تونس: أصابع خارجية وراء فتنة العبدلية

منذ 2012-08-19

عبد الباقي خليفة


تحاول أطراف داخلية وخارجية إجهاض الثورة العربية، بما في ذلك تونس التي كانت سباقة لطي صفحة الاستبداد والتطلع لمستقبل تكون فيه شعوبنا سيدة نفسها وسيدة قرارها. ورغم ما يقال عن الترحيب الخارجي بهذه الثورة، فإنه يجب الحذر كل الحذر من أكثر من عرقوب وأكثر من طراودة.

أجندة خارجية:
لقد شهدت تونس منذ 14 يناير 2011 م العديد من المحاولات الساعية لإعادة إنتاج النظام السابق، ولا تزال هذه المحاولات جارية لهذا الغرض من خلال المراهنة على فشل الحكومة القائمة. وهناك جهات عدة تساق إلى حتفها كما سيقت في السابق من خلال تخويفها من الإسلام والإسلاميين ودعوتها للانخراط في سياسات تجفيف الينابيع وحماية حملات الإساءة إلى الإسلام والإسلاميين والدفاع عنها باسم الحرية. دون ضوابط إذ أن حرية الفرد تنتهي عند بداية حرية الآخر. أو بتعبير برناردشو -الذي أدخل أحدهم إصبعه في أنفه- مبررًا ذلك بممارسة حريته "حريتك تنتهي عند حدود المجال الذي يمكنني فيه استنشاق هواء نظيف". ولذلك يمنع التدخين في الأماكن العمومية، ويمنع في الغرب شرب الخمر بكميات محددة عند سياقة السيارات، وتحدد السرعة في الطرقات، وذلك لا يعتبر كبتـًا للحرية أو تعديًا عليها، لأن إطلاقها بدون قيود فيه ضرر بالآخرين وتعديًا على حقوقهم في السلامة والحياة.

ولا شك بأن الجهات التي تسعى لإثارة الفتن والبلبلة في تونس، أعيتها الحيل، وشعرت بالفشل بعد محاولات يائسة لبث الفوضى من خلال إحداث الاعتصامات، والمظاهرات، وغلق المؤسسات الإنتاجية، وقطع الطرق، وتعطيل الإنتاج، ومحاولة إفشال الموسم السياحي، والفلاحي (الزراعي) فعمدت إلى حيل أخرى لتحقيق أهدافها وهي المس بالمقدسات. من خلال كتابة أسماء الله بالحشرات، وتصوير المحجبات بشكل مستفز، والملتحين كما لو كانوا مصاصي دماء. وعندما لم يأبه لإجرامهم أحد قاموا بتوزيع منشورات على المساجد والفيس بوك، لدفع الناس لرد الفعل، وقد كان.

ولا شك أيضًا بأن القيام بعرض صور مسيئة، لا تخدم أي طرف آيديولوجي أو سياسي في تونس، وقد جرب الجميع مثل تلك الاستفزازات الإجرامية في السابق، وأفرزت نتائج عكسية يعلمها الجميع. وأدت إلى زيادة حدة الظواهر التي سلط البعض عليها الضوء، وهو ما لا يخدم البلاد، ولا أي طرف داخلي. وإنما يخدم أهداف مَن يريدون لتونس أن تنزلق إلى أتون العنف والحرب الأهلية، واللجوء إلى السلاح لفض النزاع بدل استخدام الوسائل السلمية والحوار والتناظر ومقابلة الحجة بالحجة.

وليس صحيحًا ما ورد على ألسنة من قاموا بتلك الرسوم، بأنهم يريدون اختبار صبر الحكومة، وسعة أفقها، وتحملها وتسامحها. رغم أن ما تم عرضه جرى دون ترخيص قانوني، ودون علم الوزراة، ودون تضمين تلك الصور لكتيب اللوحات المعروضة، وغيابها طيلة الأيام العشرة للمعرض ما عدا اليوم الأخير، وهو ما يعني أن
له أهدافًا تتجاوزاختبارالحكومة. وإنما إدخال الحكومة في صراع مع الشعب الذي لم يرضيه ما تم تصويره.

وكما قال وزير حقوق الانسان والعدالة الانتقالية: "لم يغضب السلفيون فقط وإنما الشعب التونسي كله غاضب من الاعتداء على مقدساته". وذكر بأن القانون "يجرم الأقوال كما يجرم الأفعال". ووصف الاعتداءات التي طالت مقر محكمة وعدد من مراكز الشرطة بأنها غريبة ومشبوهة . لكنه أكد على أنه "لن يتهم أحد إلا بعد استيفاء التحقيقات".

أما وزير الداخلية علي العريض فقد أوضح بأن "حجم التحديات الأمنية ليس صغيرًا كما يظن البعض" واتهم مَن قال أنهم " يفرحون لكل مصيبة وهم ضلع في كل مصيبة" دون أن يذكر جهة بالاسم.



الغموض سيد الموقف:
عندما علم الناس بما جرى في معرض الفنون ب"العبدلية" بالعاصمة تونس، حاول بعض الشباب اقتحام المعرض، لكن الأمن منع المحتجين من الدخول. وقامت جهات أخرى لم تعرف هويتها الحقيقية بعد بإحراق محكمة ومراكز شرطة. كما قامت مظاهرات في عدد من المدن التونسية سقط على إثرها قتيل في سوسة، وأصيب العشرات بجروح في أماكن متفرقة. وأكدت وزارة الداخلية محاولة اقتحام المعرض، بيد أن القائمين على المعرض عرضوا الصور وهي ممزقة، مما يعني تورطتهم في عملية الإثارة كاملة، والتي لا يمكن أن تكون جرت بشكل عفوي.

والأسئلة التي يجب أن تكشفها الأبحاث هي: من مزق الصور؟ ولماذا اتُّهم السلفيون بذلك وهم لم يدخلوا المعرض؟!. ومن قام بحرق مقرالمحكمة، ومراكز الشرطة، والسلفيون يتبرأون من ذلك؟!!!

وزيرحقوق الانسان والعدالة الانتقالية، سمير ديلو، أكد على أن الرد على المس بالمقدسات لا يكون سوى بصورة سلمية وقانونية، ومن يخرق القانون ويستخدم العنف ويعتدي على المؤسسات الخاصة والعامة ولا سيما مؤسسات الدولة فإنه يدخل تحت طائلة القانون مهما كان المبرر الذي يستند عليه.

وزيرالثقافة مهدي المبروك، أوضح بأن "طريق الحرية به محاذير وأفخاخ وقدرة الدولة على حماية الحرية يتطلب الحكمة، بعيدًا عن كل أشكال السقوط والانزلاق نحو مطبات تضر بالحرية وتضر بالإبداع أكثر مما تنفعه". وتابع: "أريد أن أذكر بأن ما وقع في العبدلية يستند على ردود أفعال على ما يسمى (ربيع الفنون) في المرسى، والذي أشرفت عليه، جمعية الفنون التشكيلية، بالاشتراك مع شركة سيفايزر (أجنبية)" وأردف: "الجهات التي تقدمت بطلب الترخيص، أخلت بشروط العقد والالتزام بعدم إزعاج الزوار، وعدم التنكر داخل المعلم، وتحمل المسؤولية المادية والمعنوية بمفردها للحوادث التي قد تقع بسبب استغلالها للمكان مدة نشاطها فيه، إلى غير ذلك من الشروط".

المفاجأة هي أن المعرض استمر 10 أيام بدون أية مشاكل، وفي يوم الاختتام، ظهرت صور مسيئة للإسلام والمسلمين، ثم قام البعض بتصويرها ونشرها وتوزيعها على المساجد "لماذا في يوم الاختتام يثار ما يثار من ردود الأفعال، حيث لم يتضمن كتيب المعرض الصور التي تم عرضها في ختام العرض" وأوضح الوزير أنه أشرف على العديد من المعارض التي افتتحت بالكثير من الألق والكثير من الإعجاب في حين اختتم معرض العبدلية بالكثير من العنف؟!

وأكد على أن اللوحات التي عرضت في اختتام المعرض تحمل الكثيرمن الإساءات للمقدسات الإسلامية، والسخرية بجزء كبير من الشعب التونسي، وهي محل بحث وتقصي. وقد أصدرت وزارة الثقافة التونسية بيانًا أكدت فيه أن "بعض الأعمال وليس جميعها فيها مس بالمقدسات، ونؤكد بأن الاستفزاز الفني لا يبرر التعدي على المقدسات وإثارة الرأي العام. وأن الحكومة ووزارة الثقافة على وجه الخصوص مؤتمنة على حرية التعبير ما لم يتجاوز الخطوط الحمراء، فمشاعر المسلمين بقطع النظر عن انتماءاتهم هي ما يجب علينا أن نستحضره وما يجب علينا أن ندافع عنه ونحميه". وأضاف: "اتخذنا قرار إغلاق مقر العبدلية إلى حين تعيين إدارة تشرف على الأعمال التي تقام فيه. والقرار الثاني قدمت وزارة الثقافة دعوى ضد الجمعية لعدم احترامها لالتزاماتها وإخلالها بالعقد الموقع مع الوزارة. وتشمل الدعوى كل من يثبت تورطه ونحن سنحترم استقلال القضاء".

ممارسات مشبوهة تسلتزم الحكمة واليقظة:

وزراة الداخلية من جهتها، شككت في دوافع ردود الأفعال كما شككت في نوايا أصحاب بعض اللوحات ومن يقف وراءهم "أعمال عنف وشغب وحرق تعرضت لها محكمة ومراكز أمنية بالإضافة لاعتداءات شملت رجال الامن ومواطنين. حيث تم اقتحام مقر المحكمة واستعمال الزجاجات الحارقة. وألحقت أضرارًا بقاعة الجلسات والاستيلاء على كيس من الأموال". وأنه "ألقي القبض على عدد من الأشخاص، من أصحاب السوابق في بيع الخمر خلسة والإجرام".

وأن وزارة الداخلية كانت بالمرصاد، إذ تم "اعتقال نحو 200 موقوف، سيقع إحالتهم على العدالة، بعضهم من ذوي السوابق العدلية". كما إن "وزارة الداخلية حريصة على تطبيق القانون، وحريصة على ردع الأعمال الإجرامية، المدانة معنويًا والمجرَّمة قانونـًا، وذلك بالتعاون مع وحدات الجيش الوطني دون تدقيق في الخلفيات الآيديولوجية للمجرمين".

وشدد وزير الشؤون الدينية نورالدين الخادمي، على أهمية اليقظة ودعا لإنجاح الثورة دون سقوط في ردود الأفعال التي تشتت الجهود وتضيع البوصلة "ندعو شعبنا الكريم وشباب تونس إلى مزيد من اليقظة والانتباه لما ستؤول إليه الأمور لا سمح الله في الاتجاه المعاكس لمسار بلادنا ومسار ثورتنا، التي ضحى من أجلها الشهداء الأبرار، والتي قدم فيها شعبنا التونسي قوافل الشهداء، منذ زمن بعيد، القصد القصد تبلغوا الطمأنينة والسكينة". وناشد الشعب لالتزام الهدوء "نناشدكم بالله سبحانه وتعالى أن نحافظ على ثورتنا وأمننا واستقرارنا" وواصل قائلاً: "أصدرنا بيانًا لوزارة الشؤون الدينية وقلنا أن الاعتداء على المقدسات أمر مرفوض وهو خط أحمر ولأن هذا الاعتداء لا يمثل سوى جزءًا من الإساءة، التي عرفت شبه مسلسل بدأ منذ مدة ليست بالقصيرة".

وشدد على إسلامية تونس "هذا شعب مسلم لا بد من احترام مقدساته وثوابته وحضارته وتاريخه. وهذا الشعب الذي ضحى من أجل هذه الثورة لم يضحِ من أجل أن يمس في مقدساته وإنما لإجلال هذه المقدسات وحفظها والاعتزاز بها، إذ تشكل المقدسات والثوابت ركنـًا متينـًا للوحدة الوطنية. خلاف هذا لا سمح الله يفضي إلى الفرقة وإلى الفتنة والله سبحانه نهانا عن الفتنة في موضعين من القرآن الكريم {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] و{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] واعتبر أن أي لون من ألوان الاعتداء تعدٍّ على الأنفس أو الأموال أو العقائد إنما هو اعتداء مرفوض وممنوع. وهذا ثابت في قوله تعالى: {ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين} وننبه إلى خطورة هذه التصرفات وإن كان البعض يعتبرها هينة وبسيطة ولكنها في الحقيقة قد تؤول إلى أمور نحن في غنى عنها في هذه اللحظة التاريخية المهمة {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّـهِ عَظِيمٌ} [النور:15]".

وذكر بأن الرسائل لا تكف عن الورود والهواتف لا تكف عن الرنين فضلاً عن جمهور من الناس قدموا للوزارة يسألون ماذا يفعلون فدعونا لتجنب العنف سواء كان لفظيًا أو ماديًا واللجوء للقضاء وللوسائل القانونية وندعو الوعاظ الفقهاء والعقلاء أن يقفوا صفـًا واحدًا ضد من ينال من مقدسات بلادنا وثوابتها وحضارتها وقيمها".

  • 0
  • 0
  • 1,363

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً