كيف نعالج الفتور - (1) هل تعبتَ؟

منذ 2016-06-24

لكن المعنى: أن الواحد منهم لا يسوق نفسه إلى الطاعة مكرهةً، ولا يفقد قلبه لذة العمل، ولا يسأم، بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعًا ومحبة وإيثارًا، كجريان الماء في منحدره، وهذه حال المحبين الصادقين، فإن عبادتهم طوعا ومحبة ورضا، ففيها قرة عيونهم، وسرور قلوبهم، ولذة أرواحهم.

وكيف لا تتعب، ومن قال أن العبادات تقع بلا تعب؟ ومن قال أن النّجاة في القيامة ممكنة بلا تعب في الدنيا؟

اعلم أن: حقيقة الدّين؛ التعب، وقهر النّفس على الطاعة.

اعلم أنّ: الدّين كله صبر!

والصّبر (ضياء) ، وليس هو (نورًا)، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ.. وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» (صحيح مسلم [223]).

 

وقد ذكروا في التفرقة بين (النور) و(الضياء):

أن النور غير حارق، بخلاف الضياء فهو حارق.

حارق، أي: (مؤلم)، أي: (متعِب) ، (شاقٌّ)، (مجهِد)!

قال الله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس من الآية:5]!

فالصّبر: ضياء، ولا بد، كما قال الرسول.

وسلعة الله غالية!

 

هل تعرف العبادة التي تجمع أنواع الصبر الثلاثة (الصبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الأقدار المؤلمة)؟

إنها الصيام، هكذا قال الأئمّة.

فمن تعبّد الله بصيام صحيح، إيمانًا واحتسابًا (سبق ذكر المراد بذلك)؛ فهو مباشر لأنواع الصبر الثلاثة، قائم بها.

 

الإيمان والعمل الصالح، لا بدّ فيه من حَملٍ للنّفس على ما تكره، أو قهرِها على ما يشقّ عليها، أو تدريبها على ما لم تألفه ولم تعتده.

وهي حقيقة التكليف، وما سوى ذلك فاتباع للهوى.

 

• هذان هما القسمان: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ . وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} [النازعات:37-39]، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} [النازعات:40-42]!

•  ولو كانت التكاليف والأعمال الصالحة (كلّها) مما تعتاده النفس، أو تحبّه، أوتألفه، أولا يشقّ عليها: لما كانت الجنّة هي (السلعة الغالية المحفوفة بالمكاره والمشاقّ)، ولا كانت الدنيا (دار البلاء والاختبار)، ولا كانت النار (محفوفة بالشهوات)!

• أليس قد قالها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بوضوح: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»؟ (صحيح البخاري [6487]، وفي مسلم [2823]: «حُفَّتِ»).

• نعم، هناك أصحاب القلوب السليمة، الذين تكون قلوبهم وجوارحهم منساقة لله طوعًا وحبًّا، وهؤلاء هم الأنبياء، والصدّيقون، والصالحون، وكلّ هؤلاء قد (سلكوا الطريق حتى منتهاه)، فأين موضعك أنت على الطريق؟!

قال محمد بن المنكدر: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت".

 

• أنا لست هنا لأخدعك!

فلا بدّ أن أخبرك أن: في نفوس بني آدم نفوسًا تعمل الطاعاتِ المجهِدةَ الشاقةَ؛ راضيةً مطمئنّة!

وليس معنى هذا أن أجسادهم لا تتعب، أو لا تتألم، فقد كانت قدما النبي صلى الله عليه وسلم تتفطّر وتتورم من القيام، وكان الصحابة من بعده يتكئون على العصيّ في صلاة التراويح من طول الصلاة وإتعابها لأجسادهم..

لكن المعنى: أن الواحد منهم لا يسوق نفسه إلى الطاعة مكرهةً، ولا يفقد قلبه لذة العمل، ولا يسأم، "بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعًا ومحبة وإيثارًا، كجريان الماء في منحدره، وهذه حال المحبين الصادقين، فإن عبادتهم طوعا ومحبة ورضا، ففيها قرة عيونهم، وسرور قلوبهم، ولذة أرواحهم.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (مسند أحمد [13257])، وكان يقول: «يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (مسند أحمد [23558]).

فقرّة عين المحب ولذته ونعيم روحه: في طاعة محبوبه. بخلاف المطيع كرها، المتحمل للخدمة ثقلا" (ابن القيّم).

لكن؛ تلك عبادة الأنبياء والصالحين والصّديقين، المصنوعين على عين الله، وهم: الذين جاهدوا أنفسهم في ذات الله تعالى.

وهم: الذين امتحنهم الله، وابتلاهم، فصبروا، ثم اجتباهم وهداهم!

وهؤلاء هم الذين عانوا الطّاعة، ودرّبوا نفوسهم عليها طويلا، كما قال ابن القيم: "ولا يزال العبدُ يعاني الطاعةَ، ويألفَها ويحبَّها ويؤثرَها، حتى يرسلَ الله سبحانه برحمته عليه الملائكةَ تأزُّه إليها أزًّا، وتحرِّضه عليها، وتزعجُه عن فراشِه ومجلسِه إليها"!!

فسِرْ على الدرب: تصل!

 

• أنا لم أخدعك، قد أخبرتك!!

ألم أذكر لك أن نفس محمّد بن المنكدر قد استقامت له في نهاية الأمر، لكن بعد صراعه معها (أربعين سنة)!

واستمتَع ثابت البناني بالصلاة عشرين سنة، لكن بعد أن قهر نفسه وبقي يروّضها (عشرين سنة)!

فأنت، هل تعيش غافلًا العام، وتريد أن تستمتع وتعيش إيمان المجاهدين أنفسَهم في ذات الله عشرين سنة؟!

هذا يا أخي لا يكون..

لكن: من سار على الدرب: وصل!

 

بل؛ إن العقلاء قاطبة متفقون على أنّ (العز) و(الشرف)، و(المال)، و(القوة) و(العلم) ، وكل هذه الدنيويات، إنما تحصّل بالتعب والنصب والكدّ.

والناس يستحسنون إتعاب النفوس سنين طويلة في الوصول إلى شيء من ذلك، وأما الذي أراد تحصيلها بلا تعب وكدّ، فهو عندهم مجنون.

وأما القاعد عن تحصيلها أصلًا؛ فهو عندهم خسيس النفس، ضعيف الهمة، وضيع القدر!

 

الخواء التربوي.. والفقر السلوكي، الذي نعيشه من أجيال، حتى على المستوى النظري: قد سمح لبعض الأفكار الخطيرة سلوكيّا لتنتشر وترسخ، وهي في الحقيقة من أهم أسباب الانتكاس وعدم القيام من الفتور، بدرجاته المختلفة!

هذه قضية طويلة، ستتفطن إلى إشارات منها قريبًا، لكن لأكتب ما عندي فيها؛ فأحتاج إلى زمن وجهد لا أجدهما الآن.

المصدر: صفحة الشيخ على الفيس بوك
 
المقال التالي
(2) لماذا فترت؟