أيقظ أهله

منذ 2012-08-11

«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله».



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» [صحيح البخاري (2024)]، وهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حين تدخل عليه العشر الأواخر من رمضان يتغير حاله، وتزيد صلته بربه عز وجل، فكان عليه الصلاة والسلام يقوم بأعمال لا يقوم بها في غيرها من أيام هذا الشهر المبارك.

وهذه الصورة التي تصفها لنا عائشة رضي الله عنها توضح لنا الحال الذي ينبغي أن يكون عليه العبد في مثل هذه الأيام؛ تأسياً واقتداءً به عليه الصلاة والسلام في الأعمال التي كان يقوم بها.


وهنا سؤال يطرح نفسه وحاصله: ما معنى هذا الاجتهاد في العشر الأواخر دون العشرين الأول من هذا الشهر؟

قال العلماء: "كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان، ولكن اجتهاده في العشر الأواخر من رمضان أكثر من اجتهاده في بقية رمضان، ويعزون السبب في ذلك إلى أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأوائل، ثم اعتكف العشر الوسطى، ثم اعتكف العشر الأخيرة، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه أول ما اعتكف إنما كان يترقب ليلة القدر أن توافيه وهو منقطع فيها إلى الله، فلما اعتكف العشر الأوائل في سنة أتي فأخبر: "بأن الذي ترجوه أمامك" يعني ليس في العشر الأوائل، وفي السنة الثانية اعتكف العشر الوسطى، ثم أتي فقيل له: "إن الذي ترجوه أمامك"، فنظر إلى الناس من خبائه وقال: «من كان اعتكف معي فليظل في معتكفه، فإني معتكف العشر الأواخر»، واعتكف العشر الأواخر، وظل يعتكف في العشر الأواخر حتى قبضه الله" (شرح بلوغ المرام، لعطية بن محمد سالم (156/10)).


هكذا كان حال المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف حال أبناء الإسلام اليوم في شهر رمضان المبارك خاصة هذه العشر المباركة؟


الناظر في حال المسلمين اليوم يرى العجب فيهم، وذلك من خلال ثلاثة أمور:


الأمر الأول: قبل دخول هذا الشهر المبارك نرى الكثير من المسلمين يستعدون لهذا الشهر المبارك بجلب أنواع الأطعمة، والحرص على اقتناء الكثير منها، ولسان حالهم يقول: سنحرم من الأكل طوال اليوم، وسنعوض في الليل.


الأمر الثاني: يغفل الكثير عن أن هذا الشهر الكريم منحة ربانية للعباد، وأن على العبد أن يستغل جميع أوقاته ولحظاته في الليل والنهار، وأن يسعى لأن يحقق الحكمة التي حددها الشارع الحكيم من هذه العبادة في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

سيد قطب: "وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم: إنها التقوى، فهي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة طاعة لله، وإيثاراً لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً وضيئاً يتجهون إليه عن طريق الصيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}" (في ظلال القرآن (1/140)).

فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} جملة تعليلة جيء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام، فكأنه سبحانه يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن رضي الله عنهم، ورضوا عنه.


الأمر الثالث: عندما يدخل الشهر الكريم ترى المساجد عامرة بالمصلين، وقارئي القرآن الكريم، وبمجرد مرور أيام قليلة إذا بتلك المجاميع تقل، ومع دخول العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك نرى الكثير يوقظون أهليهم لا للعبادة بل للأسواق، ويتركون الفضل العظيم في هذه العشر الأواخر من هذا الشهر، والنفحة الربانية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


فنسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه مرداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
 

المصدر: موقع رمضانيات
  • 1
  • 1
  • 8,891

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً