ظاهرة الإدمان والناشئة

منذ 2013-08-19

لقد هيَّأتِ الحضارة الحديثة للإنسانِ شتَّى وسائلِ الكمالِ والبَذَخ في أرقى صورها، وقدَّمت له سائر حاجاته وطلباته رَخِيَّة سَهْلة لا ينغِّصها شيءٌ، ولكن هَيْهَات! فالسعادة لها ضَرِيبتُها المرافِقة لها؛ مما يدلُّ على أن الإنسان لا يُمْكِن أن يَحُوزَ السعادة دون أن تكونَ هناك منغِّصات؛ لأن من سنة الله في هذا الكون أن الألم واللَّذَّة مترافقان دائمًا، ولا يمكن لأحدِهما أن يَنْفَرِد عن الآخر مهما توفَّرت الأساليب والأسباب؛ فقاطِفُ الوَرْدَة لابد أن يَجْرَح يدَه الشوكُ


مقدِّمة:

لقد هيَّأتِ الحضارة الحديثة للإنسانِ شتَّى وسائلِ الكمالِ والبَذَخ في أرقى صورها، وقدَّمت له سائر حاجاته وطلباته رَخِيَّة سَهْلة لا ينغِّصها شيءٌ، ولكن هَيْهَات! فالسعادة لها ضَرِيبتُها المرافِقة لها؛ مما يدلُّ على أن الإنسان لا يُمْكِن أن يَحُوزَ السعادة دون أن تكونَ هناك منغِّصات؛ لأن من سنة الله في هذا الكون أن الألم واللَّذَّة مترافقان دائمًا، ولا يمكن لأحدِهما أن يَنْفَرِد عن الآخر مهما توفَّرت الأساليب والأسباب؛ فقاطِفُ الوَرْدَة لابد أن يَجْرَح يدَه الشوكُ.

أما الحضارة المادية، فإن من أهم آفاتِها المخدِّرات، فيها النَّشْوَة العاجلة، والمتعة الخادعة، ولكن فيها تدميرًا لشخصيةِ الإنسان، وتدميرًا للمجتمعات.

جموح الشباب:

يأتي هذا الفتى المتوتِّر الفِكر، القَلِق النفس، المُضْطَرِب الضمير، الحَائِر أمامَ تقلُّبات الحياة المعاصِرة وتحت أثقالِها، والمستقبل المجهول، تَطْحَنه الحياة برَحَاها؛ فيَبْحَث عن وسيلةٍ يَهْرُب من خلالِها من مسؤوليتِه كإنسان، أو يَفِرُّ من مواجهة الواقع؛ ليبحث عن سِرْدَاب ضيِّق مُظْلِم، فيَخْتَبِئ فيه حينًا من الزمن.

أولئك هم الشباب، إن غالبية المُدْمِنين من الشباب، وحتى لو كانوا من الكبار؛ فإنهم انزَلَقوا إلى ذلك الوادي السَّحِيق، في مرحلةٍ مُعَيَّنة من العمر، تلك المرحلة التي تتَّسم بالفَوْرَة والجنون؛ "فالشباب شُعْبَة من الجنون"، كما يقال، ويَعُود بنا الحديث إلى مرحلة الطفولة، والتربية السليمة التي كان لها الدور الأساسي في ذلك، حيث يَجِب أن يَحْصُل الطفل على الشحنة الكافية من مبادئ العقيدة، والخلق القويم؛ لتقوية شخصيته الغضَّة أمام واجبات الحياة اليومية، وهجمات المتع، واللَّذائذ، والمغريات الآسِرة.

فحينما يبدأ وَعْيُ الطفل بالتفتُّح، يفاجأ بهذا الزَّخَم الذي يَنتَظِره، فكم من المعلومات يَحْفَظ، وكم من الأعمال يُنْجِز، وكم من الواجبات يتكفَّل بها؟ وأمام المحاذير الكثيرة، والأوامر الصارمة من قِبَل الأهل، والخوف عليهم من الاختلاط بالآخرين، أو الانجراف إلى الرذيلة، وأخطاء الأهل، يَشْرَع الطفل بالانكماش والوُلُوج إلى العزلة، والرضا بالمجهول، ولكن طاقته الدَّفِينة لا تَسمَح له بأكثر من حدودٍ معيَّنة، فبين جَنْبَيه نفسٌ طموحٌ، وقلبٌ دافقٌ، يَهْفُو به إلى مُعْتَرك الحياة؛ ليَسْبَح في خِضَمِّها.

ويَأْبَى إلا أن يَلِجَ جنَّة الحياة؛ ليَذُوقَ حلاوتها، ويُعَانِي آلامَها، وسَرْعَان ما يَحْتَكُّ بالآخرين أصدقاء السوء، وهم على الغالب من أندادِه، والمَرْء يَأْلَف أمثالَه، وسَرْعَان ما تبدأ المرحلة بالتجرِبة الذاتيَّة؛ حبًّا للاكتشاف والتعرُّف، وتكون المحاولة مثيرةً، والنشوة الأولى لذيذةً مدهشةً، لكنه لا يعلم أنه بالتدريج يَهْوِي بنفسه في وادٍ سحيقٍ.

من أسباب انتشار الظاهرة:
لهذه الظاهرة أسبابٌ متعدِّدةٌ، منها: اجتماعية، وسياسية؛ ففي الفترة الأخيرة -وعبر الزخم اليومي لوسائل الإعلام التي تدقُّ أجراس الخطر، مبشِّرة بالعَوْلَمة مرةً، وبالتغييرات الدولية مرة أخرى، ومع غرور القُوَى العظمى وطغيانها تحت مُسمَّى مكافحة الإرهاب المزعوم، عبر ذلك- أصبح الإنسان حائرًا أمام تبدُّل أنماطِ الحياة، وقلبِ الكثير من المفاهيم؛ حيث أصبحت القِيَم السامية عَقَبةً أمام الهَيْمَنة والمصالح المادية، وفُرِضتِ القِيَم الوضيعة؛ فأصبح الإنسان في حالة فُقْدَان تَوَازن، وعدم تمييزٍ بين الخير والشر، والصالح والطالح، بل أصبح عدوُّ الأمسِ صديقَ اليوم، وصديقُ الأمسِ عدوَّ اليوم، لا يَستَقِرُّ الأمر على حال، ومن أهم الأسباب:

اجتماعيًّا:


1- تبدُّل أحوالِ المجتمع، حيث أصبح مجتمعًا استهلاكيًّا بعد أن كان حاملاً للقِيَم والمبادئ الإنسانية (المجلة الصيدلية السورية العدد 27، آذار 2002م الصادرة عن نقابة الصيادلة عن مقال للدكتور الصيدلاني أديب شنن بعنوان: ظاهرة الإدمان ودور الصيدلي في الحد من انتشارها، [صفحة 40]).

2- التفكُّك الأُسْرِي، وانهيار الترابط بسبب الانحلال الأخلاقي أو الحرية المزيَّفة.

3- أساليب التربية الخاطئة، وضياع الهُوِيَّة، والانتماء الحقيقي في الأمة.

4- الفراغ والبطالة -وخاصة عند فِئَة الشباب- وقد ثَبَت بالإحصاءات الرسمية أن معظم مُدْمِني الهِيروِيين مثلاً من الشباب العاطِلين عن العمل، وكانت نِسْبَة مَن يَعْمَلون منهم 26% فقط (الإدمان مظاهره وعلاجه للدكتور عادل الدمرداش، والكتاب من سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت العدد 56، أغسطس 1982
م [صفحة:44]).

5- عمالة الأطفال -وخاصة في العالم الثالث- بسبب الفقر، مما يدعو إلى اتصال الطفل واحتكاكه بالشُّذَّاذ والسيِّئين خلقيًّا.

6- عجزُ الجيلِ الجديد وضعفُه، عن تحمُّل المسؤولية، والاعتماد على نفسه، والتهرب من الواقع، تؤكِّد الدكتورة صبيحة الدباغ -الطبيبة والباحثة في جامعة أوكسفورد البريطانية- أنه كلَّما ارتفعت نسبة تناول المهدِّئات قلَّ الشعور بالمسؤولية عند مُتَعاطِيها، فتناول كميَّات كبيرة منه تَجْعَل المَرْءَ منطلقًا في تصرفاته إلى حد الخروج عن الشعور بالمسؤولية (مجلة العربي الكويتية العدد 254، يناير 1980م عن مقال بعنوان "المهدِّئات والشعور بعد المسؤولية" للدكتورة صبيحة الدباغ طبيبة وباحثة بمستشفيات جامعة أوكسفورد البريطانية [صفحة:158])، فإذا كان هذا في المهدِّئات؛ فإن في غيرها الشرَّ أعظمُ.

7- الهروب من المشكلات، والتخلُّص من الألم، والتكليف، والضغط الاجتماعي.

8- حبُّ تقليد الآخرين، وخاصة أصدقاءَ السوء؛ لإثبات شخصيته أو رجولته.

كما أن هناك أسبابًا تربوية، تَعود للأهل، وهي أسباب مؤثِّرة في وقوع الأطفال في كَنَف الرَّذِيلة، وشَرَك المخدِّرات:

تربويًّا:

1- إهمال الوالدين، وعدم وضع حدٍّ واضحٍ بين حق الطفل في الاستمتاع بالحياة، وبين ما يضره ويسيء إلى شخصيته، متمثِّلاً في ضعف التوجيه، وانعدام المراقبة، والجهل بعالمهم وما يحتاجونه، وظنَّ البعض أن كلَّ ما يحتاجه الطفل فهو الطعام لا غير، وقد ثَبَت أن أُسَر المُدْمِنين مُضْطَرِبة من نواحٍ عديدةٍ (الإدمان للدمرداش، [صفحة:46]).

2- التسرُّب من الدراسة، والانفلات في فراغ قاتل، ومع وجود طاقة كامنة في الطفل، يبدأ بالبحث عن مَفْرَغ لطاقتِه، فيكون انقياده لأصدقاء السوء سهلاً، وممارسته الرذيلة يسيرًا.

وقد ثَبَت أن معظم الأطفال في المجتمعات الغربية مثلاً يُجَرِّبون تعاطي الخمر في المرحلة الابتدائية (الإدمان للدمرداش، [صفحة:45]).

3- ترك الأهل أولادهم يفعلون ما يشاؤون، بدعوى الحرية والتحضر دون توجيههم وتربيتهم على ممارسة هواياتهم الفاضلة والمفيدة، أو ردعهم عن بعض الممارسات وبيان الأضرار الكامنة فيها.

4- الخَلَل في الأُسَر، وعدم الشعور بالمسؤولية لَدَى المربِّي، أو التهرُّب منها بدَعْوَى عدم القدرة مثلاً على السيطرة على أفراد عائلته.

دور الإعلام:

الهجمة العَشْوَائية لوسائل الإعلام على الجيل الجديد، والقضاء على براءته وفطرته السليمة؛ إذ قد يلجأ الوالِدان المُتْعَبان مبكرًا إلى مَخْدَعِهما، ويَبْقَى الأولاد أمام الشاشات الفضائية الطاغية، التي لا ترقب في أحدٍ إلاًّ ولا ذِمَّة، فتَعْرِض جميع أنواع الرَّذِيلة، من قتلٍ، وعنفٍ، وسلبٍ، وتخريب، بطريقةٍ مُغْرِية، وصورة جميلة مُمْتِعة؛ مما يَخْلُق لَدَى الطفل شوقًا ورغبةً عارمةً في مجرَّد التجريب، والتعرف على مشاكل وأخطار، ربما غير موجودة في مجتمعه أصلاً، وخاصة المواد الأجنبية التي لا تَكَاد تَخْلُو من عنفٍ، ودماء، وألوان الإجرام، والنهب، والمخدِّرات.

مما سَبَق يتبيَّن لنا أن أهمَّ سببٍ لهذه الظاهرة يَكْمُن في الناحية التربوية؛ فالسلوك التَّرْبَوي هو الأساس في عملية الوقاية من آثار وأخطار هذه الظاهرة، ولاشكَّ أن الأساس المَتِين الراسخ لا يَتَزَعْزَع أمام هبوب الرياح العاتية.

كما أن هناك أسبابًا سياسية، واقتصادية، وعالمية، لا مجال لذكرها؛ فهناك القوى العالمية المستفيدة، والاقتصاد العالمي في قوانينه لا يلتزم المبادئ الأخلاقية، كما هو معلوم.

وقد لَعِب الإعلام دورًا هامًّا في حياة الشعوب المعاصرة، وتوجيه سلوك أفرادِها بنقل المعلومات بطريقة تتناسب مع أهداف الدول والقوى الحاكمة، وخطورة وسائل الإعلام تَكْمُن في حضورها وانتشارها الأفقي والعمودي في حياة الفرد والمجتمع؛ فهي لهذا مؤثِّرة، وقوية، وهي قادرة على التأثير في الوقاية؛ لأنها تملك آليات متعددة (المجلة الصيدلية، العدد 27، [صفحة:41]).

الوقاية قبل العلاج:

من أهم الخطط والبرامج التي وَضَعها المختصون للوقاية من الإدمان، وآثاره المدمرة:

1- الحفاظ على تماسُك الأسرة وارتباطها، والعمل على تقوية البناء الاجتماعي، وتوثيق الصلات، والثقافة بين مختلف الأفراد والجماعات، ودعم الثقة المتبادلة (المجلة الصيدلية السورية، العدد 28، تشرين الثاني 2002م عن مقال بعنوان "خطة نموذجية عربية استرشادية بشأن تخفيض الطلب على المخدِّرات والمؤثرات العقلية المعممة من قبل الأمانة العامة لمجلس وزارة الداخلية العرب"، نشرته هيئة التحرير [صفحة:55]).

2- توفير فُرَص الكَسْب الشريف للقادرين (المجلة الصيدلية السورية، العدد 28 تشرين الثاني 2002م عن مقال بعنوان "خطة نموذجية عربية استرشادية بشأن تخفيض الطلب على المخدِّرات والمؤثرات العقلية المعممة من قبل الأمانة العامة لمجلس وزارة الداخلية العرب"، نشرته هيئة التحرير [صفحة:55])، ممن فَشِلوا في دراستهم، وأصبحوا عالةً على المجتمع، فيَجِب انتشالُهم مما هم فيه، وإشغالهم بالمفيد، ودَمْجهم في أعمال مِهَنيَّة نافعة على مقولة: "إن لَمْ تَشْغَله شَغَلك".

3- تطبيقُ نظامِ إلزاميَّة التعليم حتى سنٍّ معينة، بحيث يصبح كبيرًا واعيًا لا تنال منه المُغْرِيات، ولا تَطِيح بعقله اللَّذَائِذ.

4- أن يكون للمدارس والجامعات والمؤسسات التربويَّة دورٌ بارزٌ في تَنْمِية المجتمعات وتوعيتها، فتتحوَّل المدرسة مثلاً إلى مُنْتدى يُمَارِسون فيه شتَّى النشاطات والهوايات التي تنفع المجتمع، وتشغل أوقات فراغهم بالمفيد (المجلة الصيدلية السورية، العدد 28، تشرين الثاني 2002م عن مقال بعنوان "خطة نموذجية عربية استرشادية بشأن تخفيض الطلب على المخدِّرات والمؤثرات العقلية المعممة من قبل الأمانة العامة لمجلس وزارة الداخلية العرب"، نشرته هيئة التحرير [صفحة:56]).

5- أن يتمَّ دَعْم المؤسَّسات التربوية لرعاية الأطفال: كالحضانات، ورياض ونوادي الأطفال، والتدقيق على المربِّين فيها، ونبذ العناصر الشاذة، وللأسف فإن كثيرًا من المؤسَّسات التربوية في البلاد العربية يَشْغَلها ناسٌ غيرُ مؤهَّلين ثقافيًّا وأخلاقيًّا، وهذا يؤدِّي إلى نتائجَ وَخِيمةٍ جدًّا؛ لأن الطفل يَبْحَث دائمًا عن القدوة، كما أنه يَشْرَع في تقليدِ الكبار، وذلك في بداية تعرُّفه على السلوك، فلابد أن يتميَّز المربِّي بالحدِّ المقبول من القِيَم، والسلوك، والتعامل، حاملاً للتفكير السليم الواعي.

6- إرشاد الآباء والمربِّين، وتبصيرهم بالأعراض الباكرة للتعاطي من أجل التصدِّي لمثل هذه المجالات قبل أن تتفاقَم وتتحوَّل إلى حالات إدمان (المجلة الصيدلية السورية، العدد 22، عن مقال بعنوان "الإدمان بين الوقاية والعلاج" للدكتور مطاع بركات، [صفحة:69]). فإن كثيرًا من الآباء لا يدركون شيئًا عن المخدرات، ومعلوماتهم عنها وعن أعراضِها وآثارِها المدمِّرة ونتائجها السيئة تكاد تكون معدومة تمامًا.

7- التوسُّع في إنشاء الجامعات لتستوعب أكبر عدد ممكن من الطلاب الراغبين باستكمال دراستهم؛ للحدِّ من تدفُقهم إلى خارج البلاد لمتابعة تحصيلِهم العلمي، وزيادة فرص التعليم الجامعي.

8- دعوة الأكادِيميين، والمدرِّسين، وطلاب الدراسات العُلْيَا في الجامعات، والمدارس، والمؤسسات التعليمية، إلى الغَوْص في أعماقِ ظاهرةِ المخدِّرات، وقتلِها بحثًا ودراسةً، وتشجيعِ القيامِ بأعمالٍ مَيْدَانيَّة لتشخيصها، ووضع الحلول المناسبة لها، ومتابعة تطوراتِها ومستجدَّاتها أولاً بأول (المجلة الصيدلية، العدد 28، [صفحة:56]).

9- تنمية الشعور الديني، والوطني، والاجتماعي عند المواطنين، وَفْقَ سُلُوك اجتماعي سليم، وتحصينهم بالمبادئ الأخلاقية، والدينية، والتربوية (المجلة الصيدلية، العدد 28، [صفحة:60]).



عبد الباقي أحمد خلف
 

  • 4
  • 0
  • 7,249

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً