وظيفة العمر

منذ 2014-04-02

قد آن للنائم أن يستيقظَ من نومِه، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره ومقامه بين أرماسه

[التوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية وأوسطها وآخرها] (محمد بن إبراهيم الحمد).

وقد قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم:8].

والتوبة النصوح: المراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التوبة التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله (السعدي).

فيا من يذنب ولا يتوب، كم كُتبت عليك الذنوب، ويحك خلِ الأمل الكذوب، وا أسفا أين أرباب القلوب، تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا تؤوب، واعجبا لك ما الناس إلا ضروب (ابن الجوزي).

عندما أتأمل أحاديث التوبة أتعجب من حلم الله سبحانه وتعالى بنا وحبه لنا -نحن المقصرون في جنابه-.

- أيفرح ربي بتوبتي!! نعم يفرح بها: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ» (البخاري: [6309]). «للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» (مسلم: [2747]).

- أينتظر ربي توبتي!! نعم ينتظرها: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها» (مسلم: [2579]).

- أيقبل ربي توبتي بعدما أسرفت على نفسي!! نعم يقبلها: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ» (مسلم: [2703]). «إِنَّ الله عز وجل يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (صحيح الجامع: [1903]).

وصفة المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته سبحانه وتعالى عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم (السعدي).

أيها المؤمنون: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات:50]. "هذه الآية من أعظم آيات القرآن الكريم، تجمع معاني الخوف والرجاء: الخوف من الله تعالى، واللجوء إليه سبحانه، إذ لا منجا منه إلا إليه عز وجل، أمر بالفرار منه إليه ليدل العباد على أنه أرحم بهم من كل من سواه، وأنه عز وجل يريد بالعباد الرحمة والمغفرة" (المنجد).

"وسمى الله الرجوع إليه فرارًا، لأن في الرجوع لغيره، أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه، أنواع المحاب والأمن، والسرور والسعادة والفوز" (السعدي).

فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يتلذذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه. وبذلك يحصل له الفرح، والسرور، واللذة، والنعمة، والسكون، والطمأنينة (ابن تيمية).

فإلى متى التسويف يا من أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي؟!

فكم من يوم قطعته بالتسويف؟ وكم من سبب أضعت فيه التكليف، وكم أذن سمّاعة لا يزجرها التخويف؟! يا بطَّال إلى كم تُؤخر التوبة وما أنت في التأخير معذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون مغرور؟ يا مسكين! قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور، أتُرى مقبول أنت أم مطرود؟ أتُرى مواصل أنت أم مهجور؟ أتُرى تركبُ النُّجبَ غدًا أم أنت على وجهك مجرور؟ أتُرى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب القصور؟ (ابن الجوزي).

قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185].

فالموت آتٍ لا محالة، والقبر واقع لا دعابة، والمهبط إما جنة وإما نار، فأين أنت يا قلبي المسكين؟؟ تتمرغ في ملذات الدنيا؟! قال صلى الله عليه وسلم: "أكثروا ذكر هادم اللذات يعني الموت" (صحيح الترغيب). وهذا من جوامع الكلم. قال علماؤنا: هذا كلام مختصر وجيز؛ قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة؛ فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهده فيما كان منها يؤمل،، ولكن النفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعاظ وتزويق الألفاظ ، وإلا ففي قوله عليه الصلاة و السلام: «أكثروا ذكر هادم اللذات»، مع قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} ما يكفي السامع له ويشغل الناظر فيه (التذكرة للقرطبي).

ترقّب الموت يا هذا:

بينا الفتى مَرِح الخُطى فرحٌ بما *** يسعى له إذ قيل: قد مَرِضَ الفتى!!

إذ قيلَ: باتَ بليلةٍ ما نامها *** إذ قيلَ: أصبحَ مُثخنًا ما يُرتَجى!!

إذ قيلَ: أصبحَ شاخصا وموجها *** ومعللا، إذ قيلَ: أصبح قد قَضَى!!

فيا أخي.. أقبِل على قبلة التوجه إلى مولاك، وأعرِض عن مواصلة غيك وهواك، وواصِل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلَف كل الفرار، من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا حد الصبر على النار (ابن الجوزي).

أيها العائم في بحر الغفلة: يا نائما طول الليل.. سارت الرفقة ورحل القوم.. وما انتبهت من الرقدة!! يا غافلا عن مصيره.. يا واقفا مع تقصيره!! سبقك أهل العزائم.. وأنت في بحر الغفلة عائم!! قف على الباب وقوف نادم.. ونكس رأس الذل وقل: أنا ظالم.. ونادِ في الأسحار: مذنب وراحم.. وتشبه بالقوم وإن لم تكن منهم وزاحِم.. وقم في الدجى مناديا.. وقف على الباب تائبا.. ودع اللهو جانبا.. وطلق الدنيا إن كنت للآخرة طالبا (ابن الجوزي).

الخوف من الذنوب ولو بعد التوبة:

ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها، وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة وكأنهم قد قطعوا على ذلك. وهذا أمر غائب، ثم لو غُفِرت بقي الخجل من فعلها. ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم عليه السلام فيقولون: اشفع لنا فيقول: ذنبي، وإلى نوح عليه السلام فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم، وإلى موسى، وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم.. فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقة. ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا وهم بعد على خوف منها.

ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع و ما أحسن ما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "واسوأتاه منك وإن عفوت". فأف والله لمختار الذنوب ومؤثر لذة لحظة تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غُفِر له. فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلا، وهذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة. وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل (ابن الجوزي).

والآن:

قد آن للنائم أن يستيقظَ من نومِه، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره ومقامه بين أرماسه (التذكرة للقرطبي).

  • 1
  • 0
  • 3,923

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً