خير البرية من خشي ربه: الخشية من الله سبيل النجاة مما نحن فيه

منذ 2021-11-25

لقد انتابتني حالةٌ من الحزن والأسى لِما أُشاهده مِن ضياع هذا الجيل من أبناء المسلمين وشبابهم، بسبب الانخراط شبه التام في ثقافة العولمة التي تقودها وسائل الإعلام، لدرجة عدم قدرة الآباء على توجيه الأبناء، فأصبحوا يقلِّدون كل ما يشاهدونه ويسمعونه ..

لقد انتابتني حالةٌ من الحزن والأسى لِما أُشاهده مِن ضياع هذا الجيل من أبناء المسلمين وشبابهم، بسبب الانخراط شبه التام في ثقافة العولمة التي تقودها وسائل الإعلام، ووسائل التواصل المختلفة، لدرجة عدم قدرة الآباء على توجيه الأبناء، فأصبحوا يقلِّدون كل ما يشاهدونه ويسمعونه في تلك الوسائل.

 

فعندما يخرج أي سلوك غربي، سرعان ما يفعله الشباب، وكذلك النساء، وهنَّ أكثر هوسًا في اتباع جنسهن من الغربيات في متابعة الأزياء، والتعري والرقص، وكل هذه الأمور المعلوم حُرْمتُها، ناهيك عن فعل الفواحش والإباحيات.

 

لقد فَقد الآباء والمجتمع قدرتهم على قيادة الأبناء والشباب، وهذا ما نبَّه إليه النبي صلى الله عليه وسلم منذ قرون عديدة؛ فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم، شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ تبعتُمُوهم»، قلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: «فمَنْ»؟؛ (البخاري).

 

ومن هنا كان تفكيري كأستاذ في التربية، أين الخلل؟ وما سر هذه الانتكاسة التي نمر بها؟

 

وجدت مِن أخطر الأسباب أن الأم في المنزل تترك أولادها أمام التلفاز، أو تعطيهم التاب يشاهدون ويسمعون ما تقدِّمه أنظمة الفساد العالمية المتخصصة في هلاك البشرية، مما تشتهيه النفس ويسوِّله الشيطان والمتعة المحرَّمة، وقد وصَف الله تعالى هذه المتعة، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12].

 

أما مؤسسات التربية والتعليم، فجودة التعليم بها تقوم على أُسس غربية، ناهيك عن تحوُّل التعليم الآن إلى مدارس اللغات الأجنبية الإنجليزية والأمريكية والفرنسية واليابانية والروسية، وهكذا، ومِن ثَم ضاعت الهوية،

 

ومن هنا كان الخلل.

 

إن الخشية من الله لم تعُد في القلوب نتيجة عدم الاهتمام بذلك في التربية بشكل عام في المنزل أو المؤسسات التربوية.

 

إن " الخشية من الله" هدف تربوي عظيم قد حدَّده الله عز وجل في سورة البينة؛ ليوضِّح به الفرق بين "خير البرية"، و"شر البرية"، فلو قرأنا هذه الآيات الثلاث يتَّضح لنا ذلك بكل وضوح، إنها سورة البينة.

 

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 6، 8].

 

إن علاج ما نحن فيه من ضلال وعدم تحكُّم في تربية الأجيال، يكمن في تربية النشء على الخشية من الله، وتحقيق هذا الهدف التربوي في مناهجنا التربوية في المنزل والمؤسسات التربوية التعليمية والدعوية والإعلامية.

 

الخشية من الله تعالى خيرُ مُعينٍ للانتصار على شهوات النَّفس وملذَّاتها، والقلب الذي لا تَسكُنُه الخشيةُ من الله عزَّ وجلَّ كالبيت الخَرِب، وإنَّ انتشار المعاصي في حياة الكثير من النَّاس يرجع إلى غياب الخشية من الله، حتى أصبح استصغار الكبائر عند بعض الناس أمرًا مُستساغًا، فاسودَّت القلوب وأظلمت.

 

فالخشية من الله تعالى تُبعد الإنسان عن الشهوات والنزوات واللذات المُحرَّمة، فما كان عند العاصي من الآثام محبوبًا يكون عند الذي يخشى ربه مذمومًا مشؤومًا.

 

والخشية من الله تعالى تُعين العبد على الاجتهاد في العمل الصالح الخالص لله تعالى وحده، جاء في القرآن الكريم: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 10]، {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة: 44]، {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].

 

{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45]، {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 33].

 

والخشية من الله تعالى ترفَع صاحبها إلى رضا الله تعالى ورحمته، ويُوصل صاحبه إلى الملاذ الآمن تحت ظل عرش الله يوم القيامة، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلج النارَ رجلٌ بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم»؛ (رواه الترمذي) .

 

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: أين نحن من هذا؟

مما لا شك فيه أن من أهم الوسائل لتزكية النفوس هو تربيتها على الخوف من الله عز وجل.

 

فنحن نحتاج إلى تهيئة البيئة التربوية الإيمانية التي تكسب المرء رقة القلب واستشعار الخشوع.

 

كما نحتاج إلى القدوة الصالحة في التربية على استشعار الخشوع فأين هذا الآن؟ فقد أصبحت الدعوة الآن مهنة لكسب المال لا لكسب رضا الله.

 

إن على كل فرد أن يربي نفسه على خشية الله.

وعلى كل رب أسرة أن يربي أولاده على خشية الله.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وعلى كل مسؤول تربيةٍ في مكانه أن يعبد وسائل النشر ومؤسسات التربية والدعوة لتربية المجتمع على حشية الله؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه؛» (متفق عليه).

____________________________________________
الكاتب: أ. د. فؤاد محمد موسى