مهلاً أبي!

منذ 2014-01-01

فمهلاً أبي! أتح لي فرصة للحوار الهادئ بيني وبينك. مهلاً أبي! أعطني ثقتي بنفسي حتى آخذ قراري وحدي. مهلاً أبي! خدني في حضنك فلطالما تمنيتُ أن أرتمي فيه يوماً حتى أشعر بالحب والحنان. مهلاً أبي! علِّمني بِرَّ الوالدين وإكرام الضيف وصلة الرحم حتى أبُرُّك.


انتشر ضباب خفيف في الحديقة، في الوقت الذي وقف فيه (حامد) مُشاهِداً منظر الشتاء من خلف نافذة غرفتة والتي بدا من خلالها تلك الأشجار الكثيفة التي أضفت على المشهد المزيد من الهدوء والسكينة.

ثم ظهرت تلك القطة وهي تُلمّلِم صغيريها إلى حضنها الدافئ في ذلك البرد الشديد محاولةً منها لتدفئة صغيريها بفروتها الناعمة الكثيفة.

وأثناء ذلك المشهد؛ شرد (حامد) بخيالة متذكراً يوماً أن كان مع أبيه وأخوه الأصغر (جلال) في سهرة خارج المنزل استمتعوا خلالها بمشاهدةِ فيلمٍ طويل وفي تلك الأثناء نام (جلال) الذي يبلغ من عمره (٨) سنوات، فقام الأب بتغطيته بمعطفه وبعد إنتهاء الجلسة حمله الأب إلى السيارة، وأثناء العودة إلى المنزل بالسيارة سأل الأب (حامد) الذي يبلغ (١٢) سنة بعد أن رأى شروده وصمّتَه عن الفائدة التي خرج بها من الفيلم وهل استمتع به، وتفاجأ الأب بالرد الذي لم يكن له أي علاقة بالسؤال:

"هل ستُغطيني بمعطفك وتحمِلني كما حملتَ (جلال) لو نِمتُ أثناء مشاهدة الفيلم يا أبي؟".

نام (حامد) وخملَت معه الكثير من العواطف والمشاعر؛  فكثيرٌ مِنَّا اليوم وفي زحام الحياة ينسى كيف يروي عاطفة أولاده بالحب والحنان والمشاعر الطيبة؛ فيُسيءَ إليهم ويقسو أحياناً أخرى ظناً منه أن التعبير بحبه لهم ما هو إلا وسيلة إلى دلالهم وتيههم عليه، والبعض الآخر يُدلِّل أولاده مترفاً مسرِفاً في ذلك ظناً منه أنه حقّقَ مطالبهم وهو في الأصل يُبعِدهم ولا يُقرِّبهم.

ولكن الوسطية والاعتدال هي الأفضل في كل شيء؛ فلما دخل الأقرع بن حابس على النبي صلى الله عليه وسلم فرآه يُقبِّل الحسن والحسين رضي الله عنهما فقال الأقرع: أَتُقَبِّلون صبيانكم؟ إن لي عشرة من الولد ما قَبَّلتُ أحداً منهم قط، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَ أملكُ لك أن نزعَ الله من قلبك الرحمة» (متفقٌ عليه)

التفرِقة في المعاملة بين الأبناء من قِبل الآباء والأمهات تَخلُق جيلاً مضطرباً فكرياً غير قادر على قيادة نفسه فضلاً عن قيادة الآخرين، وإلا كيف تحكي أنت لابنك عن عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنت لست عادِلاً، وعن قوة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأنت لست قوي الإرادة، وعن شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه وأنت لست شجاعاً، وعن رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنت لست رحيماً عليه؟!

فمهلاً أبي! أتح لي فرصة للحوار الهادئ بيني وبينك.

مهلاً أبي! أعطني ثقتي بنفسي حتى آخذ قراري وحدي.

مهلاً أبي! خدني في حضنك فلطالما تمنيتُ أن أرتمي فيه يوماً حتى أشعر بالحب والحنان.

مهلاً أبي! علِّمني بِرَّ الوالدين وإكرام الضيف وصلة الرحم حتى أبُرُّك.

مهلاً أبي! لا تلومني ولا تزجرني ولا تعاقبني أمام الآخرين؛ فذلك يحرجني ويُفقِدُني الثقة في نفسي.

مهلاً أبي! ازرع فيِّ الصدق والشجاعة والأمانة والحِلم والهدوء.

مهلاً أبي! النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب غلاماً قط، فلا تضربني.

مهلاً أبي! علِّمني أن العقاب لم يُشرَع للتعذيب، وإنما شُرِعَ للتأديب.

يقول ابن القيم رحمه الله: "فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدىً؛ فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثرُ الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبَل الآباء وإهمالهم لهم، وتركِ تعليمهم فرائض الدين وسُنَنِه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبتِ! أنت عققتني صغيراً فعققتُك كبيراً، وأضعتني صغيراً فأضعتُك شيخاً" (تحفة المودود).
 

تنبيه من المشرف : حديث الكاتب عن السينما ومشاهدة الأفلام لا يعني إقراره بها ولا إقرار الموقع بها و إنما هو ذكر لشيء في سياق قصة واقعية استفاد منها الكاتب في حياته وكان هذا هو الواقع السائد قبل انتشار الصحوة الإسلامية .

محمد بن وهبي

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 2
  • 0
  • 1,313

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً