هل في المملكة العربية السعودية حرية دينية؟

منذ 2013-05-07

دأبت وزارة الخارجية الأمريكية على إصدار تقرير سنوي عن الحرية الدينية في العالم، وفي هذا التقرير تصنف المملكة العربية السعودية في فئة البلدان الأسوأ في انتهاك الحرية الدينية، لماذا؟


دأبت وزارة الخارجية الأمريكية على إصدار تقرير سنوي عن الحرية الدينية في العالم، وفي هذا التقرير تصنف المملكة العربية السعودية في فئة البلدان الأسوأ في انتهاك الحرية الدينية، إذ توصف بأنه لا وجود للحرية الدينية مطلقاً فيها، فحسب عبارة التقرير "الحرية الدينية غير معترف بها ولا هي مؤهلة للحماية بموجب قوانين البلد كما أن الحريات الدينية الأساسية ممنوعه على الجميع ماعدا أولئك الذين ينتمون إلى المذهب الوهابي، فالمواطنون محرومون من حرية تغييرعقيدتهم، فالإسلام هو دين الدولة وعلى الجميع أن يكونوا مسلمين، والمصلون من غير المسلمين يتعرضون للحبس والجلد والإبعاد وأحياناً للتعذيب، والتبشير من جانب غير المسلمين بما في ذلك توزيع المواد الدينية غير الإسلامية مثل الكتاب المقدس غير قانوني".

تقريباً في كل حوارٍ ديني يجرى بين المسلمين والمسيحيين في أوروبا وأمريكا يثير المسيحيون هذه الإشكالية:

في أوروبا وأمريكا يُسمح للمسلمين ببناء المساجد والمراكز الدينية فلماذا لا تسمح المملكة العربية السعودية للمسيحيين ببناء الكنائس والمراكز الدينية فيها؟

هذه حقائق:

1- لا تسمح المملكة العربية السعودية بالوجود الدائم فيها لغير المسلمين سواء؛ الأشخاص أو المؤسسات أو منشئات العبادة.

2- لا تسمح المملكة العربية السعودية بدخول غير المسلم داخل منطقة الحرم الشريف.

3- كل المواطنين السعوديين والمقيمين فيها إقامة دائمة من غير المواطنين مسلمون.

4- لا تسمح المملكة العربية السعودية بردة المواطن المسلم.

5- لا تسمح المملكة العربية السعودية بالدعوة إلى الردة عن الإسلام من قبل أي دينٍ آخر سواءً كان الداعي فرداً أو منظمة.

6- ينص النظام الأساسي للحكم أن: الكتاب العزيز وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هما الحاكمان على كل القوانين والإجراءات في المملكة، بما في ذلك النظام الأساسي للحكم ذاته.

7- الإسلام ليس مجرد دين بالمعنى الذي يفهمه غير المسلمين لكلمة دين Religion وإنما هو منهاج شامل للحياة فهو بالنسبة للمملكة العربية السعودية أكثر من قواعد القانون الطبيعي، أو قواعد النظام العام والآداب أو قواعد الدستور بالنسبة لأي بلد أوروبي أو أمريكي مثلاً.

ولكن هل أي من الحقائق المذكورة أو مجموعها تعنى أن المملكة العربية السعودية ليس فيها حرية دينية مطلقاً؟ أو أن الاستجابة لهذه الحقائق يشكل انتهاكا للحرية الدينية؟

الجواب:

أولاً:
جرى العمل في العالم الإسلامي منذ عهد النبوة وحتى العهد الحاضر، وفي مختلف أقطار العالم الإسلامي على إعطاء الأقليات الدينية تحت حكم المسلمين الحرية الكاملة للعبادة ووجود المعابد، ومُنِحوا سلطة أن يكون لهم قوانينهم الخاصة التي تحكم أفراد الأقلية، وأن يكون لهم قضاؤهم الخاص فيما يتعلق بما يكون بين هؤلاء الأفراد، وأن يستثنوا من القانون الجنائي العام بمعيار أن أي فعل مباح في ديانة الأقلية فلا يُعتبر إرتكابه من أحد أفرادها جريمة ولو كان القانون الجنائي العام يعتبره جريمة كشرب الخمر مثلاً.

ومن الصعب أن يوجد في أي نظام آخر مساحة من الحرية الدينية تعطيها السلطة الحاكمة للأقليات الدينية تقارب هذه المساحة. هذا يعني أن التسامح في الإسلام تجاه الديانات الأخرى قاعدة عامة.

ثانياً:
استثنى من هذه القاعدة من أول عصور الإسلام حتى العصر الحاضر، وباعتراف جميع المسلمين على وجه الأرض (مركز الإسلام الذي نشأ منه والذي يتجه إليه المسلمون بأجسامهم وقلوبهم)، وقد حدد الفقهاء هذا المركز بمكة المكرمة وما يتبعها، والمدينة المنورة وما يتبعها، واليمامة وما يتبعها أي داخل حدود المملكة العربية السعودية حالياً تقريباً، فلم يسمح فيه بالوجود الدائم لغير الإسلام.

إن الاستثناء لاسيما الضيق كما في هذه الحالة يعتبره العقلاء مؤكداً للقاعدة لا ناقضاً لها؛ فلا يمكن القول بأن التسامح الإسلامي تجاه الديانات الأخرى إنهار بهذا الاستثناء في البلد موضوع الاستثناء، وانقلب تعصباً من شأنه أن يكون دافعاً لانتهاك الحرية الدينية، معنى ذلك؛ أن هناك أسباباً منطقية وعادلة هي الدافع لتبني المسلمين الإجراءات الخاصة (بمركز الإسلام) فيما يتعلق بالحرية الدينية.

وأن هذه الأسباب شيء آخر مختلف عن كل الأسباب التي تنتج تقييد الحريات الدينية أو انتهاكها من قبل الثقافات الأخرى، وتَنْضَوِي في غالب الأحيان إن لم يكن كلها في مضامين التعصب، والكراهية، والاستعلاء، والخوف.

ليس مما يقتضيه المنطق -بالضرورة- أن يكون استثناء (مركز الإسلام) في الحالة موضوع البحث واقعاً تحت أي مضمون لدوافع انتهاك الحرية الدينية الذي يرتكب بدرجات مختلفة على سطح الكرة الأرضية، وفي مختلف الأزمنة بما فيها العصر الحاضر.

ثالثاً:
الوافدون للمملكة العربية السعودية من غير المسلمين يفدون للإقامة المؤقتة سواءً كانوا سياحاً أوعمالاً أو رجال أعمال، أوغيرهم، وهم يقدمون باختيارهم عارفين بقوانين البلد ملتزمين بها، وفي اختيارهم الحُرّ للوجود المؤقت في المملكة العربية السعودية يفترض اختيارهم الحُرّ الالتزام بتلك القوانين، روح العدل، وحرية الاختيار لا يقتضيان أن يكون الأمرغير ذلك.

فلا يتصور أحد أن أيّاً من هؤلاء الوافدين لإقامة مؤقته بمحض اختياره سوف يشعر بأنه بمنعه من إيجاد وضع دائم له أو لدينه في مركز الإسلام قد تعرّض للاضطهاد بسبب دينه، أو أن السلطة الرسمية اضطرته لقبول ما يؤذي ضميره.

وتصور وضع (مركز الإسلام) في واقعه الموصوف في علاقته بغير المسلمين، يهدي العقل السليم العادل إلى عدم ملاءمة أن يوجد على هذا المركز مزاحم من الديانات الأخرى المناقضة للإسلام.

والمنطق السليم العادل بعد ذلك يهدي إلى أن إقامة معبد لدين من الأديان في مكان لا يوجد فيه تابع لذلك الدين يُقيم إقامةً دائمة -أي يُقيم في مكان لا يوجد فيه حاجة فعلية لذلك التابع- ليتخذ مكاناً دائماً للعبادة، يعني أنه لا يمكن أن يكون الدافع لإنشاء ذلك المعبد غير قصد مزاحمة دين ذلك المكان وإيذائه بدون وجه حق.

وهذا المعنى يصدق على وجود مركز للتبشير بدين مناقض.

رابعاً:
مع أن صدق القول بأن للمسلمين حتى المواطنين منهم في أمريكا وأوروبا حرية الوجود الدائم للمساجد، والمراكز الدينية في أي وقت وفي أي مكان، مشكوك فيه إذ ليس خافياً التعقيدات التي كثيراً ما تواجه المسلمين في أوروبا وأمريكا عند طلبهم التراخيص لبناء المساجد، فتواجه بالتمنع المباشر من الجهات الإدارية أحياناً، وفي أحيان كثيرة بالاتكاء على رغبة المجتمع المحلى المعارضة لوجود المركز الديني أو المسجد، مع ذلك يكفى حجة للمسلمين أن العالم الإسلامي على سعته يسمح بالوجود الدائم لأديان غير المسلمين، ما عدا رقعة ضيقة تقوم في حقها موانع مشروعة، منطقية وعادلة. فلماذا يُصرّ الآخرون على أن لا تبقى أي رقعة في العالم الإسلامي -حتى تلك الرقعة الضيقة- دون السماح بالوجود الدائم فيها للأديان الأخرى وأن يدعوا أن المعاملة بالمثل لا تتم إلا بذلك.

خامساً:
المسلمون جميعاً يُحبُّون المسيح عليه السلام ويحترمونه ولا يرضون بتوجيه أي إهانة له مهما صغرت أو أي تحقير أو تشويه لسمعته مهما هان، وبالمقارنة بالعظائم من الاهانات التي تُوجّه للمسيح كرّمه الله في البلاد المسيحية، فإن المملكة العربية السعودية تَعتبر أي أذى يُوجّه للمسيح أو دينه، جريمة تستحق العقاب.

والمسلمون جميعاً يؤمنون بأن الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام حق وأن الإنجيل الذي جاء به حق في حين أن المسيحيين يعتقدون أن الإسلام دين باطل وأن نبيّه صلى الله عليه وسلم نبي زائف، ألا يكفي هذا الفارق لمعارضة القياس الذي يحتج به المسيحيون؟

سادساً:
لا أحد ينقب في القلوب ليحاسبها على ما تعتقد، ولا يوجد في المملكة محاكم تفتيش للتحري عن الاعتقاد، ولكن عندما يعلن شخص أو حركة عن ردتهما عن الإسلام فإن ذلك منهما يعني؛ الإعلان عن إسقاط شرعية الإسلام، وقد وصف دوره بالنسبة لبناء الدولة في مركز الإسلام، وإلغاء مرجعية القرآن الكريم والسنة الصحيحة الحاكمان على كل القوانين في المملكة العربية السعودية بما فيها القانون الأساسي للحكم (الدستور)، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي أن المرتد يرتكب من الأفعال أكثر مما ترتكب حركة فوضوية في بلد علماني تدعو للثورة على القيم الكونية المسندة للقانون الطبيعي، وتدعو إلى مخالفة النظام العام والآداب، وإعلان عدم شرعية الحكم، والدستور.

وبالمثل عندما تسمح المملكة العربية السعودية لاتباع دين آخر بالدعوة لاعتناق دينهم، فإن ذلك يعني السماح بالدعوة للردة عن الإسلام، ضرورة أن كل الأديان الأخرى مناقضة للإسلام ولا يمكن الجمع بين النقيضين.

فأي مبدأ من مبادئ العدل والإنصاف يقتضي اعتبار موقف (مركز الإسلام) الحالي، انتهاكا للحرية الدينية؟

سابعاً:
إن انتهاك حرية الدين في صورته البارزة يعني:؛ أن تمنع شخصاً من أن يؤدي فعلاً يعتقد أن دينه يوجبه عليه، أو أن تفرض على شخص أن يؤدي فعلاً يعتقد أن دينه يحرمه عليه، وفي المملكة لم تعرف حالة واحدة منع منها شخص من أن يؤدي ما يراه في دينه واجباً أو فرض عليه أن يؤدي عملاً يراه في دينه محرماً.

يقارن هذا بما صدر في الماضي القريب من قوانين في فرنسا وألمانيا متعلقاً بتقييد حرية المرأة المسلمة (مواطنة أو مقيمة) في ارتداء الحجاب.

ثامناً:
يعتبر انتهاكاً للحرية الدينية التمييز ضد شخص بسبب دينه، والوافدون للمملكة العربية السعودية من غير المواطنين والمقيمين إقامة دائمة ربما يبلغ عددهم 25% من السكان، ونصف هؤلاء تقريباً غير مسلمين، ومع ذلك لا توجد حالة واحدة مُيّز فيها بين الأمريكي المسلم والأمريكي المسيحي، أو الهندي المسلم والهندي الهندوسي، أو التايلاندي المسلم والتايلندي البوذي، أو غيرهم من الجنسيات سواءً في إجراءات القانون أو شروط العمل أو غير ذلك. الاستثناء الوحيد؛ السماح للمسلمين منهم وعدم السماح لغير المسلمين بالدخول داخل حدود الحرم الشريف.

ولكن لنقارن:

كتب الرئيس الأمريكي الأسبق "كارتر" في كتابه (قيمنا المعارضة للخطر) [ص:133] -الترجمة العربية-: "بعد هجمات 11 سبتمبر بالغت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية برد الفعل، بقيامها باحتجاز أكثر من 1200 شخص بريء لم يسبق لأحد منهم مطلقاً أن أُدين بأي جريمة لها علاقة بالإرهاب، واستبقيت هوياتهم سرية، ولم يُعطوا أبداً الحق في سماع التُّهم الموجهة إليهم، أو تلقيهم المشورة القانونية، كلهم تقريباً كانوا مسلمين، ولتقنين مثل هذه الإساءات للحريات المدنية صدر قانون (الوطنى)".

في العقد الأخير من القرن المنصرم طبقت إجراءات: "الجريمة بالارتباط" و"الأدلة السرية" على المسلمين والاستثناء النادر كان مثل حالة كينية مسيحية ولكن زوجة مسلم.

تاسعاً:
تكرّر تقارير الحرية الدينية التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية مقولة كانت تشيع قبل مائة سنة أن الثقافة الشائعة في المملكة العربية السعودية حالياً، تستند إلى مذهب خامس ابتُدِعَ وأضيف في القرون الأخيرة إلى المذاهب السُنِّية الأربعة المعروفة، ويقول المثل الشائع إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً، في الماضي كانت هذه الإشاعة تلقى القبول، بسبب ضعف الاتصالات، والتواصل، وعدم وجود وسائل الإعلان والإعلام، أما في هذا العصرعصر الاتصالات، والتواصل، وقدوم أكثر من أربعة ملايين من الحجاج والمعتمرين كل سنة عدا الوافدين للزيارة والسياحة، والعمل، والتجارة، وعدم رؤية القادمين أي فارق في طقوس العبادة بين ما يجرى في المملكة العربية السعودية وغيرها، ومعرفة القادمين بزوال آثار التعصُّب المذهبي فبعد أن كان المسلمون يُصلُّون بأربعة أئمة في الحرمين الشريفين يوزعون بينهم عند كل إقامةٍ للصلاة حسب مذاهبهم صاروا يُصلُّون خلف إمامٍ واحد قد يكون شافعياً، أو حنفياً، أو مالكياً، أو حنبلياً، ويسمعون المدرسين في الحرمين يذكرون مذاهب الأئمة الأربعة عند تقرير الدروس باحترام وتبجيل لكل منهم، وعدم التفريق بينهم، وإذا اختار المدرِّس اعتماد كتاب لمؤلف حنفي مثل كتاب "العقيدة الطحاوية" فليس ذلك لأنه متعصِّب للمذهب الحنفي وإنما اختاره لأنه يراه أنسب كتاب لتقرير درس العقيدة، وكذا إذا اختار "الرحبيه" في الفرائض، أو "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" وكلاهما لمؤلفين شافعيين فما ذلك للتعصُّب للمذهب الشافعي وإنما لأن المدرِّس رأى أنهما أنسب لتقرير الدرس في موضوعيهما.

وإذا أفتى المفتي فلا يتقيّد بمذهبٍ معيّن من مذاهب أهل السنة وإنما يختار مايعتقد أنه أرجح دليلاً. ولا يلتزم القاضي بمذهبٍ معيّن، فإذا قضى بما يُوافق مذهب أحد الأئمة الأربعة فلا يمكن أن ينقض حكمه بسبب اختياره ذلك المذهب.

وفي جامعات المملكة العربية السعودية تُكتَب الرسائل والأطروحات في الفقه فتعالج القضية على المذاهب الأربعة بدون تمييز من ناحية الإجلال والاحترام للعلماء، وإنما قد يرجح الباحث من الأقوال ما يراه أقوى دليلاً. إن همّ أهل الفكر والإصلاح في المملكة العربية السعودية هو مقاومة كل حركة رجعية لإحياء التعصب المذهبي حتى لا يعود تارةً أخرى.

يمكن مقارنة هذا الجو الفكري للتسامح المذهبي مع جو فكري في بلد مسيحي يسمح ويتقبل عشرات الملايين من سكانه شهادة زعيم لاهوتي في وزن بات روبرتسون في برنامج (نادي 700): "أنتم تقولون أنه يفترض فيكم أن تكونوا لطفاء مع أتباع الكنيسة الأسقفية، وأتباع الكنيسة المشيخية، ومع الميثوديين ومع هذا ومع ذاك ومع شيء آخر، هراء، ليس علي أن أكون لطيفاً مع روح المسيح الدجال".

وكما يقدُم القادمون للمملكة العربية السعودية فلا يرون مذهباً خامساً، ولا ديناً غير الدين الذي يعرفونه، ولا تفسيراً خاصاً للإسلام، تُنقل الشعائر وخطب الجمعة بالتلفاز إلى الكرة الأرضية كلها فلا يرى أحد أن في المملكة العربية السعودية طريقة للدين مختلفة، ولا يسمعون قولاً أو يرون فعلاً يختلف في الدين عما كان عليه أهل السنة طوال العصور.

كل ما تختلف به المملكة العربية السعودية عن غيرها هو عدم وجود قبور أو مقامات يلجأ العامة إليها لطلب الحاجات أو التبرُّك بها أو العبادة عندها.

ولكن لا أحد يُنكر أن الوضع كان هكذا في العصور الأولى للإسلام ليس في أرض الحجاز بل في غيرها من أقطار العالم الإسلامي. ولا يوجد في مقبرة البقيع بناء مشيد على القبور ولكن هل ينكر أحد أن هيئة مقبرة البقيع في خلوها من ذلك أقرب إلى الهيئة التي كانت عليها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة وقرون طويلة بعده.

عاشراً:
يتهم تقرير الخارجية الأمريكية المملكة العربية السعودية بانتهاك الحرية الدينية بادّعاء أن خطباء في مساجد البلاد شجبوا الديانات غير الإسلام وأنهم استخدموا في عظاتهم عبارات معادية لليهود والمسيحيين. بفرض صحة الإدعاء فيمكن لتقييمه مقارنته بتصريحات السياسيين والقادة الدينين في أمريكا خاصةً وفي الغرب بصفةٍ عامة، وهي تصريحات مدوّية وذائعة ومؤثرة على الرأي العام العالمي لا يمكن أن تقارن بموعظة خطيب مسجد في المملكة العربية السعودية وهذه التصريحات تصف الإسلام بالدين الشرير العدواني.

وكلنا يتذكر حينما أراد الرئيس الأمريكي بوش أن يجامل المسلمين لمقتضيات سياسية فوصف الإسلام بأنه دين سلام، كيف قوبل بعاصفة من المعارضة ليس من القادة الدينيين فقط بل من السياسيين مثل كينيث أدلمان عضو مجلس السياسة الدفاعية لبوش حين يقول: "من الصعب جداً قبول أن الإسلام دين سلام كلما تمعنّت في ذلك الدين أكثر كلما اقتنعت أكثر بأنه دين حرب وعدوان".

ومثل إليوت كوهين عضو المجلس المذكور حين يكتب في مقال ينشر في الوول ستريت جنرال في صفحة التحرير:

"إن عدو الولايات المتحدة ليس الإرهاب وإنما الإسلام المحارب، هذا العدو يعتنق أيدلوجية، ويكفي الإنسان ساعة لتفحص الشبكة العنكبوتية ليجد في الإسلام الأفكار نفسها التي كان وجدها أثناء الحرب العالمية الثانية والثالثة في قراءته كتاب (كفاحي) لهتلر أو كتابات لينين أو ستالين أو ماو".

وحينما نُسِب إلى بوش في مناسبة أخرى أنه قال أن المسلمين والمسيحيين يعبدون إلهاً واحداً مع أنه لم يقل ذلك، قوبل بعاصفة أعتى من المعارضة من قبل عديد من القادة الدينيين الداعمين لبوش على سبيل المثال: (الزعيم الديني المشهور، د. ريتشارد، د. لوند) الذي قال: "إن الرئيس بوش ببساطة إرتكب خطأ، الله إله زائف -تعالى الله- يوجد فقط إله واحد حق هو الذي أظهر لنا ذاته من خلال العهد القديم والعهد الجديد: جيوفاه، يهوه رب إسرائيل وأب الابن الوحيد عيسى" الله ليس أب عيسى.

في استطلاع أُجريَ في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أكثر من ربع قرن كانت النتيجة أن حوالي نصف الشعب الأمريكي يعرفون المسلم بأنه شرير متعطش للدم، خداع مضطهد للمرأة، معاد للسامية والمسيحية.

وإذا كان المعروف أن الشعب الأمريكي متعدد الأعراق والثقافات ومن الشعوب القليلة الاهتمام بخارج بلادها، فمن أي نوع تُنسَب الثقافة الإعلامية التي أنتجت هذه الصورة النمطية للمسلم لدى الشعب الأمريكي؟

حادي عشر:
تلح تقارير وزارة الخارجية الأمريكية على وصف الثقافة السائدة في المملكة العربية السعودية بأنها ثقافة أصولية -بمعنى متطرّفة في التشدّد الديني- وأنها بذلك بيئة صالحة لإنتاج الإرهاب، وتُشكِّل خطراً على السلم العالمي.

طوال العقود الماضية لم يكن لبلدٍ آخر وجود في المملكة العربية السعودية مثل ما كان للولايات المتحدة، بمشروعاتها، ونشاطاتها، وأشخاصها من إداريين، وباحثين وعمال، وجواسيس طوال العقود الثمانية الماضية، ولا يعقل أن تكون الولايات المتحدة غافلة فلم تكتشف طبيعة الثقافة السائدة في البلاد طوال تلك العقود. ولم يحدث للثقافة السائدة في البلاد تغيير إلا بقدر ما تأثرت به من الثقافة الغربية عامة والثقافة الأمريكية خاصة.

وطوال العقود الماضية لم تشارك المملكة العربية السعودية في أي عمل عسكري سوى مشاركتها للولايات المتحدة وحلفائها في حرب الخليج الثانية.

يقارن هذا ببلد قام بالتدخل العسكري خارجه في المائة سنة الماضية بمعدل مرة كل سنة، أو يقارن بما صدر عن قادة الحربين على أفغانستان والعراق -في الوقت الحاضر- من مستوى رؤساء الدول والحكومات فما دون من الإعلان عن أن الحرب أيدلوجية، وأنها الحرب الأيدلوجية للقرن الواحد والعشرين، وأن الهدف منها ليس الاستيلاء على الأرض وإنما الإستيلاء على القلوب والعقول.

أو تقارن بما أظهره مسح للدين والسياسة الذي إجراء مركز علمي محترم (جامعة أكرون) في الولايات المتحدة 1996م، أظهر أن 31% من البالغين المسيحيين من سكانها يؤمنون أو يؤمنون بقوة بحرب (أر مجيدون). وأن الخلاص للمسيحي مشروط بعودة المسيح التي لن تتم قبل وجود هذه الحرب وقيام دولة إسرائيل في فلسطين وبناء الهيكل للمرة الثالثة.

يوجد الآن وعلى مدة عقود سابقة ملايين من البشر يُسمَّون (اللاجئون الفلسطينيون) طُرِدوا من أرضهم وبلادهم بالإرهاب الذي ظلت تمارسه عصابات تُسمّى هاجاناو شيترن، وإرجون وكاخ ... إلخ، لغرض أن يحل محلهم أشتات من البشر قدِموا من بلدان مختلفة كانوا في أغلبها يتمتعون بالحرية والغنى والنفوذ، وكان الدافع الوحيد لاختيارهم هذه الأرض دافعاً من الأصولية الدينية، اعتقادهم أن ربهم قبل ثلاثة آلاف سنة وعدهم بأن تكون لهم الأرض أرض الميعاد، وأن تقوم عليها دولتهم، وهؤلاء وعصاباتهم الإرهابية والدول التي تواصل الدعم لهم وتعتبرهم نقطة الحضارة والتقدم في محيط البربرية والتخلف، كلهم نتاج الثقافة الغربية والأمريكية.

قبل أكثر من عشر سنين أعلن رئيس دولة ليبرالي ديمقراطي في خطابه في الكنيست (1أكتوبر 1995م): "أن كاهنه كشف له عن إرادة الرب التي تقضي بأن الأرض كما هي في العهد القديم لشعب إسرائيل إلى الأبد، وأنه قطع عهداً بأن تكون إرادة الله هي إرادتنا".

وفي السنوات الأخيرة يُصرِّح رئيس دولة بأنه يستشير أباه الذي في السماء في قراراته، ثم يُصرِّح بما لم يسبق لسياسي الجرأة على إظهاره أنه يعتزم أن يمارس في حربه القائمة الحرب القذرة. إذا كان المعيار في الحكم على الثقافة من حيث الأصولية Fundamentalism. والتعصب والهوس الديني هو نتاج الثقافة السائدة، فإنه لا يوجد لما سبق مماثل من نتاج الثقافة السعودية السائدة.


وبعد؛
فلم يُقصَد بهذه الورقة الدفاع عن المملكة العربية السعودية تجاه اتهامها بانتهاك الحرية الدينية. وإلا فما كان حاجة للمقارنات. وإنما قُصِدَ إبراز نموذج: (كيف يرى الغرب نفسه ويرى الآخر في مجال القيم الكونية).

وبالله التوفيق.

* لمزيد من المناقشة فضلاً أرجع لكتابنا الحرية الدينية في المملكة العربية السعودية.

 

المصدر: مدونة الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين

صالح بن عبد الرحمن الحصين

الرئيس العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي (سابقا)، عضو هيئة كبار العلماء، وعضو المجلس الرئاسي لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بالمملكة العربية السعودية.

  • 5
  • 0
  • 3,675
  • أبو القاسم

      منذ
    جزاكم الله خيرا أخي الكريم على المقال لن يستطيع الكفار بتقاريرهم الباطلة إضعاف ديننا و التغلب علينا في المملكة أو خارجها، و كل هذه التقارير ما هي إلا مناهضة للإسلام و المسلمين و مما جاء في القرآن الكريم: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية(28)) و قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (سورة التوبة، الآية(32)) لن يستطيعوا إطفاء نور الله في الأرض مهما حاولوا و شكرا

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً