هل للظالم توبة؟

منذ 2018-10-22

باب التوبة مفتوح لكل من عصى الله إذا توفرت شروطها، قال تعالى:  {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}  [النساء:110].


باب التوبة مفتوح لكل من عصى الله إذا توفرت شروطها، قال تعالى:  {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}  [النساء:110]. وقال تعالى:  {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:39].
شروط التوبة كما ذكرها العلماء:
- أن يقلع عن الذنب.
- وأن يندم على ما قد مضى.
- وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه.
- وإذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم، أو أعراضهم، أو أبدانهم، فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها.
قال ابن القيم: (والظلم عند الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه
وبين ربه عزَّ وجلَّ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها)   .
فمن ابتلي بشيء من الظلم، والتسلط على الناس سواء كان بأخذ مال، أو بغيره من أنواع الظلم، فليتحلل منه في هذه الدنيا الفانية، فليس في الآخرة دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات يؤخذ من حسناته بقدر مظلمته ويعطى للمظلوم، فإن نفدت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم وحمله الظالم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» ))  [رواه البخاري]  .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( «لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» ))   [رواه مسلم]  .
وعن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( «يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا  ، فيناديهم مناد بصوت يسمعه مَن بعُد كما يسمعه مَن قرُب: أنا الملك، أنا الديَّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، حتى اللطمة فما فوقها، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة، حتى اللطمة فما فوقها  {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [الكهف:49]، قلنا: يا رسول الله، كيف وإنما نأتي حفاة عراة غرلًا   بهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات جزاءً وفاقًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا» ))  [رواه أحمد والحاكم]  .
وقال أبو الزناد: (كان عمرُ بنُ عبد العزيز يردُّ المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان يكتفي باليسير، إذا عرف وجه مَظْلِمةِ الرَّجُلِ ردَّها عليه، ولم يكلِّفْه تحقيق البيِّنة، لما يعرف من غشم الوُلاة قبله على الناس، ولقد أنفد بيت مال العراق في ردِّ المظالم حتى حُمِلَ إليها من الشَّام)   .
وذكر صاحب (العقد الفريد) قصةً للمأمون: (وأنه جلس يومًا لردِّ المظالم، فكان آخر من تقدم إليه - وقد همَّ بالقيام - امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثَّة، فوقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم. فقال لها يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلَّمي بحاجتك. فقالت:

يا خير منتصف يهدى له الرشد

ويا إمامًا به قد أشرق البلد

تشكو إليك عميد القوم أرملة

عدى عليها فلم يترك لها سبد  

وابتز مني ضياعي بعد منعتها

ظلمًا وفرق مني الأهل والولد


فأطرق المأمون حينًا، ثم رفع رأسه إليها وهو يقول:

في دون ما قلت زال الصبر والجلد

عني وأقرح مني القلب والكبد

هذا أذان صلاة العصر فانصرفي

وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد

فالمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا

ننصفك منه وإلا المجلس الأحد


قال: فلما كان يوم الأحد جلس، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ثم قال: أين الخصم؟ فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين - وأومأت إلى العباس ابنه - فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس. فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإنَّ الحق أنطقها والباطل أخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها إلى العامل الذي ببلدها أن يوغر لها ضيعتها، ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة)   .
قصص في الظلم... عبر وعظات:
1- من القصص في الظلم التي حدثت في زمن الصحابة، قصة الرجل الذي ظلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فدعا عليه سعد، وقد كان مستجاب الدعوة، فاستجاب الله دعاءه، والقصة كما رواها البخاري في (صحيحه) عن جابر بن سمرة، قال: (شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر، رضي الله عنه، فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا، حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحاق: أما أنا والله، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخرم   عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد   في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه، رجلًا، أو رجالًا، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإنَّ سعدًا كان لا يسير بالسرية   ، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعونَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهنَّ)   .
2- ومنها أيضًا: قصة سعيد بن زيد رضي الله عنه، فقد روى مسلم في (صحيحه): ((أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم. فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طُوِّقه إلى سبع أرضين. فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال اللهم إن كانت كاذبة فعمِّ بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت))   .
3- قصة أوردها الهيثمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) قال:
(وقال بعضهم: رأيت رجلًا مقطوع اليد من الكتف، وهو ينادي من رآني فلا يظلمنَّ أحدًا، فتقدمت إليه وقلت له: يا أخي ما قصتك؟ فقال: يا أخي قصتي عجيبة، وذلك أني كنت من أعوان الظلمة، فرأيت يومًا صيادًا قد اصطاد سمكة كبيرة، فأعجبتني، فجئت إليه فقلت: أعطني هذه السمكة. فقال: لا أعطيكها، أنا آخذ بثمنها قوتًا لعيالي. فضربته وأخذتها منه قهرًا، ومضيت بها، قال: فبينما أنا ماشٍ بها حاملها إذ عضت على إبهامي عضة قوية، فلما جئت بها إلى بيتي، وألقيتها من يدي ضربت علي إبهامي، وآلمتني ألـمًا شديدًا، حتى لم أنم من شدة الوجع، وورمت يدي، فلما أصبحت أتيت الطبيب، وشكوت إليه الألم، فقال: هذه بدو أكلة   ، اقطعها وإلا تلفت يدك كلُّها، فقطعت إبهامي ثم ضربت يدي، فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم، فقيل لي: اقطع كفك. فقطعتها، وانتشر الألم إلى الساعد، وآلمني ألما شديدًا، ولم أطق النوم ولا القرار، وجعلت أستغيث من شدة الألم، فقيل لي: اقطعها من المرفق. فانتشر الألم إلى العضد، وضربت علي عضدي أشد من الألم، فقيل لي: اقطع يدك من كتفك، وإلا سرى إلى جسدك كلِّه. فقطعتها، فقال لي بعض الناس: ما سبب ألمك؟ فذكرت له قصة السمكة، فقال لي: لو كنت رجعت من أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة، فاستحللت منه، واسترضيته ولا قطعت يدك، فاذهب الآن إليه، واطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك.
قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته، فوقعت على رجليه أقبلهما وأبكي، وقلت: يا سيدي، سألتك بالله إلا ما عفوت عني. فقال لي: ومن أنت؟ فقلت: أنا الذي أخذت منك السمكة غصبًا. وذكرت له ما جرى وأريته يدي، فبكى حين رآها، ثم قال: يا أخي، قد حاللتك منها لما قد رأيت بك من هذا البلاء. فقلت له: بالله يا سيدي، هل كنت دعوت علي لما أخذتها منك؟ قال: نعم.
قلت: اللهم، هذا تقوَّى عليَّ بقوته على ضعفي، وأخذ مني ما رزقتني ظلمًا، فأرني فيه قدرتك. فقلت له: يا سيدي، قد أراك الله قدرته في، وأنا تائب إلى الله عزَّ وجلَّ عما كنت عليه)   .
4- قصة تبين نهاية الظالمين، وهي أنَّ أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبدالملك بن الزيات، وهرثمة، كانوا ممن ظلموا الإمام أحمد في محنة القول بخلق القرآن، فكانت نهايتهم كما ذكرها ابن كثير في (البداية والنهاية) قال: (دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء -لأنَّه أحسن الصنيع لأهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم - فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكرامًا زائدًا جدًّا.
والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل: يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن.
فوجل المتوكل من كلامه، وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل: في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر.
فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرًا، ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك، فقال: قطعني الله إربًا إربًا إن قتله إلا كافرًا.
ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فقال له مثل ذلك فقال: ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرًا.
قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار.
وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي، فقال: يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه. فقطعوه إربًا إربًا. وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعني بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدًّا)