هل يفتح المسلمون القدس؟

منذ 2017-07-30

إننا على يقينٍ لا نشك فيه طرفة عين أننا فاتحون القدس يومًا ما، هذا وعد الله عز وجل، {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ}

إننا على يقينٍ لا نشك فيه طرفة عين أننا فاتحون القدس يومًا ما، هذا وعد الله عز وجل، {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ}  [الحج: 47]، ووعد نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فكونوا على يقينٍ أنَّ القدس سيعود للمسلمين، ووالله كأني باليهود وهم يقتلون شر قِتلة على أبواب القدس، ويُساقون في ذلة ومهانة إلى الأسر، قد فزعت قلوبهم، وامتلأت رعبًا من عباد الله المؤمنين، فحاولوا الفرار والاختباء من بطشهم، لكن أنَّى الفرار، وقد سلط الله عليهم عبادًا له أولي بأسٍ شديدٍ؟

قال الله تعالى:  {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 4 - 7].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:  «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ! يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ »  ([1]).

 وعن عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:  «تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ، حَتَّى يَخْتَبِئ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ»  ([2]).

وعن عَوْف بْن مَالِكٍ رضي الله قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: "اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا" ([3]).

وعَنِ عَبْد اللَّهِ بْن حَوَالَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَتُفْتَحَنَّ لَكُمُ الشَّامُ، ثُمَّ لَيُقَسَّمَنَّ كُنُوزُ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَلَيَكُونَنَّ لِأَحَدِكُمْ مِنَ الْمَالِ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُعْطَى مِائَةَ دِينَارٍ فَيَسْخَطَهَا»، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: «يَا ابْنَ حَوَالَةَ! إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ نَزَلَتْ بِأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَقَدْ أَتَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ إِلَى رَأْسِكَ» » ([4]).

فأبشروا يا عباد الله بنصر الله، وكونوا على ثقةٍ من وعده سبحانه وتعالى، ولئن أدركتنا المَنية وما شرَّفنا ربنا بصلاة في المسجد الأقصى فيكفينا شرفًا أن نموت ونحن نسعى جاهدين لتحرير القدس بتحرير أنفسنا من أسر الشهوات والملذات، وأن نُشرِبَ أولادَنا حبَّ مدينة القدس، وأن نغرس في قلوبهم حبَّ دينهم وبذل أرواحهم رخيصةً في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى.

لماذا تأخر النصر؟

إذا كنا على يقينٍ بأنَّ وعد الله تعالى بالنصر آتٍ ولا ريب؛ فلماذا تأخر النصر، ولا زلنا في ذلٍّ ومهانةٍ، ومقدساتنا تدنَّس، وحرماتنا تنتهك، ودماؤنا تسيل حتى روت الأرضَ من كثرتِها؟

لو أنَّك تأملت في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لعلمت سبب ذلك. قال الله تعالى:  {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}  [الإسراء: 5]. وفي الحديث السابق: "فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ". وتأمَّل قال الله: "عِبَادًا لَنَا"، ونادى الحجر: "يا عبدَ الله"، لقد كان هؤلاء صلاح الدين ومن معه، ولن يعود الأقصى إلا برجال مثلهم "عباد لله"، لا لمنصب أو جاه، وانظر في حال المسلمين وسلْ نفسَك: هل نحن عباد لله حقًّا؟

هل عبد الله حقًّا ينام عن صلاة الفجر؟

هل عبد الله حقًّا يهجُرُ كتاب ربِّه، ويولِّه ظهرَه؟

هل عبد الله حقًّا يجاهر ربَّه بالعصيانِ ليلا ونهارا، دون توبة واستغفار؟

لو أنَّنا تأمَّلنا أسباب الهزيمة في القرآن الكريم لرأينا كثيرًا منها إن لم يكن جميعها قد شاع بين  المسلمين، ويكفي أن نقف مع آية من كتاب الله:

قال الله تعالى:  {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 152].

إن هذه ثلاثة أسبابٍ هُزُمَ المسلمون لأجلها وبينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: :الفرقة والاختلاف، وعصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وحب الدنيا"، فهل ترانا لم نفعل هذه الأمور الثلاثة؟

وفي الحديث: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»  ([5])، وأقولها آسفًا: لقد وقع كثيرٌ – أو أكثر - المسلمين في هذه البلايا الأربع.

وأمَّا أسباب النصر فنقف عند آية من كتاب ربنا، وهي قوله سبحانه وتعالى:  {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}  [النور: 55، 56]

فهذه ثلاثة أسباب للنصر؛ "إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم"؛ لقد فرَّط كثيرٌ من المسلمين فيها.

بل إن الواقع يشهد أنَّ المسلمين قد فرطوا في ركنين من أركان دينهم الخمسة، أمَّا الأول: فهو ركن الصلاة، فلقد فرَّط كثيرٌ من المسلمين في الصلاة، ولم يحافظوا على أدائها في وقتها، ولم يقيموا ركوعها وسجودها وخشوعها، بل إن طائفة كثيرة من المسلمين لا يصلون عياذًا بالله.

وأما الركن الآخر فلقد فرطت فيه الحكومات قبل الشعوب؛ وهو ركن الزكاة؛ فما عادت كثير من حكومات المسلمين تأخذ الزكاة من الأغنياء، بل لا يوجد في كثير من الدساتير الباطلة التي يحكم بها كثير من البلدان المسلمة في زماننا شيء اسمه "الزكاة".

فكيف ينصرنا ربنا وقد فرطنا في نصف أركان ديننا؟ والله الذي لا إله إلا هو إننا في هذا العصر لا نستحق النصر، ولئن رجعنا إلى ربنا وتمسَّكنا بديننا لينصرنَّا الله تعالى، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].


 ([1]) أخرجه مسلم (2922).

 ([2]) أخرجه البخاري (2925)، ومسلم (2921).

 ([3]) أخرجه البخاري (٣١٧٦).

 ([4]) مختلف فيه: أخرجه أحمد (5/ 288)، وأبو داود (2535)، وقد صححه بعض العلماء، وأعله آخرون، فالله أعلم.

 ([5]) حسن بمجموع طرقه: أخرجه أحمد (2/ 28)، وأبو داود (3462).

أبو حاتم سعيد القاضي

طالب علم وباحث ماجستير في الشريعة الإسلامية دار العلوم - جامعة القاهرة