حول حديث: "صنفان من أهل النار.."

منذ 2023-01-08

قال رسول الله ﷺ: «صِنفان من أهل النار لم أرَهما؛ قوم معهم سِياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مُمِيلات مائلات، رؤوسهن كأسْنِمة البُخْتِ المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدْنَ ريحها، وإن ريحها لَيوجد من مسيرة كذا وكذا»

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنفان من أهل النار لم أرَهما؛ قوم معهم سِياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مُمِيلات مائلات، رؤوسهن كأسْنِمة البُخْتِ المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدْنَ ريحها، وإن ريحها لَيوجد من مسيرة كذا وكذا»[1].

 

 

تمهيد:

جرت عادة الإمام مسلم في صحيحه أن يذكر كل حديث برواياته في موضع واحد يراه مناسبًا له، فلا يكرر حديثًا في موضعين إلا نادرًا، حينما تمس الحاجة الملحة إلى التكرار، كما أشار إلى ذلك في مقدمته، ومن هذا النادر حديث أبي هريرة هذا؛ ذكره في باب اللباس، ثم أعاده بسنده ولفظه في باب جهنم أعاذنا الله منها؛ وذلك لشدة مناسبته في الموضعين، وقد شرحه الإمام النووي شرحًا مجملًا في باب اللباس، ثم شرحه شرحًا مفصلًا بعض التفصيل في الموضع الآخر، وبيَّن في كلا الموضعين أنه من معجزات النبوة؛ إذ وقع هذان الصنفان كما وصفهما النبى صلى الله عليه وسلم، ولا يزالان موجودَين.

 

أبو هريرة:

هو عبدالرحمن بن صخر الدوسي، أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبا هريرة"؛ لهرة كان يحملها أو يحمل أولادها، وكان إسلامه ومَقدَمُه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة سبع من الهجرة، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع؛ فمن الصحابة ابن عباس وابن عمر، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والأعرج عبدالرحمن بن هرمز؛ قال الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره" ... مات في المدينة سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة، وأُلِّفت في حفظه وأخباره مؤلفات[2].

 

المفردات والشرح:

 

(صنفان): مبتدأ، تثنية صنف، بكسر الصاد وفتحها: النوع والضرب من الشيء، والضرب: المثل والشكل، والجمع أصناف وصنوف، والتصنيف: تمييز الأشياء بعضها من بعض.

 

(من أهل النار): أي: أصحابها المخلدون فيها إن استحلوا هذه المحرمات مع علمهم بتحريمها، وماتوا على ذلك ولم يتوبوا توبةً نصوحًا، فهم المخلدون فيها، والجار والمجرور (صنفان من أهل النار) متعلقان بالمبتدأ.

 

(لم أرهما):

خبر المبتدأ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يَرَ في هذه الحياة الدنيا هذين الصنفين من الناس ظاهرَين للناس في عصره النبوي، وإنما أخبره بهما أمين الوحي، أو رآهما منامًا أو إلهامًا، ورؤيا الأنبياء وإلهامهم من ضروب الوحي، أو اطلع في النار باطلاع الله له فرآهما يعذبان؛ كما قال صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنهما: «اطلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء»[3].

 

«قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس»:

قوم: بدل من "صنفان"، بدل بعض من كل، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الصنفان قوم، والقوم جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، ويدل على ذلك مقابلة المعطوف عليه "نساء"؛ ومن هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11]، والواحد رجل، وامرؤ، من غير لفظه، والجمع أقوام، وفي القاموس: "القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا، أو الرجال خاصة، أو تدخله النساء على تبعية".

 

(سياط): أصله سواط، جمع سوط؛ وهو آلة الجلد، وقُلِبت الواو ياء للكسرة قبلها، ويُجمع على الأصل "أسواط"، والفعل: ساط يسوط سوطًا: إذا ضربه بالسوط، وسُمِّي السوط سوطًا؛ لأنه إذا سِيط به إنسان أو دابة خُلط الدم باللحم من السوط؛ وهو خلط الشيء بعضه ببعض.

 

ولا يخفى أن (سياط) مبتدأ مؤخر، و(معهم) خبر مقدم، والجملة الاسمية (معهم سياط) صفة لقوم، والجار والمجرور في قوله (كأذناب البقر) صفة لسياط، و(قوم ... يضربون بها الناس) جملة فعلية.

 

و(نساء):

معطوفة على قوم، وهن الصنف الثاني المقابل، وفي القاموس: "النسوة بالكسر والضم، والنِّساء والنِّسوان النِّسُون - بكسرهن - جموع المرأة من غير لفظها".

 

(كاسيات عاريات): فيها أقوال:

أولها: كاسيات من نعمة الله، عاريات من شكرها.

والثاني: كاسيات من الثياب، عاريات من فعل الخير، والاعتناء بالطاعة.

والثالث: يكشفن شيئًا من أبدانهن؛ إظهارًا لجمالهن، فهن كاسيات وعاريات في الحقيقة.

والرابع: يلبسن ثيابًا لا تستر عوراتهن، كاشفات الرأس؛ إظهارًا لجمالهن، فهي كسوة عارية؛ لقصرها، أو لرقتها، أو لضيقها كاشفة لعوراتهن، فهذه كاسية بالاسم، عارية في الحقيقة.

والخامسة: كاسيات بالحلي، عاريات من لباس التقوى.

 

(مائلات مميلات):

فقيل: المائلات عن العفة والاستقامة إلى الفواحش والمنكرات.

وقيل: الميل هو الانحراف والزيغ، فهن زائغات عن طاعة الله تعالى وغيرها.

وقيل: المائلات المتبخترات في مشيتهن، المميلات لأكتافهن.

وقيل: مائلات إلى قلوب الرجال، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن أو ثيابهن، أو هيئتهن أو كلامهن، أو غير ذلك.

وقيل: مميلات يعلمن غيرهن من النساء الأخريات، ويشجعهن على الفساد مثل فعلهن.

 

(كأسنمة البخت):

البخت: الإبل الخراسانية، وتمتاز بطول أعناقها، الذكر منها بُختي، والأنثى بخيتة، وتجمع على البخاتى بالتخفيف والتثقيل، وقيل إنها معرَّبة، والأسنمة جمع سَنام بفتح السين، وسنام الشيء أعلاه، وكل شيء علا شيئًا فقد تسنَّمه.

 

(وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا):

الظاهر أن هذه الجملة حالية من الجنة في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلن الجنة»، أو من ضميرها المنصوب العائد عليها في قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يجدن ريحها»، وأيًّا ما كان الأمر؛ فالمقصود منها تقرير ما قبلها، وتأكيده من عدم دخولهم الجنة، وعدم وجودهن ريحها الذكية العبقة[4] البعيدة المدى، التي يجدها من كان بينه وبينها مسيرة أربعين عامًا كما في رواية، أو مسيرة خمسمائة عام كما في رواية الموطأ، على حسب مقامات أهل الجنة ودرجاتهم؛ فيقول صلى الله عليه وسلم: ((كذا وكذا))؛ كناية عن هذا العدد.

 

وفي المصباح: الريح بمعنى الرائحة: عَرَض يُدرَك بحاسة الشم، مؤنثة يقال: "ريح ذكية"، وقال الجوهري[5] يقال: "ريح وريحة"، كما يقال: "دار ودارة"، وراح زيد الريح يراحها روحًا من باب "خاف": اشتمَّها.

 

وأصل "كذا وكذا": "ذا" الإشارية، وأُدخل عليها كاف التشبيه بعد زوال معنى الإشارة والتشبيه، وجُعل كناية عن مقدار الشيء وعدته؛ فتنصب ما بعدها على سبيل التمييز، فتقول: "اشتريت كذا وكذا كتابًا"، ويكون كناية عن الأشياء؛ فتقول: "فعلت كذا وقلت وكذا".

 

وقد أفاد هذا الحديث: أن هاتين الجريمتين من الكبائر؛ حيث استحق أصحابها أن يكونوا من أصحاب النار: جريمة إيذاء الناس بغير حق، وجريمة تهتُّك النساء وتبرُّجهن.

 

كما أفاد أن الله تعالى يطلع أنبياءه على بعض المغيبات لتكون معجزة لهم؛ فقد تحقق هذا الحديث حرفيًّا منذ زمن قريب.

 


[1] النسائي ص 109، ح: 14، ص: 190، ح: 17، في كتاب الجنة ونعيمها وأهلها: باب جهنم أعاذنا الله منها، والشطر الثاني: "نساء ...؛ إلخ" في الموطأ فيما يُكره للنساء لِبسه من الثياب، ص 103، ح: 3، والسيوطي ص 216، ح: 6، شرح الزرقاني على الموطأ.

[2] الخلاصة، ص 397، الرائد، ص 41 – 46، الشهاوي، ص 238.

[3] الجامع الصغير، ص 45، ح: 1، شرح العزيزي، ص 233، ح: 1، المناوي، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عباس، والبخاري والترمذي عن عمران بن حصين.

[4] مكان عَبِقٌ: تَفُوح منه رائحة الطيب.

[5] الجوهري إمام اللغة، أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي الأتراري، وأترار هي مدينة فاراب، مُصَنِّف كتاب " الصحاح " وأحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة ....

_______________________________________________

الكاتب: الشيخ طه محمد الساكت