَهرًا ثُمَّ أنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ التَّخفيفَ في آخرِ هذِهِ السُّورةِ فصارَ قيامُ اللَّيلِ تطوُّعًا بعدَ أن كانَ فريضةً" (صحيح النسائي:1600) وما كان ذلك إلا تربيةً لهم وتقوية لنفوسهم.

ثم يأتي الأمر بالدعوة مع ما هم فيه من الخوف من إظهار دينهم لشدة العذاب الذي نزل بهم، وينزل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر:1، 2] فنجد الصحابي يخشى على نفسه أن يظهر إسلامه والبعض لا يستطيع الذهاب لدار الأرقم ابن أبي الأرقم لخوفه ومع ذلك يأمرهم الله تعالى بالدعوة إليه.

ثم بعد رحلة العذاب المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاما تبدأ الهجرة فيفارقوا الديار والأبناء ويضحوا بالأموال والمتاع؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ، يَقُولُ: «واللهِ إنَّكِ لَخيرُ أرْضِ اللهِ، وأحَبُّ أرْضِ اللهِ إليَّ، ولوْلَا أنِّي أُخرِجْتُ مِنْكِ ما خَرجْتُ» (صحيح الجامع:7089).

ومع كل هذه الآلام طيلة السنوات يأتي أخيرًا الانتصار الأول والعظيم بغزوة بدر والسعادة البالغة للمسلمين وفي ظل نشوة الانتصار هذه يقول تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد:38]. فسبحان الله! بلسان حالنا الآن بعد كل هذه الآلام وننتصر فبدل الشكر يعلنها الله تعالى صراحة وكأنك لم تفعل شيء ولو غضبت من هذا وتريد أن تتولى سيستبدل قومًا غيركم.

ثم بعد ذلك نجد التضحيات الكثيرة والابتلاءات من أجل التمحيص. فانظر إلى حجم الألم النفسي الشديد الذي عاناه المخلفون الثلاثة (كعب وصحبه) بعد تخلفهم عن غزوة تبوك وإعراض النبي وجميع الصحابة عنهم خمسين يومًا وما ذلك إلا تمحيصًا لقلوبهم وزيادةً لأجرهم مثل النار التي لا تزيد الذهبَ إلا صفاءً وإشراقًا؛ ثم ينزل بالنهاية قول الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة:117، 118]. ويقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْض أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:38، 39]، وكأن الله تعالى يعلم الجميع بأنه سبحانه في غنى عن الجميع مهما كان فعله وعمله وقيمته.

 

ثمرة التربية بالشدة:

إذن وبعد كل ذلك نجد أن ثمرة التربية الشديدة والصبر على الابتلاء هي النجاة من العذاب والبعد عن النار والدخول للجنة، ونيل الرضوان والمغفرة؛ فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر عندما أراد أن يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بعدما بعث برسالة لقريش قبل فتح مكة- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ, فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (البخاري:3007). هذه هي الثمرة؛ المغفرة التامة والرضوان الأبدي بعد الصبر على كل المحن والابتلاءات. وهذه الثمرة العظيمة لم تظهر إلا بآخر حياة الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ إذ إن الصحابة رضي الله عنهم عاشوا على الخوف والمحن والابتلاء رغم رضا الرحمن عنهم والمغفرة التامة لهم.

والصبرُ مِثلُ اسمه مُرٌ مذاقته *** لكن عواقِبهُ أحلى من العسلِ

التربية باللين:

و لا شك أنه مع ما قدمنا من أهمية الشدة في التربية وما لها من أثر على المتربي إلا أن التوازن بين اللين والشدة، والرحمة والقسوة يصب في مصلحة المتربي... فقد تقابلنا حالات لا ينفع معها إلا اللين والعطف وحالات أخرى لا ينفع معها إلا الشدة، وحالات -وهي الغالبة- تحتاج إلى المراوحة بين الأسلوبين..

فالتربية باللين قد تُفسد وتجر إلى ويلات وما لا يحمد عقباه كما حدث مع امراة العزيز التي راودت فتاها عن نفسه قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف:23]، فكان رد فعل الزوج صاحب القلب الطيب والحنون {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} ويقول للزوجة الخائنة: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف:29]. فقط! هل هذا هو رد الفعل للخائنة التي تريد خيانتك؟! وكانت ثمرة هذا اللين أن الزوجة سمعت نصيحة الزوج الحنون وجمعت نسوة المدينة ثم قالت {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف:32]. يعني سأعود مرة ثانية أبحث عن الزنا!!

ولكنها (أي التربية باللين) قد تكون هي السبيل الأمثل للتربية؛ فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا أعظم الأمثلة في تربيته لأصحابه بالرفق واللين، والأمثلة على ذلك كثيرة: كموقفه صلى الله عليه وسلم من معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه عندما تكلم في الصلاة؛ فلم يُعنفه أو يُوبخه بل قال له بكل رفق: «إنَّ هذه الصلاةَ لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ. إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآنِ»، يقول معاوية: "فبِأبي هو وأمِّي! ما رأيتُ مُعَلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعليمًا منه. فواللهِ! ما كهَرَني ولا ضرَبَني ولا شتَمَني" (مسلم:537).. فكان صلى الله عليه وسلم نِعم المعلم ونِعم المربي.

وكان صلى الله عليه وسلم رحيمًا بأولاده وأحفاده وكان يحمل أمامة بنت زينب ابنته وكان يحمل الحسن والحسين في الصلاة حتى إنه ذات مرة نزل من على المنبر يوم الجمعة وحمل الحسن والحسين بعدما رآهما يتعثران في ملابسهما وقال: «صَدقَ اللهُ ورسولُه: {إِنَّمَا أمْوَالُكُمْ وأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} نَظَرْتُ إلى هذينِ الصَّبِيَّيْنِ يَمشيانِ و يَعثُرانِ، فلمْ أصْبِرْ حتى قَطعتُ حَدِيثِي ورفَعْتُهُما» (صحيح الجامع:3757).

 

فالإنسان بطبيعته مجبولٌ على حب أبنائه وعلى الرفق بهم لكن لا بد أن يتوسط المرء بين الشدة واللين؛ فلا يبالغ في الرفق بهم ويرخي لهم الحبل، وكذلك لا يبالغ في الشدة حتى لا ينقطع الحبل، وإنما خير الأمور أوسطها، ولكل مقامٍ مقال. يقول الدكتور سعد بن حميد حفظه الله: "فمحبةُ الذرية، والرحمةُ بهم، والشفقةُ عليهم مطلوبةٌ؛ لكن ليس على حساب الدِّين، وإن محبتهم لا تقتضي إهمالَ تربيتهم، وإغفالَ شؤونهم، والسُّنةُ مليئة بما يحثُّ على حبِّ الذرية ورحمتهم، كما أنها مليئة بما يجب به إحسان تربيتهم، وتقويم خُلُقهم". ويقول أيضًا: "وكلنا يرى ما أودعه الله في قلوب الأبوين من الرحمة للولد، حتى في البهائم، وهذا ليس بمستغرَبٍ؛ إنما الذي يُستغرب أن يفرط زمامُ هذه المحبة لدى الوالدين حتى يعود بالضرر على الولد".


فيا أيها المربي الفاضل: انظر إلى الفارق بين الشدة في التربية واللين وانظر أي الطريقين يتماشى مع أبنائك فسِر عليه، مع الأخذ بالتوسط بين هذا وذاك. وأنتَ يا طالب العلم: لا تحزن ولا تغضب إذا شد عليك عالم من العلماء أو قسا عليك معلمك ذات يوم في درسِ أو خطبة.. واعلم أن الشدة والبلاء عواقبهما جميلة وقد تصل بك إلى أرفع درجات الجنان.