نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

الدرس الذي لم يتعلمه (الأتاتوركيون) العرب

منذ 2012-12-03

في بدايات القرن الماضي قام اليهودي الأصل: «كمال الدين أتاتورك» بسلخ تركيا التي كانت تمثل مركز العالم الإسلامي وعاصمة الخلافة وقتها من عقيدتها وهويتها وحولها إلى مسخ مشوه, واستعان على ذلك بالغرب الذي كان في أوج قوته العسكرية بعد أن تغلب على الرجل المريض وهي الخلافة العثمانية وورث تركتها وقسمها غنيمة يعبث بحدودها وينهب خيراتها.

واستغل أتاتورك هذا الظرف التاريخي ليقيم دولته التي أراد لها أن تكون تابعاً للغرب في شتى المجالات، وألغى الخلافة ومنع الحجاب وحظر الأذان في مكبرات الصوت، وغيَّر الحرف العربي الذي كانت تكتب به اللغة التركية.

ورغم أن الأترك أعاجم وهم أقرب لأوروبا جغرافيّاً من العالم العربي إلا أنه وبعد مرور عشرات السنين استيقظ الشعب التركي من غفلته وانتفض على الأتاتوركية، وبدأ في التخلي عن موروثاتها البغيضة شيئاً فشيئاً، ولولا سيطرة حفنة من الأتاتوركيين على مناصب حيوية في الجيش والقضاء لزالت كلياً من البلاد ولنزع الأتراك صور أتاتورك وداسوها بالأقدام.

ليس بجديد على الأمة العربية أن يخرج من بين جلدتها رجل أو مجموعة من الرجال ينفخ فيهم الغرب لكي يبشروا "بنور الحضارة والتقدم"، شريطة الالتزام بالنهج الغربي في القوانين وفي المنظومة الأخلاقية التي تدير الحياة، فيدعوهم إلى التخلي عن الشريعة أو وضعها في برواز جميل من أجل التبرك بها فقط لأنها "ردة ثقافية", والإيمان بـ: "الهولوكوست" لإرضاء أسياده اليهود الذين يتحكمون في الرأي العام العالمي!!

ما يحدث الآن في مصر وتونس والمحاولات البادية في الأفق في سوريا من محاولات لوأد التجربة الإسلامية النقية التي اختارتها الشعوب عن وعي وإراة حرة يؤكد أن المخطط الأتاتوركي لم يمت، وأن العلمانيين العرب لم يعوا الدرس, أما رهانهم على غفلة الشعوب ومساندة الغرب وضعف التيارات الإسلامية فهو رهان خاسر من جميع الأوجه، فالشعوب استيقظت ولن تعود مرة أخرى لتسلم أمرها لعملاء بالفكر أو بالأجر، فقد جربت ذلك عدة مرات وكانت النتائج كما ترونها جميعاً, أما مساندة الغرب فلم تعد كافية وحدها بعد أن أصبح العالم كرة صغيرة وفضحت ثورة الاتصالات ألاعيب المخابرات ومخططاتها وكشفت نوايا الغرب تجاه العالم الإسلامي, وإذا جئنا لضعف التيارات الإسلامية فقد أصبح من الماضي فقد اكتسبت هذه التيارات الخبرة الكافية بعد أن عركتها المحن والتجارب وتعلمت من أخطائها وإن كانت تحتاج للمزيد من التوحد وإنكار الذات.

ما نراه في مصر الآن ليس بسبب الإعلان الدستوري أو الحفاظ على القانون والقضاء فهذا كذب وبهتان، فمن يستمع لهؤلاء منذ فوز الإسلاميين بالانتخابات البرلمانية وفوز مرسي بمقعد الرئاسة وموقفهم من مرشح الفلول أحمد شفيق يتأكد تماماً أن الأمر مرتب وأن التفجير كان يحتاج فقط لشرارة للبدء في التنفيذ، وهذه الشرارة كانت ستأتي اليوم أو غداً, وعندما نقول غداً فإننا لا نتكلم عن سنوات أو حتى أشهر ولكنها كانت أسابيع أو أيام قليلة، وكانت هناك العديد من السيناريوهات الموضوعة وعندئذ لم تكن المطالبة ستكون بسحب الإعلان الدستوري وحسب بل إسقاط الرئيس والإرادة الشعبية التي اختارته بدعوى: "شرعية الثورة".

إن البلاهة التي يتحدث بها زعماء التيار العلماني تدعو للدهشة! فهم فرحون بعشرات الآلاف على أقصى تقدير ويظنون أنهم سيقومون بثورة, بينما يرتعدون من الحشد الإسلامي ويعتبرونه "تجييشاً لحرب أهلية"! يا لها من "ديمقراطية" هذه التي يزعمون الدفاع عنها! هل يعتقد هؤلاء بسذاجتهم أنهم هم من أسقط مبارك بدون التيار الإسلامي والمتعاطفين معه وعموم الشعب المصري؟! هل يظنون أن مظاهرتهم التي شارك فيها عدة آلاف يوم 25 يناير كانت لتسقط مبارك بدون اتحاد جميع فئات الشعب وعلى رأسه التيار الإسلامي الذي أكد شعبيته الجارفة في جميع الانتخابات التالية للثورة؟! إنهم يكذبون حتى صدقوا أنفسهم, ورب ضرة نافعة حتى تنتهي هذه اللهجة المتعالية العرجاء التي دأب هؤلاء على التكلم بها منذ سقط النظام وليعلم هؤلاء حجمهم الحقيقي في الثورة وبعدها، فليست الثورة هي من خرج قبل الآخرين ولكن من يمتلك الزخم الشعبي وإلا ما أصبحت ثورة وهذه بديهية يعجزون حتى الآن عن فهمها مع الأسف الشديد، ويغررون بالشباب الغض الفرح بالثورة ويرمونهم في نيران معركة خاسرة حتماً.

أما ما يحدث في تونس فهي "أتاتوركية" أخرى يديرها يساريون وفلول نظام بن العابدين بإشعال التوتر والحرائق مستغلين حاجة الشعب وفقره، ورغم التنازلات العديدة التي قدمها الإسلاميون هناك إلا أن الأتاتوركيين أبوا إلا الفتنة والخراب وهو درس آخر يحتاج إلى مزيد من التمعن.


خالد مصطفى - 16/1/1434 هـ


 
  • 318
  • 0
  • 1,293
i