هوامش إلهاء

منذ 2014-02-23

هل يصح لـ "الأنا " الغافية منذ قرون أن تُحمل الآخر وزر سباتها الحضاري؟

 

هل يصح لـ "الأنا " الغافية منذ قرون أن تُحمل الآخر وزر سباتها الحضاري؟

 

ألا ينبغي الكف عن استدعاء فزاعة "المؤامرة" كلما أثيرت للنقاش أسباب تخلف العالم الإسلامي وتبعيته المفرطة؟

 

يبدو هذا الرأي الذي تتبناه بعض الأقلام اليوم، أدنى للصواب مادام للتخلف عوامله الذاتية، وأسبابه الداخلية. فالمجتمع المنغلق على نفسه، والرافض للانفتاح إذعانًا لمنظومة دينية أو مذهبية، أو بتوجيه  من ساسته وزعمائه، لا بد أن يُفضي به الأمر إلى حال من التردي والنكوص والعجز عن التدبير الأمثل لأزماته. وضع عاشته اليابان مطلع القرن السابع عشر حين فرضت الحكومة سياسة العزلة بعد انكشاف عجز اليابانيين أمام تغلغل الأجانب ونفوذ البعثات التبشيرية. وعاشته الهند بسبب تعاليم غاندي المؤيدة للانسحاب من الاقتصاد العالمي والتي قادتها إلى حافة الإفلاس عام 1991م.

 

أما المجتمع الإسلامي فمجتمع منفتح لا بطبيعته فحسب، بل بفضل التوجيه القرآني الذي يُلزم الفرد بالنهوض الحق بواجب الاستخلاف، ويقرن خيرية الأمة بفاعلية تجاوبها واستيعابها الحضاريين لـ "الآخر" دون تفريط في الثوابت. لذا فاستحضار التوجيه المغرض لانشغالاتها ومساعيها للنهوض والتقدم، والتكييف الخبيث لطموحات أفرادها وآمالهم حتى تظل رهينة التبعية والاستلاب، لهو أمر تفرضه شواهد التاريخ وسياسات الحاضر.

 

أدرك الغرب بعد تجربته الاستعمارية السابقة أن البعد العسكري لا يمكن أن يحقق نتائج تذكر في معترك تجريد الشعوب الإسلامية من هويتها وشخصيتها. فبناؤها العقدي والقيمي أمتن وأشد من أي ترسانة حربية، وأن الصدام المباشر يضاعف من التحام الأفراد بدينهم وثقافتهم. لذا قرر انتهاج سبيل آخر يعتمد الهدم من الداخل، وتشكيل طبقة عازلة من مريديه وخدامه في كل بلد  تتولى زعزعة الثابت، والتشكيك في قدرة الأمة على الانبعاث مجددا دون عون من الخارج. لم يقف الأمر عند انبهار المغلوب بثقافة الغالب وحضارته كما ردد ابن خلدون في مقدمته، بل تجاوزه إلى اليقين التام باستحالة أي نهضة أو تطور من خارج المرجعية الحضارية الغربية. وهو ما حرص الغرب على تغذيته معتمدًا على مقدراته العلمية والتكنولوجية، وعلى الرضوض النفسية والفكرية العميقة التي بذرها مأزق التخلف.

 

وبما أن الشباب هم الوقود الحضاري للأمة، ورهان مستقبلها وعزتها، فإن تعطيل قواه، وتفتيت روحه المعنوية تصدر الاهتمام في أجندة السياسي ورجل الدين والاقتصاد على السواء. وحتى لا نستدعي "هوس" المؤامرة كما يلح على ذلك محامو الانبطاح في حضرة الاستنارة الغربية، فلنلق نظرة على هوامش الإلهاء التي تصاغ بخبث ودهاء للإبقاء على المسلم المعاصر في دائرة من التيه والضبابية، وإعاقة المبادرة الذاتية للتحرر من إسار التبعية.

 

يأتي التنفير من العودة إلى الأصول، وخلق حواجز نفسية تحول دون استنطاق الموروث الثقافي في مقدمة مرامي صناع هذه الهوامش. أما الإلهاء فيتحقق من خلال تسويق إيديولوجيات ورؤى فكرية تُحاط بهالة من الصواب المبالغ فيه حتى تنجذب لها العقول وينبري المثقفون لاعتمادها حلًا جذريًا لكل المآسي والعثرات. ومن يتابع الجدل الساخن الذي حركته "الحداثة" في الوسط الفكري والأدبي، وكيف أن البعض دافع عنها كبديل للارتهان إلى الماضي -العربي الإسلامي تحديدًا- دون أن تستوقفه المفارقة بارتداد الحداثة  ذاتها إلى ما وراء هذا الماضي بقرون، قلت من يتابع هذا فله أن يستشف عقم الركض خلف بدائل لم تُحدث أي انكماش في الفجوة المعرفية والحضارية، بل، وهذا هو الأنكى، عمقت جرح الاستلاب والتبعية.

 

ويتحقق الإلهاء من خلال إدامة الغليان الاجتماعي عبر التوسع في حركة المطالبة بالحقوق لتهم زعزعة الثوابت، والتشكيك في فاعلية الدين ومنظومة القيم. بل وتتم تغذية الاحتجاج من خلال الدعوة إلى اعتماد السياق الأوروبي كنموذج مهيمن، ومؤشر مركزي لمدى القرب أو البعد عن الصورة المثلى للمجتمع الإنساني المعاصر! وقد بُحت أصوات كثيرة منذ مطلع القرن الماضي في دعوتها للاحتراز من أي انفتاح غير محسوب على الثقافة الغربية، ومن مغبة الخلط بين استيراد أدوات حضارة ما لتطعيم أسباب النهوض والتقدم، واستيراد قيمها وأنماط عيشها وثقافتها.

 

ويتحقق الإلهاء من خلال العبث الدائم بشرايين الحضارة في البلاد الإسلامية عبر الزج بها في متاهات التجريب، والسعي الدائم لإغلاق أي منفذ يتيح وصل ما انقطع. وخير مثال على هذا الإلهاء ما يعيشه قطاع التعليم منذ أن قررت البلدان الإسلامية اعتماد نظم التعليم الحديثة؛ حيث راهنت غداة استقلالها على نظريات ووصفات تربوية تنهل من معين فلسفة غربية مقطوعة الصلة بالسماء. فنشأ جيل غير متوازن القوى، تضخمت بعض نواحي إنسانيته وحياته على حساب البعض الآخر، وأصبحت المسافة بين ظاهره وباطنه، وعقله وقلبه، وعلمه وعقيدته، مسافة شاسعة (أبو الحسن الندوي: التربية الإسلامية الحرة. مؤسسة الرسالة. بيروت 1977.ص 44).

 

والغريب في الأمر أن بعض دول العالم التي وحدتها الثقافة والمذهب الديني والمصالح السياسية، حرصت على استقلال مناهجها التعليمية عن أي تدخل من الشريك أو الجار ذي القربى. فالتعليم برأيها جزء من السيادة الوطنية، وليس بضاعة تُستورد من الخارج. وقد عبر عن هذا الرأي بوضوح الأستاذ الأمريكي ج.ب. كونانت في كتابه (التربية والحرية) بقوله : "إن عملية التربية ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الانجليزية والأوروبية إلى بلادنا الأمريكية". في حين أن بلدانًا أخرى لازالت ترى أعطاب التعليم تقنية محضة، يكفي لإصلاحها خبير إحصاء ومكتب وآلة حاسبة!

 

بينما يهم المرمى الثاني لصناع هذه الهوامش تجفيف منابع الرجولة، وتحطيم نماذج الإقتداء المبثوثة في طيات التاريخ الإسلامي. أما الإلهاء هنا فتنبري له المنظومة الإعلامية عبر تصويب كاميراتها، وصفحات مجلاتها وإعلاناتها التجارية نحو نماذج اقتداء بديلة، تختزل الوجود الإنساني في لهاث مستمر خلف الابتلاع والإشباع وتكديس المنتجات.

 

إن الانسياق الهائل للشباب خلف صيحات الموضة، وإغراءات الذوبان في هوية الآخر وقيمه ونمط عيشه، تولدت عنه ممانعة غريبة إزاء كل دعوة لمراجعة خط السير. بل هناك اليوم من يرى في مظاهر التغريب والاستلاب تأشيرة عبور إلى عالم متحضر، ومكاسب ينجم عن التفريط فيها الانحدار مجددًا إلى مربع التخلف والجاهلية. إنها تبعية لا تقف عند تشبه المغلوب بالغالب في زيه وطعامه وشرابه، بل حتى في مقاسمته لمشاعر الضياع والاغتراب وعبثية الوجود الإنساني.

 

كما يتحقق الإلهاء لبلوغ هذا المرمى، بالإذكاء المُغرض للرغبة في البطولة والتفوق، وهي سمة رئيسية لمرحلة الشباب المبكر، حيث يتم الهبوط بمستوى البطولة هبوطًا شائنًا، وتوجيه الشباب لـ "عبادة" أبطال يُحققون الريادة في مجالات لا تفضي سوى لمزيد من التفسخ النفسي والتفاهة والانحلال (أ. محمد قطب:  منهج التربية الإسلامية ج2. دار الشروق.القاهرة 1992. ص267).

 

إن صناع هوامش الإلهاء  لا يكفون عن تحديث ترسانتهم، والإمعان في تفتيت الهوية والخصوصية والانتماء للدين والوطن. وضع كهذا يُسائل مناعتنا الذاتية ويختبر صدق انحيازنا للعقيدة والرسالة وواجب الاستخلاف، بمعنى هل سيقف الأمر عند حدود الصيغ الوعظية الباردة التي لا تروم أبعد من دمعة عين وخفقة قلب؟ أم يفرض واقع الحال استعادة برامج ومناهج التغيير التي أرساها الإسلام، تلك البرامج التي تجعل التغيير الإلهي ثمرة  لتغيير ما بالنفس،وتوجه الطاقات والنوازع الداخلية وفق ضوابط خلقية وعقلية وسلوكية ليصبح الإنسان عمرانيًا بناء مفيدًا لبني جنسه؟ (د.طه جابر العلواني: الأزمة الفكرية ومناهج التغيير.دار الهادي. بيروت 2003. ص 17).

 

سؤال مرّ لا يلتمس إجابة، بل عزائم تقتحم العقبة!
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

حميد بن خيبش

كاتب إسلامي

  • 3
  • 0
  • 1,934

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً