الإسلام دين وعلم وحضارة

منذ 2015-01-24

إنَّ الاسلام دين طبيعي وفطريٌّ، يدعو إلی كل خير وصلاح، ويَنهَى عن كل شرٍّ وفساد، جاء ينعَی علی الجاهليات والرذائل والأوهام، وما يضر النفوس والطباع والأرواح والأجسام.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. إنَّ الاسلام دين طبيعي وفطريٌّ، يدعو إلی كل خير وصلاح، ويَنهَى عن كل شرٍّ وفساد، جاء ينعَی علی الجاهليات والرذائل والأوهام، وما يضر النفوس والطباع والأرواح والأجسام.

دلَّ علی منابع الخير والرشد والهدی، وأقرَّ كلَّ ما فيه خير ونفع؛ نهی عن الخمر والميسر، مع إخباره وإقراره بما فيهما من المنافع، وأخبر أنَّ إثمهما أكبر من نفعهما.
قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا[البقرة من الآية:219]، لولا كبر إثم الخمر وضررها، لَمَا كانت محرَّمةً ولا منهيًّا عنها؛ لما فيها من المنافع، ولكن إثمها يَحُول بين الإنسان وبين ما خُلِق له؛ من تحقيق العبودية لله، والقيام بمهام أموره وواجباته في مختلف أوقات الليل والنهار.

قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[الروم:30]، إنه دين الإسلام منبعُ الحضارات، ومصدر الثقافات، وإنه دين أوَّل إنسانٍ عاش علی ظهر الأرض وقضی حياته فيها، وقاسی ليلَها ونهارها، وحرَّها وقرَّها، وضِيقها وسَعتها، وبلاءها ورخاءها، لقد أنعم الله تعالى علی هذا الإنسان الأوَّل نبيِّ الله آدمَ - عليه الصلاة والسلام - بتعليم الأسماء كلها؛ أي: العلوم التي تأتي إلی الوجود إلی أن تقوم الساعة؛ فتعليم الأسماءكلها عبارة عن جميع العلوم والفنون، وجميع الإبداعات والاكتشافات، والاختراعات والإنتاجات عبر العصور والقرون، علی أيدي أبناء آدم عليه الصلاة والسلام.

أخرج السيوطي في كتابه (البلغة في أصول اللغة) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير قول الله تعالی:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة من الآية:31]، قال: "علَّمه تلك الأسماء ألف حِرْفة مما يحتاج أولاده إليها، كما علَّمه الألسن كلها من العربية والسريانية والعبرانية وغيرها، وعيَّن أسماء الأشياء بأنواع الألسن، فكل شيء سمَّاه آدم، فهو اسمه إلی يوم القيامة، ثم تفرَّقت الحرف والألسن في أولاده، وبقي الحِرَف قرنًا بعد قرن، ثم نُسبتْ بعد ذلك كل حرفة إلی مَن بدتْ منه وتعينت علی يده؛ كالكتابة والخياطة علی يد إدريس، وصنعة درع الحرب لداود".

ونزل قول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[العلق:1] أول ما نزل؛ إشعارًا أن هذه الأمة لا تقوم قومتها ولا تنهض نهضتها إلا إذا كانتْ منوطة بالعلم، متينة الصلة ووطيدة الآصرة به، شرط أن يكون منتهاها ومرماها منه تولِّي منصب الخلافة في الأرض، وربط عباد الله تعالى به.

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[البقرة:30]، من هنا يعلم أن العبادة التي لأجلها خُلِق الإنسانُ لا تنحصر في التسبيح والتقديس والتحميد؛ بل تتجاوز هذا كله، وتشمل ميادين الحياة المختلفة، ومعاركها المضطرمة؛ فالإنسان المؤمن أساسٌ في عمارة الأرض، وهذه المسؤولية العظمی والأمانة الكبرى تدعو المسلمين ألا يعيشوا علی هامش الحياة، ينفعلون بما يكون من أحداثها دون أن تكون لهم قوة في إيجاد الأحداث، وتبعثهم علی التقدُّم إلی الأمام، والأخذ من المعارف والعلوم التي تؤهِّلهم للقيام بأعباء الدعوة إلی الله  تعالی ولتسيير الأمور علی كافة المستويات، وخلافة الله في الأرض لا تتحقَّق إلا إذا كان الإنسان قد أسلم أمره إلى الله، بفضل القوَّة التي أنعم بها عليه في صورة العقل.

يقول الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسيره الشهير للقرآن الكريم (تفسير المنار) عند شرح آية الخلافة: "فالإنسان بهذه القوة (العقل) غير محدود الاستعداد، ولا محدود الرغائب، ولا محدود العمل؛ فهو علی ضعف أفراده يتصرَّف بمجموعه في الكون تصرفًا لا حدَّ له - بإذن الله تعالى وتصريفه - وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهبَ والأحكام الطبيعية ليظهرَ بها أسرار خليقته، وملَّكه الأرض وسخَّر له عوالمها، أعطاه أحكامًا وشرائع حدَّ فيها لأعماله وأخلاقه حدًّا يَحُول دون بَغْي أفرادِه وطوائفه بعضهم علی بعض، فهي تساعده علی بلوغ كماله؛ لأنها مرشد ومربٍّ للعقل الذي كان له كل تلك المزايا، فلهذا كله جعله خليفتَه في الأرض، وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة"؛ (تفسير المنار: [1/217]).

فالنظر في معظم آيات القرآن الكريم والتدبر لها، يهدي إلی أن الله  سبحانه وتعالی يدعو الإنسان المؤمن إلی اتخاذ أسباب وآليات يسخِّر بها كل شيء في الأرض؛ حتی يتبين له أن الله هو الحق، يقول الله  عزَّ وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}[فاطر:27-28].

لقد أوضحتْ هذه الآية الكريمة معنی العلماء، وبيَّنت أن المعارف والعلوم التي تتعلق بالجبال والتعرف علی ألوانها وأنواعها، والثمرات وأجناسها وأقسامها، والناس والدواب والأنعام بمختلف الألوان ومتنوع الأجناس تدخل في قائمة العلوم القرآنية التي يتحلَّی بها المسلمون، ويتزودون منها حسبما تلهمهم عقولُهم، وتهدي إليه نفوسهم، ولننظر فيما دعا إليه القرآن بقوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية:17-20]، أنواع من العلوم والمعارف يهدي إليها القرآن، ويدلُّ عليها وينادي بها، ويحثُّ أتباعه عليها، ولنتدبَّر ما وصف به القرآن عباد الله الصالحين: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[آل عمران:190-191].

وأما قول الله تعالی: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[فصلت:53]؛ فدعوة صريحة صارمة إلی العلم، وإخبار أكيد بأن عجلة العلم لا تتوقف، بل تكون في حركة واستمرار، ودوامِ تقدُّمٍ وتطور، وشق طريق إلی الأمام في ضوء هذه الآيات القرآنية وغيرها، التي تحمِّل المسلمين مسؤولية العلم والمعرفة، والنظر والتفكر في آيات الكون من السموات، والأرض، والجبال، والبحار، والأنهار، والأشجار، والدواب، والشمس، والقمر، والنجوم، والمعادن، والدفائن، والخزائن في البرِّ والبحر.

دأب المسلمون الأولون على العلوم والفنون؛ فأخذوا بحظ وافر من كل فرع من فروع العلم، لم يمنعْهم دينُهم أن يأخذوا عن وثنيِّي اليونان فلسفتَهم، ولا عن النساطرة طبَّهم، ولا عن اليهود ما يَرْوون من أخبار أنبيائهم وعلمائهم، وأَبْلَوا في العلم بلاءً لا يقلُّ عن بلائهم في الحرب والجهاد؛ فحيث حلُّوا ونزلوا، رأيت علمًا كثيرًا، وجدًّا عجيبًا.

والحق أن سعادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، في معرفة المنافع والمصالح بأسبابها، وإتيان البيوت من أبوابها، ويحصل هذا بالنظر والتأمل، والاختبار والتعقل، وبناء اللاحق علی عمل السابق؛ حتی تظهر السنن الكونية، والنواميس الطبيعية؛ فالعلم هو وسيلة الأمة لمعرفة حاجاتها، وبه تنتبه أذهان أفرادها إلی ما هم فيه ودرجوا عليه من الأخلاق والعوائد، والكمالات والنقائص؛ حيث يكونون علی شعور دائم بأحوالهم، وتكون تلك الأمور دائمًا موضوعَ بحثهم، ويكفي المسلمين دفعًا إلی العلم، وحدوًا عليه، وترغيبًا فيه، وتوجيهًا إليه، وإيثارًا به علی جميع أمور الحياة وشؤونها - ما قال نبيُّهم وقائدهم وقائد العلماء وإمام الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة علی كل مسلم» (رواه البيهقي عن أبي سعيد رضی الله تعالى عنه).

فالمسلمون فتحوا ثلاثة أرباع العالم المتمدن، وحملوا العلم والهدى، والعدل والغنی إلی البلاد التي فتحوها.

يقول العالم المؤرِّخ أرنست رنان: "إن العلوم والآداب والحضارة مَدِينةٌ بازدهارها وانتشارها للعرب وحدَهم طوال ستة قرون، وإن التعصب الديني لم يعرفه المسلمون إلا أن دالت دولة العرب وخلفهم علی ولاية الإسلام التركُ والمغول، فالشعوب الجرمانية والهونية والسلافية تعاقبتْ غاراتها علی الرومان في الشرق والغرب فاجتاحوا ملكهم، والقبائل التركية والمغولية قد دهموا العرب فثلُّوا عرشهم، ولكن شعبًا من هذه الشعوب لم يصغ قلبه للمدنية، ولم يجد فتحه علی الإنسانية، فظلُّوا بُعداء عن الحضارة، غرباء عن العلم، إلا ما كان من ترويجهم بعدُ لحضارةِ المغلوب وثقافته.

أما القبائل العربية، فلم يكادوا يضعون عن كواهلهم عتاد الحرب، وينفضون عن وجوههم غبار الصحراء؛ حتی صعدوا في مراقي الحضارة بسرعتهم في طريق الفتوح، واستطاعوا أن يرفعوا علی أنقاض اليونان والرومان والفرس حضارةً ثابتةَ الأصول، باسقة الفروع، لا يظهر في عناصرها المختلفة إلا روح الإسلام وفكر العرب، ثم كانت من القوة بحيث طاولت الدهر، وصاولت المغير".

ويقول Robert Briffault في كتابه The making of humanity:
"ما من ناحية من نواحي تقدُّم أوروبا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير، وآثار حاسمة، لها تأثير كبير، لقد كان المسلمون أكثر اهتمامًا بالعلوم والفنون من غيرهم، وحازوا قصب السبق في هذا المضمار".

ويتحدَّث الأستاذ محمد مبارك في بعض مقالاته - لمجلة الرسالة، عدد 42، سنة ۱۳5۲هـ - فيقول: "إذا تتبعنا الحركة العلمية في المدنية الإسلامية، وجدنا فيها ما يملأ النفسَ إعجابًا وإكبارًا بأولئك العلماء الذين كانوا مثلاً أعلی للنشاط العلمي بجميع معانيه"، ويقول: "ليس استعمال التجارِب الحديثة للتحقيق العلمي مقصورًا على العصور الحديثة؛ فالمدنية الإسلامية كانتْ مجلية في هذا الميدان، فلم يقصِّر علماؤها -كبنِي شاكر محمد وأحمد، والحسن، وأبي الريحان البيروني- في القيام بالتجارب العلمية الكثيرة، وتقليبها علی وجوهها، ولم تُعوِزْ تجاربَهم تلك دقةُ الملاحظة لشروط الحادث الطبيعي وظروفه والعوامل المؤثِّرة في تغييره، ولم يَفُتْهم إحكام القياس، وجودةُ الاستنباط".

فالمسلمون بَلَغوا ما بَلَغوا من العلم بداعي دينِهم، علی حين أن الأمم الأوروبية سارتْ إلی العلم علی الرغم من معارضة كنيستها، لقد شهد المؤرخون والعلماء بهذا الفضل للمسلمين حتی من غيرهم.

يقول الفيلسوف دي لامير في تاريخ علم الهيئة: "إذا عددتَ في اليونانيين اثنين أو ثلاثة من الراصدين، أمكنك أن تعدَّ في العرب عددًا كبيرًا غير محصور، وأما في الكيمياء، فلا يمكنك أن تعدَّ مجرِّبًا واحدًا عند اليونانيين؛ ولكن تعد من المجرِّبين مائتين من العرب؛ ولهذا عدَّت الكيمياء الحقيقية من اكتشاف العرب دون سواهم، والعرب هم أوَّل مَن استعمل الساعات الدقَّاقة للدلالة علی أقسام الزمن، وهم أوَّل مَن أتقن استعمال الساعات الزوالية لهذا الغرض".

ويقول الفيلسوف جوستاف لبون: "إن العرب أول مَن علَّم العالَم كيف تتَّفق حرية الفكر مع استقامة الدين".

ويقول آخر: "لا أدري كيف أعطانا الإسلام في مدَّة قرنين عددًا من الفلكيين يطول سرد أفراده، وأن الكنيسة تسلَّطت علی العالَم المسيحي اثنَي عشر قرنًا في أوروبا ولم تمنحنا فلكيًّا واحدًا؟!" (الإسلام بين العلم والمدنية؛ للإمام محمد عبده).

"هذا ابن الهيثم المتوفَّى عام 1039 م، لم يكن فحسب المؤسس الحقيقي لعلم البصريات (الضوء) في كتابه "المناظر"؛ وإنما وضع منهجًا واضحًا في البحث، سار عليه ومارسه، ولقد سبق "كبلر" و"غاليليو" في اتخاذ الرياضيات وسيلةً لإقامة الدليل وطريقًا للكشف؛ فبرهانه على أن القمر لا يمكن أن يكون كرةً ملساء مثالٌ بارز، كما أن طريقته في تفسير انعكاس الضوء - التي اتبع فيها منهجًا تحليليًّا صاغه وَفْق متطلبات المسألة - تستحق الإعجاب، والفكرة فيه هي نفسها التي وردتْ بعدئذٍ عند "نيوتن"، ويكاد يكون مؤكدًا أن "نيوتن" قد اطَّلع على أعمال ابن الهيثم؛ لأن مرشد "نيوتن" وأستاذه - وهو يدعى "بارو" -كان قد اطَّلع على هذه الأعمال بعد ستة قرون أو يزيد، هذا فضلاً عن أن ابن الهيثم كان يُقِيم الدليل التجريبِي على صحة أعماله، وكان في بعض الأحيان يبتكر أدوات مخصصة لهذا الغرض، وهذا بعض ما أخذه الغرب عن العرب، ولم يكن معروفًا عند اليونانيين، كما أعطى ابن الهيثم أولَ وصفٍ صحيح لتركيب العين، ودرس أوهام البصر، وإدراك الرؤية، إضافة إلى مسألة هامة مشهورة لا تزال تحمل اسمه"؛ (الحسن بن الهيثم، بحوثه وكشوفه البصرية؛ لمصطفى نظيف، 1/242 جامعة القاهرة).

هذا هو شأننا في العلوم الطبيعية والكونية تحقيقًا للخلافة التي خلقنا الله لأجلها وأخرجنا لها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[آل عمران:110]، ولَمَّا ضعف شأن المسلمين بما توالی عليهم من ظلمِ الحاكم، وفساد الحكم، وتملَّك زمامَ المسلمين مَن ليسوا مسلمين إلا بالاسم، وطال عليهم الأمد في ذلك، فَقَدُوا عزتَهم، وصاروا أيتامًا علی مأدبة اللئام، وأصبح المسلمون عيالاً علی الغرب متطفلين علی مائدته، وأصبح الغرب عندهم الأسوة والقدوة في التَّركِ والأخذ، والنقض والإبرام، وقلَّ في الأمة الإسلامية علماء يجمعون بين العلوم الشرعية الأصيلة والعلوم العصرية المفيدة، وتنازلتْ من جرَّاء هذه الغفلة والإهمال عن مكانتِها في القيادة العلمية، والتوجيه والاستقلال الفكري، فمن نحو خمسة قرون فقدوا مركزَهم العالمي، وأصبحوا حيث حلُّوا عنوانَ الذل والعبودية، وحلفاء الفقر والمسكنة؛ لأنهم تخلوا عن الإيمان الذي أوَّلُه وأصْلُه العلمُ والبحث: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق:1-5]، {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ[محمد:19].


ويتحدث الأستاذ الأديب أحمد أمين في كتابه (صيد الخاطر: [8/217]) فيقول: "والحق أن لا بأس من اقتباس العلم من الغرب، بل هو واجب؛ فالحياة لا يمكن أن تكون سعيدة إلا إذا أسِّست علی العلم، وعلی إصلاح الحاضر، وعلی النظر إلی الحاضر في الدنيا، والمستقبل في الدنيا، ولكن يجب أن يضاف إلی ذلك عند المسلمين محاربتهم لمركب النقص هذا، وشعورهم بأنهم يرثون من دينهم قوة روحية فقدها الغرب، وأنهم يستطيعون -بفضل تعاليم الإسلام- أن يلوِّنوا العلم الأوروبي لونًا روحيًّا خيرًا يصح أن يستخدم في خير الإنسان، إن العلم الذي لا دين له ينتجُ القنبلة الذرِّية لإهلاك الإنسانية، ولكن العلم الذي له دين ينتج اكتشافَ قوانين الذرة لخير الإنسانية".

فالمسلمون اليوم في حاجة ماسة إلی بعث جديد يحركهم للعمل للوصول إلی حياة أعلی وأكمل، وأعظم شأنًا من ظروف الحياة التي يعيشونها في الوقت الحاضر.

لننظر إلی الأئمة المجتهدين رحمهم الله  تعالى لو كانوا واقفين عند حدٍّ، جامدين علی ما ورثوا من الفقه والعلم، لَمَا كان للمسلمين الآن إلا مذهب واحد في التشريع، بينما صار لهم من ذلك - بفضل استقلالهم واجتهادهم - مذاهب عديدة، مذاهب نرجو أن تتجدَّد وتتطوَّر؛ حتى نجد فيها توسعة وتلبية وتحقيقًا لحاجات الزمان في العالَم كله؛ كما يقول الشيخ صالح آل الشيخ -وزير الشؤون الإسلامية السعودي-: "من سمات الشرع الإسلامي الاجتهاد؛ حيث فتح باب الاجتهاد على مصراعيه للنظر في المصالح والمفاسد، والاجتهادُ يختلف من بلد لآخر حسب ظروفه، واجتهادات علمائه في زمن معين لا يمكن أن نستصحبها اليوم؛ لأن الزمن تغيَّر والناس تغيروا، والتشريع ليس لِمَن ذهبوا من ألف سنة فقط، بل لأناسٍ يعيشون اليوم، ولا بدَّ من رعاية مقاصد وروح الشريعة"؛ (جريدة العالم الإسلامي، العدد: 1863، السنة: 1425).

فلا بدَّ من التحرك والتقدُّم بخطی سريعة إلی علوم العصر، مع التشبع بروح الإسلام، والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه، قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[فصلت:53].

والله تعالى أعلى وأعلم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.