رمضان شهر المحبة

منذ 2013-07-11

في شهر رمضان المبارك يجد المسلم هذه الأسباب ميسرة، يُعان عليها، فتزداد محبته لربه وشوقه إليه، فلا يزال في ازدياد ولا يزال في شوق إلى مولاه حتى يلقى ربه محبًا للقائه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» (متفق عليه).


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن شهر رمضان الكريم إذا أقبل بخيره وبركته على العباد، كان مِنَ الله على عباده المؤمنين الإعانة والتوفيق لطاعته، وإقامة عبوديته، وظهور آثار محبته في قلوب المؤمنين، لما يظهر من الامتثال لأمره واجتناب نهيه، وظهرت على العباد علامات محبتهم لربهم جل وعلا، وزادت هذه المحبة في قلوبهم بزيادة الإيمان، وازدادت الطاعات والعبادات، واجُتنبت السيئات والمنهيات.

فإن منزلة المحبة هي المنزلة التي تنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها، فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه!

تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله تعالى يوم قدر المقادير بمشيئته وحكمته البالغة: أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة، تالله لقد سبق القوم السعاة، وهم على ظهور الفرس نائمون، وقد تقدموا الركب بمراحل، وهم في سيرهم واقفون.

 

من لي بمثل سيرك المدلل *** تمشي رويدًا وتجيء في الأول


إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى.

لا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجبه شيء {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10].

وللمحبة أسباب جالبة لها وموجبة لها، ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله، تظهر هذه الأسباب واضحة جلية في رمضان، بل تزيد في هذا الشهر عن غيره من الشهور، لتزداد المحبة لله جل وعلا في شهر المحبة.


الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها، وهي عشرة:

أحدها: "قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، وما أريد به"، وهذا السبب يظهر واضحًا جليًا في شهر رمضان، فهو شهر القرآن، فقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان مدارسة القرآن على جبريل عليه السلام، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (متفق عليه).

وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، كان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام".

وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.

وفي رمضان التنافس وعلو الهمة والاجتهاد في قراءة القرآن الكريم، والاهتمام بتدبره والتفهم لمعانيه وما أريد به، ليحصل المراد من عظيم الأجر والثواب، وحصول الخشوع والتضرع والبكاء عند تدبره وتفهمه، ليكون له الأثر الأكبر على القلب والجوارح، وتغير الأقوال والأعمال بما يوافق ما يحبه الله ويرضاه، وهذا من آثار تدبر القرآن وقراءته.

الثاني: "التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة"، فشهر رمضان شهر نوافل الطاعات من السنن الرواتب، وصلاة الضحى ونوافل الصلوات، وصلاة التراويح التي هي صلاة القيام، وكذلك صلاة التهجد، والحرص عليها في العشر الأواخر من رمضان.

وكذلك الحرص على الأذكار الموظفة صباحًا ومساءً، والموظفة بالأحوال عند النوم واليقظة، والخروج من البيت ودخوله، وغيرها من الأذكار، وكذلك ال?ذكار المطلقة في جميع الأحوال والأوقات، فلعلو الهمة في رمضان أثر في الحرص على هذه النوافل التي تزيد في درجة المحبة لله جل وعلا.

الثالث: "دوام ذكره على كل حال: باللسان، والقلب، والعمل، والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر"، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب:41]، فشهر رمضان شهر الذكر، وأفضله القرآن الكريم كلام رب العالمين فهو أفضل الذكر، وكذلك الأذكار المطلقة من: التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، والاهتمام والحرص على أذكار الصباح والمساء كما سبق في السبب الثاني.

الرابع: "إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى"، وهل يجد المسلم المحِب دليلاً على ذلك مثل الصيام في أيام الهواجر في فصل الصيف والحر، شهرًا كاملاً ممتنعًا عن الطعام والشراب وسائر المفطرات والمباحات؟!

وهل يجد مثل انصرافه عن النوم لصلاة القيام أو التهجد في رمضان؟!

وهل يجد مثل انصرافه عن النوم والنساء في أواخر العشر من رمضان؟!

كل ذلك حبًا لله جل وعلا، وطاعة له، وطلبًا لرضاه وجنته ومحبته، فالصيام منعه من الطعام والشراب، والقرآن منعه من النوم بالليل، وورد الذكر منعه من الراحة بعد الفجر إلى الشروق.

الخامس: "مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة... "، فإن العبد في رمضان يلازم قراءة القرآن الذي هو كلام الله فهو صفة من صفاته، ويجد من أثر هذه الصفة على قلبه ونفسه وحاله من اللذة والراحة والسكينة، ويشاهد هذه الآثار على عامة المسلمين في رمضان، وآثار أسمائه جل وعلا وصفاته عند تدبر آياته الشرعية عند تلاوة القرآن، ومعرفة الله في كتابه وآياته في كتابه الكريم، ما يطالع بها القلب هذه الآثار في قلوب المسلمين في رمضان، حبًا له تعالى وشوقًا إليه في آيات رجائه، ومحبته لعباده المؤمنين.

السادس: "مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته"، ويا لها من مشاهدة عندما يتفكر العبد في آياته جل وعلا في خلقه، ونعمة التي أسبغها على عباده المؤمنين، فانظر إلى رحمته بعباده في شرعه في أمره ونهيه، وإعانته لعباده على صيام رمضان وقيامه، وإحسانه بعباده بمزيد من فضله ولطفه بهم في أمره وشرعه، وتيسيره لعباده المؤمنين في كل أمر أمرهم يعينهم عليه، ويوفقهم ويسددهم في السير على طريقه المستقيم، ويسر لهم تلاوة كتابه الكريم، قال سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17].

فكم لله تعالى على عباده من النعم في رمضان ما لا يُحصى ولا يعد، من بركة الطعام والشراب والرزق، وقبول الدعاء، ومغفرة الذنوب، والعتق من النار، وفتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، وغيرها من نعمه وبره وإحسانه عليهم في رمضان، وفرحتهم عند إفطارهم في كل يوم، وفي آخر الشهر شاكرين لربهم، حامدين له نعمه وبره وإحسانه عليهم.

السابع: "وهو من أعجبها انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات"، فقيام الليل في رمضان وما فيه من معاني العبودية، وصلاة التهجد والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، يظهر فيها معنى الذل والتضرع والانكسار بما في هذه الصلاة من القراءة، والذكر والدعاء، والتبتل والخشوع والخضوع، خاصة في وقت السحر، وقت نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، يستشعر القائم هذه المعاني فإذا هو منكسر القلب بين يدي الله تعالى منطرحًا بين يديه، ذليلاً فقيرًا محتاجًا إلى ربه، إلى لطفه وعفوه ومغفرته، يرجو رحمته ويخشى عذابه، يرجو عفوه ويخشى حسابه، فيُظهر بين يدي الله الذل والانكسار، لينال رضاه وجنته.

الثامن: "الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة"، وهذا يظهر جليًا في العشر الأواخر من رمضان من حال المتهجدين القائمين الراكعين الساجدين من المصلين والمعتكفين في بيوت الرحمن، وكذلك المصلين في بيوتهم في الثلث الأخير من الليل، وهو وقت السحر وقت الاستغفار والمناجاة والدعاء والثناء.

التاسع: "مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك"، فالصائم في رمضان يحفظ لسانه وعينه وأذنه وقلبه وجوارحه، يتكلم بالخير والذكر، وبما يعود عليه بالنفع، وهو صائم تدرب على التقوى، فحفظ لسانه وفرجه، وجالس المحبين الصادقين في المساجد عقب الصلوات ومجالس العلم والذكر، وفي العمرة جالس المحبين المجاورين للمسجد النبوي الشريف والمسجد الحرام يسمع قراءتهم وجميل تلاوتهم، ويسمع دندنة ذكرهم، يجلس معهم ما بين ذاكر وقارئ، وما بين ناصح ومعلم، وهذا كله في رمضان، فتزداد المحبة للرحمن في رمضان شهر المح?ة.

العاشر: "مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل"، ففي رمضان صفدت الشياطين، فقل أثرهم على الخلق، وضعف أثر شياطين الإنس، وظهرت آثار ذلك في قلة الشر وكثرة الخير وأهله، فقلت المعاصي والسيئات والمنكرات التي تحول بين القلب وربه، وزادت الطاعات التي تطهر النفس وتزكيها، وتصلح القلب وتغذيه وتنمي الإيمان فيه، فإذا القلب يتصل بربه فيزداد حبًا له ورجاءً فيه، وشوقًا إليه، فشهر رمضان شهر المحبة.

فمن هذه الأسباب العشر وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران:

أولاً: استعداد الروح لهذا الشأن.

ثانيًا: انفتاح عين البصيرة.

ففي شهر رمضان المبارك يجد المسلم هذه الأسباب ميسرة، يُعان عليها، فتزداد محبته لربه وشوقه إليه، فلا يزال في ازدياد ولا يزال في شوق إلى مولاه حتى يلقى ربه محبًا للقائه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» (متفق عليه).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



حنفي مصطفى
 


 

  • 1
  • 0
  • 8,053

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً