راية الإسلام - إياك وترك راية الإسلام (10)

منذ 2016-12-27

هذا محل التحذير وغاية الشيطان ونهاية الاختلاف ومؤدّى التدابر والتباغض وخيانة الدين والانسلاخ منه.

وقد يحصل من الاختلاف ما هو أفحش من مُظاهرة المشركين أو التآمر معهم أو الدخول تحت ولايتهم، وهو المناط المستلزِم لاتخاذ الوليّ من دون الله، وهو الشرك الصريح.. وذلك بـ:
5- رد ولاية الإسلام رأسًا، بِأن يؤدي الاختلاف إلى ترك كل قوميةٍ أو عرقٍ أو أهل وطنٍ لراية الإسلام، ورجوع كلٍ إلى رايةٍ خاصةٍ تتولى بها وتُقاتل عليها، وتُؤخر ولاء الإسلام ورايته ووجوده وفاعليته، وتجعل (القوم) أو (الوطن)، (نعرات الجنس أو تخوم الأرض)، هي رابط الولاء والهوية، ويجعلونها هي الرابطة والاعتبار المقدَم في المحبة على محبة الله تعالى ودينه وأوليائه؛ فتكون هي أساس الولاء؛ بحيث يستجاز بها ولاء الكافرين على المسلمين بحجة المصلحة القومية أو الوطنية وأنهم غير ملزمين بولاء المسلمين، ويزعمون أن الولاء (الديني) غير ملزِم في عالم المصالح أو عالم القوميات الوطنية الحديثة، وأن عراقة الوطن وما يحمله من تاريخ ومراحل لديانات مختلفة انتهى مفعولها! وتخطى الوطن الحديث الإسلامَ كما تخطى ما قبله! وأن الشخصية الوطنية هضمت وابتلعت جميع الديانات والعقائد، فالوطن أبقى من الإسلام وأعرق منه وأكثر أصالةً وأهمية، وأن الإسلام مفرِّقٌ ومشرذِمٌ للوطن!!

 

وأن هذا يُلغي اعتبار الإسلام في الولاء والهوية كما هو مَلغي الاعتبار اليوم أيضًا في مجال التشريع..!


وهذا الكلام مناقضٌ لقول لا اله الا الله، وهو دجلٌ وكذب، ولا يُلزَم به غير المسلمين، وحقيقته أنه تديَّن بدينٍ غير الإسلام.


ويقول هؤلاء المجرمون أن الفوارق العقدية ملغاة الاعتبار أمام المصالح، وأن الموقف من الكيان الصهيوني كالموقف من أهل فلسطين وأنهم يقفون على مسافةٍ واحدةٍ من الطرفين.. وأن لهم أن يتولوا القوى الكبرى ـ المرتبطة بالروح الصليبية ! ـ على أي كيانٍ مسلم، وأن الولاء الإسلامي ملغي الاعتبار بل مرفوضٌ بل هو نوعٌ من التخلف أو التشدد!


وكل هذا رِدةٌ صريحة، تحت شعاراتٍ كاذبةٍ وطلاءاتٍ مزيفة، والإسلام هو محل الاستهداف من وراء ذلك كله، وأنهم ألسنةٌ للغرب المسيحي المنتصر (مؤقتًا) والمنصّر للنخبة التي يضمن لها التمكين والتوجيه، ويكتفي في تنصيره لهم بهذا التشكيك والتذبذب ويكفيه الرفض للشريعة والهوية ولا يأمل في الدخول في صريح عقيدته الفاسدة.


وهذا محل التحذير وغاية الشيطان ونهاية الاختلاف ومؤدّى التدابر والتباغض وخيانة الدين والانسلاخ منه..
وقد حذر الله تعالى من هذا المناط، فإنه لما تنادى الأوس إلى (الأوسية) والخزرج إلى (الخزرجية) بتأثير دعاية ليهود المدينة للتفريق بينهم، خيف عليهم التخلي عن هوية الإسلام لصالح الروابط القبلية، نزل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] يعني بترك ولاء الإسلام.. ثم قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].. آمرًا بالتمسك بالإسلام: (عقيدةً وشريعةً وولاءً) كُل لحظةٍ حتى الموت.. ثم قال {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}* يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 105-106]


والمقصود بالتفرق هنا تفرقٌ خاص وهو التفرق المطلق، بأن تترك كُل قبيلةٍ أو عرق أو أهل وطن، الإسلامَ، ويرجعون الى ولاءات أخرى، بدلا من تقديم ولاء الإسلام والتزامه وخدمته من خلال الولاءات القومية والوطنية الخادمة..


ولهذا خافه رسول الله على أمته أشد الخوف، وقد حدثت مخاوفه صلى الله عليه وسلم، «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مُدْيها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم .. شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه» (مسلم: 2896).. فاللهم عودةٌ وخيراً قريب.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

مدحت القصراوي

كاتب إسلامي

المقال السابق
إياك وترك راية الإسلام (9)
المقال التالي
إياك وترك راية الإسلام (11)