شبهة حرية المنافقين

منذ 2014-04-04

مقال تفصيلي حول شبهة ترك الرسول للمنافقين.. وهذه الشبهة واحدة من أهم الأدوات لتعطيل العقوبات الشرعية، والتشويش على جهود المصلحين والمحتسبين.

مدخل

الحمد لله وبعد، تتمتع شبهة ترك الرسول للمنافقين بتاريخ متقدم نسبيًا، حيث كانت تستعمل هذه الشبهة كواحدة من أهم الأدوات لتعطيل العقوبات الشرعية، والتشويش على جهود المصلحين والمحتسبين.

ومن أئمة الدين الذين تمت مواجهتهم بهذه الشبهة الإمام محمد بن عبدالوهاب، حيث كان هناك طالب علم يقال له (أحمد بن عبدالكريم) وهو من أهل الأحساء، وفي بداية أمره نصر التوحيد وعارض سدنة القبور، ثم إن عددًا من دعاة الشركيات أغروه بشيء من الدنيا فانتكس، ثم راسل الشيخ محمد بن عبدالوهاب يخبره بتراجعه عن مواقفه الأولى واحتج بجملة أمور منها أن النبي ترك المنافقين، فرد عليه الشيخ محمد بن عبدالوهاب برسالة موجودة في الرسائل الشخصية للشيخ وهي الرسالة الثالثة والثلاثون، يقول الشيخ محمد رحمه الله:

"ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر، أما استدلالك بترك النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم، فقد عرف الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمةً واحدة أو فعلًا واحدًا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد أنهم يقتلون أشر قتله، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة؛ فقل لي" (الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ص[215]).

وفي عصرنا هذا أخذت شبهة ترك المنافقين بعدًا آخر، فإن غالب من كتب عن حرية الرأي، أو شرعنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو إنكار حد الردة، تحت ضغوط الأيديولوجيا الغربية فإنك تجده يحتج بشبهة ترك النبي للمنافقين، ولا يمكن عرض كل من استعمل هذه الشبهة، لكن يمكن لنا أن نشير لبعض النماذج:

من الواضح أن هذه الشبهة طرحت وراجت مبكرًا منذ أيام ما يسمى برموز النهضة الأوائل كالأفغاني وعبده، والعامل الذي يوحي بذلك أننا نجد الأستاذ رشيد رضا (ت1935م) يرد على هذه الشبهة في مواضع من تفسيره، ومن نماذج ذلك قول الأستاذ رشيد رضا:

"فإن قيل إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم! قلنا: إن الجمع بين إظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين، لهم ما لهم من الحقوق وليس عليهم ما عليهم من الواجبات؛ تناقض لا يقول به عاقل...
فإن قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم، ولم ينفذ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين!
قلنا: إن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنما كان وصفًا لأناس غير معينين بأشخاصهم...، وكان الذين عرف النبي وبعض أصحابه أشخاصهم قليلين جدًا". (تفسير المنار، [التوبة:129]).

ومن أوائل من استعمل هذه الشبهة -أيضًا- الشخصية الأزهرية الجدلية عبد المتعال الصعيدي (ت1966م) في كتابه (الحرية الدينية في الإسلام)، وقد لاحظت أن عددًا من مؤرخي الفكر السياسي العربي اعتنوا بأطروحات الصعيدي، لكن اللافت أن الصعيدي نفسه في كتابه الآخر (السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين) المنشور 1961م دافع فيه دفاعًا مستميتًا عن حرب أبي بكر للمرتدين (ص[60]).

وممن استعمل هذه الشبهة -أيضًا- الدكتور المصري المعروف أحمد صبحي منصور وهو من غلاة العلمانيين، وكان مدرسًا بجامعة الأزهر، ثم طرح عدة كتب تضمنت إنكار السنة النبوية، فجرت بينه وبين علماء الأزهر سجالات انتهت بفصله من الوظيفة عام 1987م، وكان لهذه الحادثة دوي وضجيج في الساحة الفكرية المصرية، فاستمر حانقًا على علماء الأزهر، وفي عام 1994م نشر دراسة بعنوان (حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين) وحاول أن يؤسس فيها مفهوم الحرية بناء على آيات المنافقين، ويقول الدكتور في إشارة لمن انتقده: "رددت عليه بأنني استشهد بآيات القرآن الكريم وهي التي تضمنت تقريرًا كاملًا عن حرية المنافقين القولية والفعلية، وأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم".

وقد استمر الدكتور أحمد صبحي منصور في عرض هذه الشبهة في كتبه الأخرى ومنها كتابه عن (الحسبة) الذي نشره عام 1995م حيث يقول فيه:

"كان تآمر المنافقين يبلغ درجة الخيانة العظمى حيث كانوا يتحالفون مع أعداء الدولة، أو يتآمرون معهم ضد المسلمين وقت الحرب، أي أنه كانت للمنافقين كأفراد وجماعات حرية المعارضة للدين والدولة كيفما شاءوا، وكان القرآن ينزل يحكم بكفرهم، ويفضح تآمرهم، ولكن يأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم، اكتفاء بما ينتظرهم من مصير بائس يوم القيامة" (الحسبة: دراسة أصولية تاريخية، د. أحمد صبحي منصور، ص[61]).

وفي عام (2003م) نشر الدكتور حاكم المطيري كتابه ذائع الصيت (الحرية أو الطوفان)، لكنه في سبيل شرعنته لمفهوم الحرية الغربي فإنه لم يشر إلا إشارة عابرة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين (الحرية أو الطوفان، ص[61]) بينما كثَّف تأصيله على ما ذكره الفقهاء من الحالات التي لا يقاتل فيها البغاة والخوارج، وبعج هذه الحالات ومططها وأخرجها عن سياقها ليركُز فوقها مفهوم الحرية الغربي، والحقيقة أن الدكتور حاكم بعد كتابه الأخير (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) المنشور في 2010م اتضح فيه بشكل حاد مناقضته الجوهرية لتيار التنويريين والاصلاحيين في مسائل (التكفير والخروج) واقترابه من لغة عبدالسلام فرج صاحب الفريضة الغائبة.

وفي عام 2006م نشر الدكتور طه جابر العلواني بحثًا بعنوان (لا إكراه في الدين) احتج فيه على الحرية وتعطيل حد الردة بجملة أمور منها ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين.

ثم إن الكاتب الإنترنتي المعروف زائر الوسطية (سعيد الكثيري) قام بتصميم كتاب نشره قبل عدة سنوات على شبكة الإنترنت اسمه (تجديد فهم الوحي) (www.tajdeedat.com) وقد رأيته أول مرة على الشبكة عام 2007م ولا أدري هل وجد قبل ذلك أم لا، وذكر فيه آيات النفاق محتجًا بها على الحرية، وكان يستل منه أجزاءً ويعيد حقنها في المنتديات الحوارية بشكل دوري، ويستغل غالبًا أي جدل يثار هنا أو هناك في المنتديات الحوارية ليدخل في الجدل ويقحم أجزاءً من مادة كتابه (انظر مثلًا ذات آيات النفاق نشرها بمنتدى محاور بتاريخ 21/ 4/ 2007م).

ثم في فترة لاحقة قامت الشبكة العربية للأبحاث والنشر بطباعة هذا الكتاب بنفس العنوان (تجديد فهم الوحي) لكن وضعوا للمؤلف اسمًا مستعارًا آخر وهو (إبراهيم الخليفة).

 

وسأعرض جزءًا مختصرًا مما قاله الأستاذ إبراهيم الخليفة (زائر الوسطية) في كتابه هذا حول دلالة آيات النفاق على الحرية، يقول المؤلف:

"لقد قال المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفعلوا أسوأ مما قاله وفعله الكثير من المخالفين للدين في عصرنا. ماذا كان يقول المنافقون في عهد الرسول عن أنفسهم وعن الصحابة ؟!
- كانوا يقولون إنهم مصلحون، ويصفون الصحابة بأنهم سفهاء: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة من الآية:13].
- المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [آل عمران من الآية:118].
- المنافقون كانوا يدعمون أعداء مجتمعهم ولو بالأقوال والآراء والوعود: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} [الحشر من الآية:11].
- كان المنافقون يكذبون على الرسول: {وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون من الآية:1].
- كانوا كافرين بالفعل: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} [المنافقون من الآية:3].
- كانوا يرفضون استغفار الرسول لهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّـهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ} [المنافقون من الآية:5].
- كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا} [المنافقون من الآية:7].
- في قلب الأزمات كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:17].
- كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب:13-14].
- بعض المنافقين لم يكونوا يشككون في نزاهة الصحابة أو العلماء والقضاة، بل كانوا يشككون في نزاهة الرسول: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة:58].
- بعض المنافقين كانوا يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61].
هل يتحمل الموقف من قيمة الحرية أي اختلاف أو توقف أو تحفظ؟، وهل تكفي الآيات التي تم عرضها لإثبات مشروعية وضرورة إعادة ترتيب سلم القيم؟!" ((تجديد فهم الوحي)، إبراهيم الخليفة، ص[447]، مع حذف بعض الفقرات).


قصة المادة المستعارة:


وممن تابع هذا الاتجاه الأستاذ نواف القديمي، حيث أعاد عرض ذات المادة التي صاغها زائر الوسطية -مع شيء من الاختصار- في ثلاثة مواضع: في كتابه ((أشواق الحرية)،ص[56]) حيث استعارها القديمي للرد على موقف السلفية من الديمقراطية، ثم استعار ذات المادة مرةً أخرى في مقالته (على هامش فتوى البراك) وكانت ردًا على فضيلة الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك، ثم استعارها مرةً ثالثة في مقالته (هامش الحرية والورطة أمام النص الشرعي) للرد على المشايخ الفضلاء (فهد العجلان، محمد القصاص، بدر باسعد، عبداللطيف التويجري). وفي كل المواضع الثلاث لم يشِر الأستاذ القديمي للمصدر الذي استعار منه هذه المادة.

وقد وقعت لي قصة طريفة مع هذه المادة، ذلك أنني حين قرأت كتاب الأستاذ القديمي (أشواق الحرية) فور صدوره مرَّ بي قول الأستاذ: "وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61]" (أشواق الحرية)، القديمي،[57]).

وهي نفس العبارة التي أعادها في مقالته في الرد على البراك، فتوقفت محتارًا أمام هذا التفسير، حيث فسر الأستاذ القديمي قوله تعالى: {هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61] بأنه اتهام للنبي بالتجسس، بينما كنت أتذكر أنه قد أشكل علي معنى الآية قبل سنوات فراجعت على عجل تفسير ابن كثير فوجدت المعنى أن العرب تقول للشخص (أُذُن) أي يقبل ويصدِّق كل ما يقال له، لكني تهيبت أن أخطّئه وقلت في نفسي لعله اطلع على هذا المعنى في أحد كتب التفسير الموسعة.

ثم بعد فترة راجعت التفاسير العشرين المشهورة: الطبري، وابن أبي حاتم، والبغوي، وابن كثير، وابن عطية، وابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور.

وفي كل هذه التفاسير العشرين لم أجد أحدًا من أهل العلم قال أن معنى {هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61] أي جاسوس، وإنما كلهم يؤكدون أن معناها أنه يصدق ويقبل ما يقال له، أي أرادو تنقصه صلى الله عليه وسلم بالانخداع والاغترار والغفلة، وهذا معنى لا صلة له بالجاسوسية!

ومع ذلك بقيت متحيرًا من أين أتى الأستاذ القديمي بهذا التفسير لعبارة {هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61] بأنها التجسس؟

ولما أعدت قبل أمس مطالعة كتاب زائر الوسطية وجدت المفتاح، حيث وجدت زائر الوسطية (إبراهيم الخليفة) يقول في كتابه ذات العبارة: "كان بعض المنافقين يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61]" ((تجديد فهم الوحي)، إبراهيم الخليفة،[452]).
وكانت هذه الواقعة بالنسبة لي نموذجًا جديدًا لمخاطر القص واللصق، سيما بلا عزو ولا نسبة.

وظني أن سبب خطأ (زائر الوسطية) في هذا التفسير هو أنه رأى بعض أهل اللغة يقولون أن وصف من يسمع ويصدّق ما يقال له بأنه (أُذُن)، يشبه وصف الجاسوس بأنه (عين)، فكلاهما سمي بالجارحة المناسبة، فاختلطت الأمور عند زائر الوسطية فسمى من يصدق ما يقال له جاسوسًا، أي أنه سمى الأذن عينًا! والواقع أن هذا تشبيه للعلاقة بالعلاقة لا تشبيه للجارحة بالجارحة!

ولما قرأت قول الأستاذ القديمي في كتابه ومقالته عن المنافقين: "وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران من الآية:118]"، توقفت أيضًا، لأن هذه الآية يذكرها أهل العلم في باب الولاء والبراء عن أهل الكتاب، وأول الآية {بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} [آل عمران من الآية:118] وأتبعها بقوله {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران من الآية:119] بما يؤكد هذا المعنى أنها في أهل الكتاب، لكن قلت في نفسي لعل الأستاذ القديمي يجعل هذا الصنف من أهل الكتاب من المنافقين، سيما أن هناك من أهل العلم من ذهب لذلك.

لكن لما طالعت كتاب زائر الوسطية ووجدت ذات العبارة فيه، استبان لي أن الأمر لا يعدو كونه قص ولصق، يقول زائر الوسطية في كتابه: " المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران من الآية:118]" ((تجديد فهم الوحي)، إبراهيم الخليفة،[447]).

ولما قرأت في كتاب الأستاذ القديمي ومقالته قوله: "كانوا يتآمرون على رسول الله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا} [المنافقون من الآية:7]"، لم تتضح لي العلاقة! فالمنافقون يرفضون الإنفاق على {مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا} [المنافقون من الآية:7] وليس على (رسول الله)، فلا أدري لماذا جعلها مؤامرة على الرسول، ولم يجعلها مؤامرة على الصحابة الذين عند رسول الله؟

ولما قرأت كتاب زائر الوسطية تبين لي أن عملية الاختصار هذه المرة كانت عاجلة بالشكل الذي سبب هذا القفز في المعنى، حيث يقول زائر الوسطية: "كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا} [المنافقون من الآية:7]" ((تجديد فهم الوحي)، إبراهيم الخليفة، [448]).

ثم استمر الأستاذ القديمي في استعارة المادة، بذات آياتها، وبذات وجوه الاستدلال من كل آية، مع شيء من الاختصار والتصرف أحيانًا، ومن ذلك مثلًا:

يقول زائر الوسطية: "كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب:13].

ويتابعه الأستاذ القديمي: "وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب:13]".

ويقول زائر الوسطية: "كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب:17]".
ويتابعه الأستاذ القديمي: "بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}[الأحزاب:17]".

بل ومن الطريف أن الأستاذ القديمي حافظ على ترتيب أكثر الآيات كما رتب عرضها زائر الوسطية في كتابه المشار إليه.

والحقيقة أنني لم أكن أستبعد أن يستفيد الأستاذ القديمي من كتاب زائر الوسطية (إبراهيم الخليفة) المسمى (تجديد فهم الوحي)، لأن الأستاذ القديمي هو الذي قام على طبع الكتاب عبر مؤسسته الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ومن الطبيعي أن يكون طالع الكتاب قبل نشره بمدة كافية، لكنني كنت آمل أن لا ينسب هذه المادة لنفسه ويستعملها في ثلاثة معارك دون أن يشير ولو إشارة بسيطة إلى أنه نقل المادة من كتاب زائر الوسطية (إبراهيم الخليفة).

 

ومن جانب آخر فإنني أعتب على الأستاذ القديمي كيف يخوض في تفسير القرآن بناء على قص ولصق من كتاب زائر الوسطية، والجميع يعرف أن زائر الوسطية صاحب تفكير غرائبي لا عقلاني، فهو مهجوس بتأويل النبوءات، مثل حماسه لإثبات أن المسيح الدجال هو الحضارة الغربية، وخوضه سجالات إلكترونية كثيرة لإثبات ذلك، ومن ذلك قوله: "فإننا لا نتردد في الزعم بأن المسيح الدجال هو الغرب الحديث أو الحضارة الغربية" (انظر: موقع تجديد فهم الوحي). ومن أفكاره الخرافية أن فتنة قرن الشيطان هي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب كما يقول في كتابه: "في أفكار الشيخ وفي جهوده جوانب غلو حقيقية ومؤكدة تدور حول مسائل التكفير والعنف، وهذه في تقديرنا هي المقصودة بنبوءة قرن الشيطان" ((تجديد فهم الوحي) ص[91]).

ومن أفكاره التي طرحها -أيضًا- القول بجواز إلغاء حد رجم الزاني المحصن وجلد شارب الخمر ((تجديد فهم الوحي) ص[149-150]، بل والأكثر إضحاكًا من ذلك أنه يعتقد أن الصلوات المفروضة الواجبة إنما هي الصلوات الجهرية (المغرب، الفجر، العشاء) أما صلوات النهار (الظهر، العصر) فيرى أنها مستحبة فقط فيقول: "إن الصلوات الجهرية تدخل في إطار الواجبات الثابتة والمستمرة، أما بقية الصلوات فتدخل ضمن قسم التزكية" (ص[160]) ثم شرح استنباطاته العجائبية التي أوصلته لهذه النتيجة، وله من أمثال هذه التقليعات اللاعقلانية الكثير فكتاباته تحمل على محمل الطرافة والتسلية والفكاهة وليست بحوثًا علمية!

بل كنت أتساءل كيف تطبع (الشبكة العربية للأبحاث والنشر) مثل هذا الكتاب الذي يجحد فرضين من الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام، ويجحد جملة من الحدود الجنائية الشرعية، ويجعل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب قرن الشيطان؟! ثم يقولوا نحن من أهل السنة الحريصون عليها؟! هل رأيتم في حياتكم رجلًا ملتزمًا بأصول أهل السنة يروج لكتاب ينكر صلاتين من الفرائض الخمسة ويجحد حدود الله ورسوله ويتهم أئمة الإسلام بأنهم قرون الشيطان؟!

على أية حال... كان من الخطأ الفادح أن يُعتمَد على صياغة مثل هذا الرجل الغريب الأطوار -أعني زائر الوسطية- وتفسيره لآيات النفاق ووجه دلالتها على هامش الحرية، ثم تستعمل هذه المادة المستعارة في ثلاث معارك ضد السلفية، والإمام عبدالرحمن البراك، وجملة من طلبة العلم! فهذا ما كان تحاشيه خير من تقحّمه، لكن قدر الله وما شاء فعل.

 

سُنيّة نتائج الشبهة:

قبل أن نناقش هذه الشبهة كما صاغها زائر الوسطية واستعارها الأستاذ القديمي، دعونا نسلط الضوء على هذه القضية من زاوية أخرى.

كنت أسمع التنويريين والإصلاحيين يرددون بأنهم ملتزمون بأصول أهل السنة، ويبدون انزعاجهم وتبرمهم من أي رجل يضعهم في مواجهة أصول أهل السنة وجهًا لوجه.

حسنًا... دعونا نختبر صحة دعوى تمسك التنويريين والإصلاحيين بأصول أهل السنة، لن نختبر هذه الدعوى بتمحيص جميع مقالاتهم وأفكارهم، بل سنختبرها على ضوء فكرة واحدة فقط من أفكارهم، وهي (شبهة حرية المنافقين)، ولاحظ معي أنها مجرد فكرة واحدة فقط من أفكارهم.

اتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم، والجمهور يبلغون بالعقوبة القتل، قال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن من سبَّ النبي صلى الله عليه و سلم يُقتل". بينما أصحاب شبهة (حرية المنافقين) يقولون لا يعاقب ساب النبي صلى الله عليه وسلم شرعًا.

واتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة المرتد (وإن اختلفوا في بعض التفاصيل) ((بداية المجتهد[2/ 459])، ولكن أصحاب شبهة حرية المنافقين يقولون لا يعاقب المرتد شرعًا.

وهكذا تأمل في العقوبات الشرعية التي ذكرها أهل السنة، مثل: عقوبة الداعية إلى البدعة، وعقوبة الجاسوس، عقوبة من يقذف الصحابة، وعقوبة المفطر في نهار رمضان جهارًا، عقوبة أي طائفة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام كالأذان... إلخ، وقارنها بمدرسة حرية المنافقين تجد أن أصحاب هذا المذهب يؤول كلامهم إلى جحد كل العقوبات من حيث أصل وضعها الشرعي، لأنهم أتاحوا الحرية لأغلظ أنواع الكفر، وصاروا يقولون أن ما دون ذلك فهو أولى بالحرية، فآل هذا القول إلى إلغاء كافة العقوبات الشرعية من حيث أصل وضعها الشرعي، فهذا يعني أن أبواب الحدود في الفقه الإسلامي كانت تضييعًا للوقت!

هذا اللازم الذي تورطت به هذه المدرسة يقودنا إلى اكتشاف خطأ فرضيات هذه المدرسة في تفسيرها لآيات أفعال المنافقين، إذ لو كانت فرضيتهم التفسيرية لآيات أفعال المنافقين صحيحة لما أدت لهذه النتيجة الكارثية التي تلغي عشرات النصوص والتشريعات الأخرى.

وهذه طريقة أهل السنة في تحليل تفسيرات النصوص، فإنهم يدرسون لوازم وآثار التفسيرات المطروحة، فإذا انسجمت مع بقية النصوص علموا صحتها، وإذا أدت للوازم فاسدة علموا بطلان هذا التفسير، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه: "فساد اللازم يستلزم فساد الملزوم" وهي آلية عقلية استعملها القرآن كثيرًا، وأخبر الناس بها أهل السنة.

وهذا اللازم (إلغاء العقوبات الشرعية) ليس لهم إلا أن يتراجعوا عنه، ويقروا بالعقوبات الشرعية التي قررها أهل السنة وينقضوا تفسيرهم الشاذ لآيات أفعال المنافقين، وإما أن يواصلوا تمسكهم بهذا اللازم، فعليهم هاهنا أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم ويعترفوا أنهم مفارقين لجملة من أصول أهل السنة، وعلى رأسها -في هذه المسألة- أصول أهل السنة في العقوبات والانكار والحسبة، وهي أصول كلية إجماعية وليست مسائل اجتهادية يغمض مأخذها ولا يثرب فيها على المخالف.


الجواب الإجمالي عن الشبهة:

إذا كان تفسير آيات أفعال المنافقين بهذه الصورة يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، فما هو التفسير الصحيح لهذه الآيات التي سردها هؤلاء إذن؟

هذا السؤال يقودنا الآن إلى الجزء الرئيس أو العمود الفقري لهذه المقالة، والحقيقة أن تفسير آيات أفعال المنافقين يحتاج إلى مستويين من الجواب: الجواب الإجمالي، والجواب التفصيلي عن أفراد تلك الآيات التي استدلوا بها آيةً آية.

فأما الجواب الإجمالي عن هذه الشبهة فهو أن أقوال وأفعال المنافقين، أو المخالفة للشرع بشكل عام، ليست على حال واحدة، فهي إما أن تكون سرًا يتداولونها بينهم -وهذا هو الأصل والغالب- وإما أن تكون ظهرت ونقلت للرسول لكنهم أنكروها أو تابوا وتراجعوا عنها، وإما أن تكون نقلت للرسول ولم ينكروها ولم يتوبوا عنها لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك إيقاع العقوبة لمانع شرعي راجح، وإما أن تكون نقلت للرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكروها ولم يقم مانع وتم إيقاع العقوبة.

- فأما المرتبة الأولى وهي كون أقوالهم وأفعالهم يسرون ويجتهدون في التستر بها فهي الغالب على المنافقين، ولذلك قال تعالى عنهم: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة من الآية:101] فبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلمهم كلهم بأعيانهم وأن الأصل فيهم التستر بأفعالهم.
وقال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد من الآية:30]. فبين أن الله لم يره إياهم، وإنما يمكن التعرف إليهم بالقرائن لا صراحة.
وقال تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة من الآية:64]، فأشارت هذه الآية إلى اجتهادهم في ستر نفاقهم في قلوبهم حتى خافوا أن تفضحه الآيات.
ولو قيل لأي مسلم من أعلم أمة محمد بالمنافقين؟ لقال على الفور: حذيفة رضي الله عنه. فاسمع ما يقول حذيفة في صحيح البخاري: "إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون" (البخاري[7113]).
وبسبب كون الأصل فيهم الإسرار فلذلك استحقوا هذا اللقب (المنافقين) والذي تميزوا به عن عامة الكفار.

- وأما الحالة الثانية وهي حالة إنكار المنافقين ما ينسب إليهم، وحلفهم الأيمان بجحده، فهي كثيرة ومن ذلك قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ} [التوبة من الآية:95].
وقوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة من الآية:74]
وقوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ} [التوبة من الآية:65]
وقوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة من الآية:62]
بل أخبر الله عن هذه الوسيلة عندهم كقاعدة عامة في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون من الآية:2] أي ترسًا ووقاية يستجنون بها، فيتفوهون بالعبارات المصادمة للشريعة فإذا بلغت الرسول حلفوا ما قالوا وأنكروا وجحدوا!

والباحث الموضوعي الصادق في البحث عن الحقائق الشرعية يسأل نفسه: لماذا كان المنافقون يحلفون في إنكار ما ينسب إليهم؟ لو كان الأمر متروكًا لهم على سبيل الحرية فهل كانوا بحاجة إلى الحلف والإنكار؟ وكونهم يحلفون منكرين جاحدين هذا يعني أن هناك (حالة استدعاء ومساءلة وتحقيق) مسبقة اضطرتهم إلى الحلف والإنكار.

- وأما حالة الاقرار بالفعل والاعتذار عنه فهي كثيرة أيضًا، ومن ذلك قوله تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} [التوبة من الآية:94]، وقوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة من الآية:66].

والباحث الموضوعي يسأل نفسه هاهنا -أيضًا- لماذا يعتذرون عن ما تثبت نسبته إليهم؟ هل لو كان الأمر على سبيل الحرية الشخصية الواسعة احتاجوا للاعتذار؟

وفي بعض الأحوال قد تتحقق شروط العقوبة لكن يمنع من إقامتها مانع شرعي راجح، وهو قيام فتنة أعظم، وهذا مما كان يراعيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن أبي خصوصًا، فإنه بقي في بعض القلوب حمية له لأجل مركزه السيادي السابق بين الأوس والخزرج.

وأما إذا تحققت شروط العقوبة وانتفت موانعها الراجحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بإنفاذ العقوبة، ولذلك عاقب الثلاثة الذين خُلِّفُوا، ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمّن الناس جميعًا إلا تسعة نفر فإنه أراق دماءهم وكان منهم: عبدالله بن سعد بن ابي السرح، ومقيس بن صبابة، وهذين كانا مسلمين ثم ارتدا. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لهم حرية الرأي!

وكذلك أصحاب النبي، حين قاتل أبو بكر المرتدين، وقتل أبو بكر أم قرفة لما ارتدت بمحضر الصحابة، وقتل ابو موسى ومعاذ بن جبل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد كما في الصحيحين.
بل إن عمر جلد صبيغ لما سأل عن متشابه القرآن، ولم يقل هامش حرية الرأي!

وفي صحيح البخاري عن عكرمة قال: أتي علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقتلتهم لقول رسول الله: «من بدل دينه فاقتلوه».

فهل هذه الأقضية النبوية والراشدية كلها لم تفهم آيات أفعال المنافقين بينما فهمها مجموعة من المنتسبين للفكر المعاصر الذين ليس لهم عبودية الصحابة ولا عمق علمهم بالشريعة؟! أفهذا من العقل والعقلانية في شيء؟!
وبعض هؤلاء يحتج ويقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بعض أسماء المنافقين حيث أطلعه الله على ذلك؟ والحقيقة أن هذا المعترض لم يستوعب أن أحكام الإسلام يجريها النبي صلى الله عليه وسلم على الظاهر، ولذلك يقول الإمام الشافعي في كتابه (الأم): "قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر" (الأم، الشافعي، [4/ 264]).


الجواب التفصيلي عن الشبهة:

ما مضى هو الجواب الإجمالي عن الشبهة وهي تراوح حالاتهم بين الإسرار -وهو الأصل والغالب- وبين الإنكار أو الاعتذار أو ترك العقوبة لمانع راجح، أو الأمر بإنفاذها إذا استوفت شروطها وانتفت موانعها.

دعونا الآن ننتقل للجواب التفصيلي عن الآيات التي استدلوا بها آية آية، والحقيقة أن المادة المستعارة في الرد على الشيخ البراك تضمنت إحدى عشر آية، وهي كالتالي:

1- الآية الأولى: يقول الكاتب: "كانوا يصفون الصحابة بالسفهاء: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة من الآية:13]".

الجواب: هذه الآية في سياقها ذاته نقيض ما احتجوا به، لنقرأ الآية في سياقها وننظر الآية التي تعقبها مباشرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ . وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:13-14]
فبين الله أنهم إذا لقوا الذين آمنو لم يظهروا مقالتهم هذه، بل يظهرون ضد ذلك، ولم يظهروا ضد ذلك إلا لأن الأمر ليس على سبيل الحرية.

2- الآية الثانية: يقول الكاتب: "وكانوا يحرِّضون الكفار على مُجتمعهم، ويدعونهم لحرب المُسلمين: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر:11]".

الجواب: قبل أن نقرأ سياق الآية كنت أقول في نفسي: ألم يتأمل هذا المحتج ماذا يعني احتجاجه هذا؟! هذا يعني أنه لو وجدنا رجلًا يحرض أمريكا على غزو ديارنا واحتلال حقول النفط، أو يحرض إيران على العبث بأمن الحجيج في بلادنا، أو رجلًا يتعاون مع الحوثيين ضد جنودنا في الجنوب، أو وجد إخواننا في حماس رجلًا يحرض الصهاينة على أهل غزة ويدعوهم لحربهم.. إلخ، فإنه في كل ذلك لا يجوز شرعًا معاقبة هذا المحرض والمؤلب على حرب المسلمين، بل يجب أن تحفظ له حريته، وهذا حق له لا يجوز الاعتداء عليه! أي شرع هذا؟! وما هذا الاستنباط الذي يكفي تصوره لإبطاله!

يا الله... العجب كيف يذهل كثير من الكتبة عن نتائج خطيرة في سياق مشاحنتهم لأهل العلم والسنة، هذا الموضع فقط كافٍ لكشف التخبط العميق في تفسيرهم لآيات أفعال المنافقين.
المهم... دعونا نعود للآية، وقصة هذه الآية أن نفرًا من المنافقين انطلقوا إلى بني النضير ووعدوهم بنصرتهم ضد المسلمين، ففضح الله المؤامرة دون تعيين القائل ولا تسميته بل بقيت في القرآن مكتومة مطوية، فغاية ما في الآية مؤامرة كشفت أوصافها وليست حرية رأي!

3- الآية الثالثة: يقول الكاتب: "وكانوا يكذبون على الله ورسوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة من الآية:42]".

الجواب: ما قاله الكاتب هاهنا هو عين ما نريد إثباته، فقد كفانا إياه جزاه الله خيرًا!، فنحن نقول أن المنافقين يظهرون بخلاف حقيقتهم، ويعتذرون لرسول الله أعذارًا يكذبون فيها، بل ويحلفون في هذه الأعذار كما ذكرت هذه الآية، فأذن لهم الرسول لما حلفوا له معاملةً لهم بظاهرهم، فبالله عليكم أي دلالة في اعتذار المنافقين على حرية الرأي المزعومة؟! بل هذا يفيد نقيض كلامهم وهو أن المنافقين لم يكونوا مجابهين بمصادمة الشرع بل يتدسسون ويعتذرون!

4- الآية الرابعة: يقول الكاتب: "وكانوا يلمِزون الرسول عليه الصلاة والسلام: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة من الآية:58]".

الجواب: أصل اللمز هو ما يكون من التنقص في خفاء كما يقول ابن عطية في تفسيره: "يلمزك: معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة"، وحكي في الآية أسباب نزول غاية ما فيها أن بعضهم قال للنبي (اعدل)، وقيل في الآية أن {يَلْمِزُكَ} أي يسألك ويطلب منك إذا أتتك الصدقات. والمراد أن كون المنافقين غاية ما استطاعوا هو اللمز الذي فضح الله وصفه دون أعيان قائله هذا دليل على ضد مقصود أصحاب حرية الرأي.

5- الآية الخامسة: يقول الكاتب: "وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة من الآية:61]".

الجواب: سبقت الإشارة إلى أن معنى {أُذُنٌ} ليس هو التجسس، وإنما الاغترار بما يقال، وأن هذا التفسير الخاطئ انتقل مع المادة المستعارة كما هو. لكن لماذا قال المنافقون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن؟ يقول الإمام البغوي رحمه الله: "نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم "لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا"، فقال الجلاس بن سويد منهم: "بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أُذُن".

وهذا يعني أن المنافقين يعتذرون عن أقوالهم إذا بلغت النبي صلى الله عليه وسلم، وليسوا يمنحون عنها حرية الرأي! ولذلك عقب القرآن بعد هذه الآية مباشرة بقوله عنهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة من الآية:62].

6- الآية السادسة: يقول الكاتب: "وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران من الآية:118]".

الجواب: سبقت الإشارة إلى أن هذه الآية الأشبه أن تكون في أهل الكتاب، وهو ما مال إليه جماهير المفسرين، وأن صياغة الشبهة بهذا الشكل الأرجح عندي أنه مما تسرب مع عملية الترحيل الغامضة من كتاب زائر الوسطية.

7- الآية السابعة: يقول الكاتب: "وكانوا يصدون عن رسول الله ويستكبرون عليه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّـهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون:5]".

الجواب: يقول ابن كثير رحمه الله عن سياق هذه الآيات: "وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول". وقد أنكر ابن أبي ما نقل عنه لرسول الله كما يقول قتادة: "فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك". وابن أبي عمومًا كما جاء في الخبر: "كان إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا". ثم إن سياق الآيات التي سبقت هذه الآية ذلك تشير لذلك حيث جاء فيها {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ} [المنافقون من الآية:1]، {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون من الآية:2]، {وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون من الآية:4]. ثم إن ابن أبي لما خشي النبي وقوع الفتنة بقتله بسبب كونه سيدًا في قومه قبل الإسلام صار هذا مانعًا شرعيًا راجحًا في ذلك الظرف الزمني المؤقت. والخلاصة أن هذه الواقعة التي حكاها القرآن لا صلة لها بحرية الرأي المزعومة بل واقعة لها ملابساتها الخاصة المختلفة.

8- الآية الثامنة: يقول الكاتب: "وكانوا يتآمرون على رسول الله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا} [المنافقون من الآية:7]".

الجواب: واضح قطعًا أن الكاتب لم يراجع أي كتاب تفسير حين احتج بهذه الآية! ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نقلت له مقالة المنافقين هذه قام بعملية تحقيق، واستدعى الأطراف المبلغ عنهم، لكن المنافقين أنكروا وجحدوا، روى البخاري في صحيحه قال: "عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل" فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي "ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟"، فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون من الآية:1] فبعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد»".

وكون النبي يستدعي الأطراف ويحقق معهم، فهذا يعني أن هذه الآية دليل على المساءلة والتحقيق في الأقوال المخالفة للشريعة، وليست دليلًا على حرية الكفر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عاملهم بظاهرهم.

9- الآية التاسعة: يقول الكاتب: "بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12]".

الجواب: هذه الواقعة لا صلة لها بحرية الرأي المزعومة بل هي مجرد حالة خور في لحظة حرب مفزعة كما ينبئ عن ذلك سياق الآيات قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّـهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:10-12].
ومن الطبيعي أن لا يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أي إجراء عقابي في لحظة الحرب، وهذا نظير ترك الحدود في الغزو الذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ثلاثة من الصحابة عمر وأبي الدرداء وحذيفة، فضلًا عن أنه لم يقم أي دليل على أن هذه العبارة بلغت النبي صلى الله عليه وسلم عن قائل معين، والقرآن نقلها عن غير معين كما هي عادة القرآن في أفعال المنافقين.

10- الآية العاشرة: يقول الكاتب: "وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب:13-14]".

الجواب: هذه الآية حكى الله فيها مقالتين، المقالة الأولى: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} وفيها وجهان أن أوس بن قيظي قالها لقومه، والثاني أن اليهود قالوها لعبدالله بن أبي، وعلى كلا الوجهين لم تستوف شروط العقوبة الشرعية، ومع ذلك فالقرآن حكى هذه المقالة عن غير معين.
وأما المقالة الثانية فهي: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} وهذا استئذان للنبي لا صلة له بموضوع الحرية.

11- الآية الحادية عشرة: يقول الكاتب: "وكانوا أشحة على الخير، ويقذفون الصحابة بألسنة حِداد: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} [الأحزاب من الآية:19]".

الجواب: أكثر أهل التفسير على أن قوله تعالى: {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي معناها الإلحاح بالكلام المستكره طلبًا للغنيمة، وقيل في معناها أقوال أخرى، لكنها على كل الأحوال إذا وصلت إلى القذف، فالقذف له عقوبته الشرعية، فأما إن كان الكاتب يظن أن السلق هنا يصل للقذف وعطل الشارع حد القذف فهذا ضرب للنصوص ببعضها.

هذا ما يتعلق بالجواب عن أعيان الآيات التي احتجوا بها آيةً آية.

 

والحقيقة أنني مكثت مرةً أتأمل: لماذا يفصل أصحاب هذا الطرح بين الحرية السلوكية والحرية العقدية؟ فتجد أكثر حديثهم عن الحرية العقدية، فيرون الحرية للكفر والزندقة والنفاق، لكن لو قلت لهم: هل هذه الحرية مكفولة لمن يزني ويشرب الخمر؟ قالوا لا!. فكنت أتساءل وأقول: كيف يصبح المرتد مكفول الحرية، والزاني وشارب الخمر يعاقب؟ إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أتاح الحرية للردة كما يقررون، فما دون الردة من الجرائم أولى بالحرية!

فانظر كيف أن هذه الطوائف الفكرية المتعلقة بشبهة حرية المنافقين خالفت أهل السنة في أصول العقوبات الشرعية، كل ذلك في شبهة واحدة فقط من شبهاتهم، فكيف لو تتبع الباحث بقية شبهاتهم في أصول التلقي والاستدلال والموقف من المخالف ومنزلة الدنيا وأحكام المرأة ومنهج الفتيا وفقه السياسة الشرعية ونحو ذلك، ثم يأتونك مستغربين ويقولون: لماذا تجعلوننا مخالفين لأهل السنة؟ يا الله... العجب كيف لا تبصر العيون كل هذه الانشقاقات عن مذهب أهل السنة والجماعة؟!

وكون هؤلاء وافقوا أهل السنة في بقية أصول السنة هذا لا يمنع كونهم من أصحاب المحدثات، فإن كثيرًا من القدرية (المنكرين لكون الله يقدّر المعاصي كونًا) وافقوا أهل السنة في بقية أصول الإيمان كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وفي تقدير الطاعات والصحابة ونحو ذلك، ولكنهم خالفوا أهل السنة في جزء من القدر وهو تقدير المعاصي، ومع ذلك عدهم السلف من أهل الأهواء وأهل البدع وأهل المحدثات في دين الله، وهكذا فإن هذه الطوائف الفكرية برغم كونها وافقت أهل السنة في بعض أصول الدين، لكنها خالفت أهل السنة في عدة أصول من أصول التلقي والاستدلال وبعض الأصول التشريعية، وهذه العقوبات الشرعية التي أنكروها مجرد نموذج لذلك، فهم أهل إحداث وابتداع في دين الله، وأهل أهواء.

وبعض هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهة يقولون إذا اختار المجتمع هذه العقوبات الشرعية فيجب تطبيقها، يظنون بذلك أنهم يتخلصون من شناعة قولهم، وما علموا أن هذا أفظع شناعة، فإن هذه العقوبات الشرعية حين أتت بكتاب الله وسنة نبيه ردوها واستثقلوها ورأوا أن فيها تقييدًا للحرية وضيق أفق، وحين أقرها المجتمع التزموا بها، فصار تشريع الشعب فوق تشريع الله ورسوله، وهذا هو مؤدى مفهوم الديمقراطية الذي حذر منه الربانيون من أهل العلم، وقد كان الديمقراطيون ينكرونه نظريًا لكنهم الآن يعلنونه عمليًا، أعني كون مصدر التشريع هو الشعب وليس رب الشعوب سبحانه وتعالى.

ثم إنه من الغرائب أن يقال إن المجتمع إذا اختار حماية عقيدته فيجب الالتزام بخيار المجتمع، فكيف يضيّق المجتمع على الحريات التي كفلها الشرع في نظركم؟ أنتم ترون النبي كفل الحرية للكفر والقذف والزندقة والردة والتأليب على المسلمين، فكيف يسوغ للمجتمع أن يضيق هذه الحريات التي كفلها رسول الله؟! هل نحن أغير على العقيدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وأما قول القائل: "أنتم في ورطة مع النصوص الشرعية" فهذا قَلَب المشكلة، بل الذي في ورطة مع النصوص الشرعية هو من فسرها بما يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، وأما من فسرها بشكل يتسق مع بقية النصوص الأخرى، ويتسق مع فقه أصحاب النبي وأئمة أهل السنة؛ فهذا في راحة وانسجام، وليس في ورطة.

ويشهد الله وحده أنه لما نشرت مجلة العصر المقالة التي تشوش على فتيا الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك في خالص جلبي فإنه قد نازعتني نفسي في الرد، لكني توقفت لاعتبارات نفسية معينة كنت أداريها، ولكن لما صدرت الآن المقالة الثانية قبل أمس في مجلة العصر، فصار كتاب (أشواق الحرية) والمقالتان اللتان أعقبتاه كلها تكرر نفس الشبهة (حرية المنافقين) والمستعارة من دردشات زائر الوسطية بذات أخطائها؛ شعرت حينذاك بأن الشبهة بحاجة لتفكيك علمي وأنه لا مكان للمجاملات في دين الله، لكني لا أناقش إلا شيئًا منشورًا ولا أستغل -بإذن الله- ما أفضى به إلي صديق بشكل خاص في الرد عليه، فالعلاقات الشخصية شيء، والأقوال المنشورة شيء آخر، وهذا مبدأ من مبادئ المروءة أتمنى أن أبقى عليه ما حييت.

والحقيقة أنه من أكثر ما آلمني أنني ألاحظ اليوم تقصير النظام السياسي الحالي في الأخذ على يد السفهاء لردعهم عن العبث بالأحكام الشرعية في قنواتنا وصحافتنا، فلا أعرف حكمًا شرعيًا يتعارض مع الثقافة الغربية إلا وقد كتبت صحافتنا المحلية في تنقصه وتسفيهه وتحريفه، ومع ذلك لايزال النظام السياسي المحلي لم يتخذ بحق هؤلاء الروادع الشرعية المطلوبة، ثم يأتينا الآن من يسمون أنفسهم التنويريين والاصلاحيين ويقدمون للسياسي شرعنة للمزيد من حرية الزندقة! وكأننا سننهض إذا أتحنا المزيد للكفر وسب الرسول وشتم الصحابة!

هذه الكتابات التي تسميها نفسها تنويرًا وإصلاحًا لم تصلح الخلل السياسي، ولم تدع الشريعة في حالها.

والله أعلم.

إبراهيم السكران

بكالوريوس شريعة- ماجستير سياسة شرعية-جامعة الإمام- ماجستير قانون تجاري دولي-جامعة إسكس-بريطانيا.

  • 1
  • 0
  • 13,805

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً