البقاء مع رجُل يخون زوجتَه ويحلف بالطلاق كثيرًا

منذ 2015-04-17
السؤال:

السَّلام عليْكم ورحمة الله وبركاته،

هل يجوز البقاء مع رجُل يخون زوجتَه ويَحلف بالطَّلاق كثيرًا؟
هذا السؤال من طرف صديقةٍ لي تُريد النَّجاة من الحرام، أرجو منكم - مشايخَنا الأفاضل - الرَّدَّ عليه في أقْرب وقت ممكن، جزاكم الله عنَّا خير الجزاء.

قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].

شيخَنا الفاضل، عندي مشكلة كبيرة مع زوجي ولا أعلم الحكم الشَّرعي فيها، وهل أنا على صواب؟

شيخَنا الفاضل، إنِّي متزوِّجة منذ أربعَ عشرة سنة، لي أربعة أولاد منه، قصَّتي بدأتْ يوم اكتشفتُ خيانتَه لي مع نساءٍ أُخْريات في الحرام، لمَّا صارحتُه بِهذا الأمر الذي اكتشفتُه فيه أهاننِي وضربنِي، وحرمنِي صلة الرَّحِم.

يَحلف بالحرام وبالثَّلاثة عليَّ ويُخْرجني من البيت في كلِّ مرَّة، ثمَّ يَرجِع من الحلف كأنَّه لم يحلف أبدًا.

طلبتُ منْه الزَّواج بِمن يحب حتَّى يكون عمله في الحلال، ويبعد عن الحرام، يرفض بشدَّة ويطلب منِّي الصَّمت؛ لأنِّي لا شيءَ في حياتِه، أذلَّني ومسح كرامتِي في التُّراب بِحُكم أنَّه زوجي وأنَّ الشَّرع معه، يفعل ما يريد ثُمَّ يشبعني ضربًا، ولا يهتمُّ بِمعالجتي أو أي شيء يخصُّني.

صبرتُ من أجل أولادي، واليوم أخرجنِي من البيت مضروبةً ومريضة - بعد الولادة بشهرين - وحلف عليَّ بالثلاث وبالحرام وأنَّه لا يُريدني أبدًا، تركت الأولاد معه، وذهبت إلى بيت أهلي مع أخي بعدما اتَّصلتُ به ليأخذني، ومع العلم أنَّ هذه ثالث مرَّة يطلِّقني فيها ويُخرجني من البيت، كما يعلم هو هذا جيِّدًا.

والمصيبة أنَّه حافظ كتاب الله، ويعلم كثيرا من أمورَ الدين، يعود لي بعد أسبوعين يطلب منِّي العودة من أجل الأولاد فقط، والكُلُّ يطلُب منِّي العوْدة إلى هذا الرَّجُل؛ لكن لا أُريد الحرام ولا العودة إليْه؛ لأنَّه لا يستحيي من الله ولن يَستقيم، وما زال يقول: إنَّ كلِمة الحرام لا تُعَدُّ طلقة، ويُريد إعادتي بكتْب كتابي أمام الناس، وبِحضور جَماعة بعد ما فضحتُه أمام العامَّة، يُريد إعادتي ليتستَّر على فضيحته كأن لَم يحدُث، ويتَّهمَني بأنِّي أفشيتُ سرَّه وهو مِن أسرار الزَّوجين.

وأنا أعلم عِلْم اليقين وبالدَّليل القاطع خيانتَه لي، كما أعلم وهو يعلَم جيِّدًا حديث ابن مسعود - رضي الله عنْه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «لا يَحلُّ دمُ امرئٍ مسلم يشْهد أن لا إله إلاَّ الله وأنِّي رسولُ الله إلاَّ بإحدى ثلاث: الثيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لِدينه المفارق للجماعة»؛ رواه البُخاري ومسلم.

الثيِّب الزَّاني: هو الَّذي تزوَّج ثمَّ زنى بعد أن منَّ الله عليه بالزَّواج، فهذا يحلُّ دمُه؛ لأنَّ حدَّه أن يُرْجَم بالحِجارة حتَّى يموت.

لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.

السؤال: هل يَجوز التستُّر على الزَّوج الزَّاني من أجل الأولاد؟

هل اللَّفظ بكلمة الحرام كلَّ مرَّة لا تعدُّ طلقة؟

هل الحلِف بالثَّلاث لا يعد طلاقًا؟

هل يَجوز العوْدة إلىهذا الرَّجُل بكتْب الكتاب وانتهى؟

شيخَنا الفاضل، المجتمع يضغط عليَّ اليوم بالعودة من أجل الأولاد، ولا ندخُل في المحاكم، ويقولون: حلاله له وحرامه له، رجائي فيكم كبير شيخَنا الفاضل، أرشدني إلى الصَّواب.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلا شكَّ أنَّ وقوع الرَّجُل في الزِّنا، أو ما دونَه من أي علاقة مشبوهة - هو خيانة لحقِّ الله تعالى، ونقض لميثاقِه سبحانه، وتعدٍّ لحدوده، وقد سبق أنَّ بيَّنَّا حكم الزَّاني في فتاوى على موقعنا يرجى الرجوع إليها.

أمَّا عقد الزوجيَّة، فلا ينفسخ بوقوع الزَّوج في الزنا؛ قال البُهوتي في "كشاف القناع": "وإن زنتِ امرأةٌ قبل الدُّخول أو بعده، لم ينفسِخ النِّكاح، أو زنَى رجلٌ قبل الدُّخول بزوجته أو بعده، لم ينفسِخ النِّكاح بالزنا؛ لأنَّه معصية لا تُخرج عن الإسلام، أشبه السَّرقة؛ لكن لا يطؤُها حتَّى تعتدَّ إذا كانت هي الزَّانية". اهـ.

قال ابن قدامة - رحمه الله -: "وإن زنت امرأة رجل، أو زنى زوجُها، لَم ينفسِخ النِّكاح، سواءٌ كان قبل الدُّخول أو بعده، في قوْل عامَّة أهل العلم، وبذلِك قال مجاهد وعطاء والنَّخعي، والثَّوري والشَّافعي، وإسحاق وأصْحاب الرَّأي".

وأمَّا كثرة الحلِف بالطَّلاق، فإذا قَصَدَ الزَّوج بِه الطَّلاقَ عند الحنْثِ، وَقَعَ الطلاقُ به، أمَّا إن قصد به يَمينًا، فلا يقع الطَّلاق؛ ولكن يلزمُه كفَّارة اليمين عن كل مرة.

أمَّا الحلِف بالحرام، فلا يَخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يقصد به التَّحريم كظهر أمه أو بنته أو أخته، وفي هذه الحالة يعتبر ظهارًا، وهو محرَّم، ولا يجوز لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2]، والواجب على الزَّوج أن يتوب إلى الله - تعالى - ويستغفره، وليعلم أنَّه لا يحل له أن يقرب زوجته حتَّى يأتي بالكفَّارة، وهي عتْق رقبة مؤمنة إن وجدها، فإن لم يَجِدْها صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطِع أطعم ستين مسكينًا؛ قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 3]، وقال - تعالى -: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 4].

الحالة الثانية: أن يقصد به الطَّلاق، وفي هذه الحالة تُحْسَب عليه طلقة.

الحالة الثَّالثة: أن يقصد به يَمينًا، فكفَّارته كفَّارة اليمين.

والذي ننصح به السائلة الكريمة: أن مسائل الطلاق المذكورة في ثنايا سؤالها يصعب الجواب عنها جملة لأنها تحتاج الاستفصال الحالف وسؤاله والتأكد مما قاله لذلك فالواجب عليكما أن تذهبا لأحد لجان الفتوى المعتمدة والمعتبرة في بلدكما، فإن كانت تلك الأيمان واقعة؛ فقد قضي الأمر، وإن كانت يمينًا مكفرة؛ نظرت فإن لمستي منه أيبة للحق وتوبة نصوحًا وتغيُّرًا للأفضل، فلا بأس من العودة إليه.

أما إن ظلّ سادرًا في غيّه، غير مكترث بحقوقك، مجترئ على حدود الله فننصحك بعدم العودة إليه؛ قال الله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130].  

وننبِّه السَّائلة إلى أنَّه لا يجوز أن تقول: "برحمة الوالدين"؛ حيث إنَّه لا يجوز الحلف بغير الله،،

والله أعلم.

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام